تاريخ النشر2022 12 September ساعة 08:28
رقم : 565186

أولويّاتٌ في التبليغ الديني المعاصر - القسم الثاني

تنا
التبليغ ليس مسألة فكريّة محضة أو قناةً لنقل المعلومات إلى الناس، بل هو أكثر بكثير من ذلك وأبعد، إذ هو في حقيقة أمره وفي مفهومه الديني، منهجٌ للتغيير والإصلاح الاجتماعي، فالمبلِّغ هو الذي يذهب إلى مجتمعٍ ليقومَ بعمليّة تغيير اجتماعي فيه، لا ليقومَ بعمليّة نقل الأفكار فقط .
حيدر حبّ الله
حيدر حبّ الله
حيدر حبّ الله
تحرير وتنظيم: الشيخ سعيد نورا
 
إذن، المشكلة الأساسيّة تكمن في هذه المعرفة المجتزءة غير الصحيحة، حيث تقدّم الله مخوّفاً أكثر ممّا تقدّمه راحماً. وشعوبنا اليوم في العالم الإسلامي في الشرق والغرب لا تريد مستبدّاً ولا شخصاً تخاف منه، حيث تعبت من الديكتاتوريّات والقمع، فإذا صوّرتَ لها الله أنموذجاً آخر للقمع، فستخاف منه وتهرب، ولن تتودّد إليه، ولن تعمل من أجله.
 
إنّ شعوبنا اليوم تبحث عن الرحمة، وأينما تجد في الدين عنصراً من الرحمة تندفع إليه؛ لأنّها تعبت من القمع والبطش والرهبة والخوف نفسيّاً وروحياً، فهي لا تريد أن تجد ذلك الديكتاتور المستبدّ الذي لطالما كان تفرّ منه، متمثّلاً في شخصيّة الله سبحانه، ولا تريد أن ترى مرةً أخرى ذلك القمع الذي حاولت أن تنقذ نفسها منه، متمثّلاً في شخصيّته تعالى، فإذا جاء الخطاب الديني ليمثّل لها الله بالصورة نفسها التي كانت تفرّ منها، فسوف تفرّ منه ولن تستجيب؛ لأنّها تشعر بأنّه لا فائدة من وراء العمل له، وحتى لو عملت فلن تعمل بحماس وشوق وقناعة، وهذا هو القنوط والإحباط.
 
هذه نقطة مهمّة في التعامل مع الحالة النفسيّة للناس في عصرنا الحاضر، فإنّ الناس اليوم تعبت من الصورة القمعيّة، والمبلّغ حيث إنّه يريد أن يخاطب النفوس قبل العقول، فإنّ عليه أن يراعي الحالات النفسيّة عندهم، فلا نقدّم الله للناس على أنّه ديكتاتور متجبّر؛ لأنّهم سيهربون منه، أو يطيعونه على مضض، ولن يندمجوا معه.
 
ألا ترى أنّ أحد أهمّ أسباب الإلحاد والتشكيك في عصرنا الحاضر، هي مسألة الشرور في هذه الدنيا والعقاب في الآخرة؛ لأنّ الإنسانيّة تبحث عن مصدرٍ للرحمة، وعلى الخطاب الديني أن لا يقدّم الله تعالى في هذه اللحظة الزمنيّة بطريقة خاطئة، قد تؤدّي إلى عكس المقصود، ونقض الغرض.
 
إنّ هذا ما نجده بأمّ أعيننا، فأيّ مبلغ ديني يقدّم الدين على أنّه نوع من الرحمة والطمأنينة والتخفيف والشعور بالارتياح.. سيجمع الناس من حوله، ليس فقط لأنّ الناس تريد الراحة، بل لأنّها تعبت ـ في عصرنا الحاضر خاصّة ـ من القمع والشدة والإصر والأغلال التي على ظهور الشعوب، فهي تريد ديناً يستطيع أن يمنحها ما تفتقده، وأنت موجود في دينك جزءٌ من هذه الصورة، فاستغلّه في هذه اللحظة وقدّمه للناس.
 
هذا هو مركز الخطأ الذي يؤدّي إلى القنوط من رحمة الله والهرب من الإستجابة للخطاب الديني استجابة تفاعلية حارّة، حيث يقدّم الخوف والعقاب على الرحمة والثواب، مع أنّ النصوص الدينيّة في الكتاب والسنّة مليئة بنصوص الرحمة والثواب، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: ۵۳).
 
وعليه، فالمطلوب إعادة التعريف بالله سبحانه تعريفاً كامل الصورة، مستعينين بجميع النصوص الدينيّة، فلا نصوّرنَّ الله شخصاً قمعيّاً يعذّب الناس فقط ولا يرحمهم، فإنّ هذه الصورة ـ إضافةً إلى أنّها صورة مجتزءة وناقصة ولا تعكس الصفات الإلهيّة بالكامل ـ باتت ثقيلة على إنسان اليوم وعلى نفوس كثير من الناس، فلم يعودوا قادرين نفسياً على تحمّلها، والمبلّغ الديني عليه أن يراعي الحالات النفسيّة لمخاطَبيه، إذا أراد أن يهديهم إلى صراط الحقّ.
 
لا أعني من هذا كلّه إعادة تقديم الدين والله بالطريقة المتناسبة مع الناس، أو تغييب الجانب الجلالي فيه سبحانه وتعالى،
بقدر ما أعني ضرورة إحضار الجانب الجمالي من الصورة، وجعله فاعلاً أساسيّاً فيها.
 
كما لا أنتصر هنا لبعض التوجّهات المعاصرة التي أعتبرها إفراطيّةً في نظريّة «الإسلام الرحماني»، وهي توجّهات تغيِّب كلَّ صفات الجلال في الله والدين، ولا تريد أيّ عنصر قوّة أو رهبة فيهما، بل أدعو لنبذ حصريّة «الإسلام غير الرحماني»، بمعنى أنّني أطالب بالإسلام الجامع بين الرحمة والرهبة، والإله الجامع بين الجلال والجمال، كما قدّمهما القرآن الكريم، كلّ ما أنا مقتنعٌ به هو أنّ التبليغ الديني يبدو لي مقصّراً أحياناً بعضَ الشيء في إبداء الجانب الرحماني من الله والدين، وميّالاً أكثر لإبداء الجانب الآخر.
 
ب ـ التبليغ بين التيسير والتعسير (ثقافة المنع والاحتياط وسدّ الذرائع)
السبب الثاني الذي يوجب قنوط الناس من رحمة الله، وشعورهم بصعوبة التعامل معه ومع دينه، هو الضغط عليهم بتکالیف زائدة ليست ثابتة في الشرع، بحجّة حماية الدين والأحكام الإلهيّة، فنجد بعض الفقهاء مثلاً، يقدّمون الحرام على غيره، ويتحدّثون عن قاعدة «دفع المفسدة المحتملة أولى من جلب المصلحة المحتملة»، ويطبّقون ذلك في غير مورد من المسائل الفقهيّة، كما نجد ثقافة الاحتياط الوجوبي شائعةً بين الفقهاء، الأمر الذي يضيّق على المكلّفين ويسبّب لهم بعض المشاكل أحياناً كثيرة، مع أنّ مصاديق الاحتياط في كثيرٍ من الموارد تتعلّق بعلم إجمالي حصل للفقيه نفسه دون المكلّف، فيفتي الفقيه على أساس حالته الداخليّة الشخصيّة ليطبّق النتيجة على جميع الناس! مع أنّ الحكم مختصّ به، غاية الأمر بإمكانه أن يُخبرهم عن لزوم الاحتياط المعلّق على مثل العلم الإجمالي وملحقاته، ولا أريد أن أدخل في أمثلة هنا، فهي برأيي المتواضع ليست قليلة.
 
في اعتقادي الشخصي، هذا التصرّف في عصرنا الحاضر بات خطأ إستراتيجيّاً في التعامل مع سيكولوجيا مجتمعاتنا الإسلاميّة المقموعة والمتعبة التي تبحث عن شيء من الاستجمام، فلا تحوّل ـ أيّها الداعية المبلّغ ـ الدينَ مركزاً للتعب، بل أظهر عناصر التخفيف والرحمة فيه، واجعله دواءً لداء الناس، حتى يأتي الناس إلىه ويشعرون معه بالخلاص والطمأنينة.
 
إنّ الضغط على الناس بتكاليف زائدة غير ثابتة هو ـ بنظرةٍ اجتماعيّة نفسيّة ـ خطأ فادح، فقد يميل بعض الفقهاء، انطلاقاً من احترامه ومحبّته للدين، إلى ثقافة الاحتياط، ويحتاط في كثيرٍ من المسائل ويفتي على أساسه، مع أنّها قد تؤدّي إلى نتائج عكسيّة، وتنفّر بعضاً من الناس عن أصل الدين، أو الالتزام بالشريعة. نعم، إنّ الاحتياط حسنٌ عقلاً كما يقول الأصوليّون، ولكنّه حسنٌ في نفسه، فإذا أدّى هذا الاحتياط إلى نتائج سلبيّة فقد يفقد حُسنه، وعندما تريد أن تعمّم ثقافة الاحتياط في المجتمع فسوف تربك الناس بما قد يؤدّي إلى انزجارهم من الدين.
 
ولذلك عندما يدرسون دليل الانسداد في أصول الفقه، يضعون خيار الاحتياط في جميع المسائل جانباً، حيث سيؤدّي ذلك إلى العسر والحرج، وقد قال السيد محمّد باقر الصدر هناك بأنّ الاحتياط يمكن تطبيقه في الحالات الفرديّة لكن لا يمكن تطبيق منطقه في المجتمع، فلا يمكن قيامة حياة اجتماعيّة على الاحتياط؛ لأنّ ذلك يخلّ بنظام الحياة الاجتماعيّة.
 
إذا أردتَ أن تمارس الاحتياط على المستوى الشخصي فهذا أمرٌ يرجع إليك، لكن إيّاك ـ بصفتك مبلّغاً ـ أن تتعامل مع جمهور الناس بمنطق الاحتياط بوصفه قاعدة عامّة أو غالبة، ظانّاً أنّك تحمي الدين، فيما حقيقة الأمر بمقاربة واقعيّة ميدانيّة هو ردّ فعلٍ سلبي تجاهَ الدين.
 
بل عندما نُسأل عن شيء له وجهان: وجهٌ حلال ووجهٌ حرام، نبدأ عادةً بالحرمة، ونجعل الحليّة استثناءً، وقد لا نُخبرهم عن هذا الاستثناء أيضاً بذريعة خوفنا من استغلال الناس هذه الاستثناءات لارتكاب المحرّمات، وهذا ما يسمّيه بعض المعاصرين بـ«عقدة التحريم» أو «شهوة التحريم»، فهناك شهوة قد تتملّك الإنسان فيميل إلى تحريم الأشياء أكثر من ميله إلى تحليلها، ولو لم يكن التحريم بعنوان الفتوى بل بعنوان الصيغة البيانية، فيكون الأصل
عنده هو التحريم دوماً، مبرّراً ذلك بحماية للدين، بل قد ظهرت نظريّات في أصول الفقه الإسلامي حاولت تغطية هذا الوضع تحت عنوان «قاعدة سدّ الذرائع».
 
إنّ على المبلّغ أن يبيّن الدين كما هو للناس، فلا يستطيع أن يُخفي عنهم بعضاً منه بذريعة الاستغلال أو ما شابه ذلك، فإذا كان هناك استثناء في الموضوع فعليه أن يبيّنه، مادام أنّه جزء من الدين، فلماذا نُخفيه عن الناس؟! وكذلك على المبلّغ أن يراعي الحالات النفسيّة للمخاطب، فإذا كان البدء بالتحريم يوجب انزجاره من الدين نفسيّاً، فليبدأ بجوانب الحليّة ثمّ يحدّثه عن الحرمة.
 
إنّ وضع تكاليف زائدة على الناس، أو جعلها تشعر دائماً بكثرة الممنوعات ولو من غير وجود لغة فتوى، قد يُشعرهم بالعجز عن أداء الواجبات وترك المحرّمات، بل عن العجز عن تحقيق الاندماج السليم في الفضاء الديني، وهذا ما يولّد اليأس والقنوط في نفوسهم، لأنّ بعض الناس عندما يرى أنّه لا يستطيع أن يعمل كما ينبغي، تجده يترك العمل كليّاً، فكلّما أثقلت على الناس بزعم أنّك تريد حمايتهم وحماية الدين، ازداد احتمال انزجارهم من الدين، وتركهم العمل به.
 
إذن، من المهمّ جداً للمبلّغ أن لا يُقنط الناس من رحمة الله، لا بخلق صورة مجتزءة عن الله سبحانه وتعالى عبر سياسة التخويف، ولا بتحميل الناس مزيداً من التكاليف ليست ثابتة بحجّة أنّك تريد أن تحمي الدين، فالله أولى منّي ومنك بحماية الدين، وهو لم يجعلها، فلماذا تتعب أنتَ نفسك بهذه التكاليف الزائدة؟ ومن ثمّ يحصل عكس المطلوب كما نراه بأمّ أعيننا في مجتمعاتنا في أكثر من مكان.
 
ثالثاً: التبليغ وإشكاليّة التزهيد بالعمل والتأمين من مكر الله

نرجع مرةً أخرى إلى الحديث الذي نقلناه مطلع بحثنا، حيث نجده يقول: «ألا أُخبركم بالفقيه حقّ الفقيه‏: من لم يُقنّط الناس من رحمة الله، ولم يؤمّنهم من عذاب الله، ولم يرخّص لهم في معاصي الله..». إنّه يشير إلى مبدأ ثانٍ ضروري جدّاً، فالفقيه الواعي الناضج الخبير في التعامل مع الناس، هو الذي لا يؤمن الناس من مكر الله تعالى ولا يرخّص لهم في معاصيه.
 
لكن ما معنى هذا الكلام بلغة العصر؟ ثمّة ثلاثة عناصر أراها من مصاديق لهذا الكلام، هي:

أ ـ التضحية بالدين من أجل الناس وتلمّس الرخص
قد يضحّي المبلّغ الديني بالدين لكسب أكبر جمهور ممكن من الناس، فهو يحلّل لهم المعاصي ظانّاً منه أنّه يجذب الآخرين إلى الدين، مع أنّه ليس إلا إفساداً للدين، فإنّ الشريعة الإسلاميّة مجموعة مكوّنة من الأحكام المختلفة التي يجب أن تُراعى جميعاً، لا أن نبعّض بين أحكامها بذريعة إرضاء الناس، قال تعالى: ﴿..أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾(البقرة: ۸۵).
 
عندما نقول: يجب مراعاة الحالات النفسيّة في المجتمع فهذا لا يعني أن نضحّي بالأحكام الشرعيّة أو نُخفي بعضاً منها، بل يعني أن نطوّر أساليب العمل والخطاب والبيان على أساس سيكولوجيا الجماهير؛ لنحصل على أكبر تأثير ممكن.
 
هناك قضيّة أطرحها على سبيل المثال، قالوا: إنّ زعماء الدول العربيّة ناضلوا لعقود من الزمن من أجل القضيّة الفلسطينيّة، وعندما كانوا يُسألون: إنّ الشعوب تعاني ولم تعد تتحمّل، والقتلى كثر، والاقتصاد ينهار، فلماذا نستمرّ في الحرب؟ كانوا يجيبون: يجب أن نضحّي بالشعب من أجل القضيّة. وعندما ذهبوا إلى الصلح والسلام مع «إسرائيل»، سألوهم ـ وهذا سؤال تقديري ـ لماذا ذهبتم الآن إلى الصلح والسلام ونسيتم القضيّة الفلسطينيّة؟ أجابوا: يجب أن نضحّي بالقضيّة من أجل الشعب حتى لا نخسره!
 
دائماً نفترض أنفسنا أمام هاتين الثنائيّتين: إمّا أن نضحّي بالناس من أجل الدين، أو نضحّي بالدين من أجل الناس، فحتى يجلب الداعية ـ في ظنّه ـ أكبر عدد ممكن من الجمهور للدين، يضحّي ـ من حيث لا يشعر أحياناً ـ ببعض القيم الدينيّة، أو يتنازل عنها، وهذا خطأ على المقلبين معاً، فعلينا أن نحافظ على الدين دون أن نضحّي بالناس، فالدين لم يأت ليضحّي بالناس، بل قدّم برنامجاً حقيقيّاً لسعادة الإنسان، وإذا طبّقناه بالكامل نستطيع أن نضمن سعادتنا
https://taghribnews.com/vdcaamnmi49ni61.zkk4.html
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني
أدخل الرمز