تاريخ النشر2023 5 December ساعة 12:07
رقم : 617026

حديث التقريب .. من وثاق القيادات الاسلامية

في أجواء تصاعد طوفان الأقصى على يد المقاومة الإسلامية في فلسطين جدير بنا أن نستذكر وثيقة هامة تتضمن خطابا للسيد القائد في مؤتمر عقد بطهران قبل 22 عامًا.
حديث التقريب .. من وثاق القيادات الاسلامية
نصّ الكلمة التي وجهها قائد الثورة الاسلامية "الامام الخامنئي"، الى المؤتمر الدولي لدعم الانتفاضة الفلسطينية 2001م :

بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمدُ للّه الذي منَّ علينا بهداية الاسلام، وشرّع لنا الجهاد الذي هو باب من أبواب الجنّة. فتحه اللّه لخاصة أوليائه.. و(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) والصلاة والسلام على نبيه البشير النذير محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
السادة الضيوف والحضور الكرام..
أرحّب بكم جميعًا.. سائلا اللّه سبحانه أن يشملنا جميعًا برحمته وهدايته.
إن انعقاد تجمّع كهذا قرار مبارك، وأرجو من اللّه أن يكون مردوده إيجابيًا بنّاءً على دعم انتفاضة الشعب الفلسطيني المسلم. هذا النوع من التجمّعات يركز عمليًا على أن القضية الفلسطينية قضية إسلامية.. وقضية كلّ العالم الاسلامي.. وأن احتلال فلسطين واحد من أركان التآمر الشيطاني، الذي عمدت إليه قوى الهيمنة العالمية، ممثلة ببريطانيا سابقًا، وبأمريكا حاليًا لإنهاك العالم الإسلامي وتمزيق صفوفه.
إن أعداء الإسلام كانوا جادين دومًا في إقامة الحواجز القومية والمذهبيّة بين المسلمين لإبعادهم عن توحّدهم ومن ثَمَّ للسيطرة على مقدّراتهم.
في بدايات أعوام احتلال فلسطين نهض علماء مجاهدون مثل «الشيخ عز الدين القسّام» و«الحاج أمين الحسيني» فرفعوا صوتهم يستنصرون المسلمين لإنقاذ الوطن السليب، وأصدر المرجع الديني الكبير يومئذ «الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء» حكم الجهاد ضد الصهاينة. لكنّ الطابع الاسلامي للقضيّة خفّ باستمرار لتنحصر مع الأسف في الإطار القومي.
إنّ انتصار الثورة الاسلامية في إيران بقيادة الامام الخميني.. هذا الرجلُ الحكيم من ذريّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان له الدور الكبير في الصحوة الإسلامية على الصعيد العالمي عامة وعلى صعيد بلدان المنطقة بشكل خاص.
إنَّ انتصار المقاومة الإسلامية في حرب غير متكافئة على الظاهر في جنوب لبنان دلالة أخرى على مصداقية وأصالة الجهاد الإسلامي، وتأكيد آخر على أن النصر حليف المسلمين حتمًا إن وثقوا بوعد اللّه تعالى، وجاهدوا في سبيله سبحانه.
مما لاشك فيه أن الانتصار الباهر الذي سجلته المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان من جهة، وفشل مشاريع الاستسلام من جهة أخرى من العبر الكبرى في منطقتنا، وهي التي دفعت بالشعب الفلسطيني المسلم لأن يعود الى الانتفاضة مرة أخرى.. غير أنها عودة لا يمكن أن يكون فيها لمحاولات الاستسلام داخل فلسطين أو في المنطقة أثرٌ على أبناء الشعب الفلسطيني الصبور والشجاع والمقاوم. فلقد عزم هذا الشعب بحول اللّه وقوته أن يواصل مسيرته حتى النصر. فالانتفاضة الاولى توقفت بسبب ضغوط الانهزاميين والدوائر الامريكية والغربية وبسبب الوعود المعسولة التي قدمها الصهاينة وحماتهم، زاعمين أنهم سيمنحون الشعب الفلسطيني حقّه عن طريق المحادثات السلمية. ولكن عشر سنوات مرت على تلك الوقفة أثبتت أن كلَّ مساعي حماة الصهيونية في العالم إنما كانت لإنقاذ دويلة الصهاينة من ضغط النضال الإسلامي، وأثبتت أنّ ما قدّموه من وعود للمفاوضين الفلسطينيين لم تكن سوى سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.
إنَّ مظاهر البطش والعنف والإرهاب والاحتلال والتوسّع المشاهَد اليوم بوضوح في ممارسات الصهاينة كان متوقعًا منذ البداية تماما لكل ذي بصيرة، ولكلّ المخلصين في المجتمعات الإسلامية.
دويلة الصهاينة الغاصبة الخادعة قامت أساسًا على الاعتداء على الحقوق الحقّة للشعب الفسطيني، ولاقت دعمًا من بعض الحكومات الغربية وخاصة أمريكا. والمحافل الدولية أيضا سعت - بخلق المبررات لتصرفات الكيان الصهيوني - لأن تضفي شرعية على هويته واعتداءاته.
إنَّ الأرض الفلسطينية عامة والقدس خاصة كانت على مرّ التاريخ مَطمَع بعض القوى الغربية، والحروب الصليبية المتواصلة الطويلة ضد المسلمين مظهر بارز لتلك الأطماع في هذه الأرض المقدسة، ولا غرو أن يقف ذلك القائد العسكري الغربي بعد انهزام الدولة العثمانية ودخول الحلفاء الى القدس، ويرفع عقيرته قائلاً: «آلآن انتهت الحروب الصليبية».
احتلال هذه الأرض جاء نتيجة مشاريع متعددة الأطراف، ومعقدة وبهدف منع المسلمين من الاتحاد والائتلاف ومنع إعادة تأسيس دول إسلامية مقتدرة. وثمة أدلة على أن الصهاينة كانوا على علاقة وثيقة بالنازيين الألمان، وتقديم قوائم مبالغ فيها بمقتل اليهود إنما كان يستهدف إثارة عواطف الرأي العام العالمي وتهيئة الاجواء لاحتلال فلسطين، وتبرير جرائم الصهاينة. بل إن ثمة وثائق تثبت أنّ جمعًا من الأشرار وحثالات البشر غير اليهود من شرق أوربا قد عبّأوهم ودفعوهم الى فلسطين على أنهم يهود ليقيموا نظامًا معاديًا للاسلام في قلب العالم الإسلامي بحجة حماية ضحايا النازية، وليفصلوا بين شرق العالم الإسلامي وغربه، بعد وحدة استمرت ما يقرب من أربعة عشر قرنًا.
فوجئ المسلمون في بداية الامر، لأنهم كانوا في غفلة من حقيقة مشاريع الصهاينة وحماتهم الغربيين. وانهزم العثمانيون. وأُبرمت اتفاقية سايكس - بيكو سرًا لتقسيم البلدان الإسلامية في الشرق الأوسط بين الفاتحين. عصبة الأمم أناطت الوصاية على فلسطين بالبريطانيين. وهؤلاء قدّموا وعود المساعدة للصهاينة، وفي إطار مجموعة من المشاريع المدروسة استقدموا اليهود الى فلسطين وشرّدوا المسلمين من ديارهم. وفي هذه المواجهة الطويلة التي كان أحد طرفيها الغرب والصهاينة والطرف الآخر الدول العربية الفتيّة، استخدم أعداء الإسلام آليات متنوعة ومعقدة ومنها وسائل الإعلام والمحافل الدولية. إذ كانوا يدعون المسلمين من جهة الى الصبر وضبط النفس والاشتراك في محادثات السلام والتسوية، ومن جهة أخرى يغدقون السلاح على إسرائيل. هدفهم الاستراتيجي في هذا التعامل المزدوج وغير المتكافئ بين البلدان الاسلامية وإسرائيل إنما هو حفظ التفوّق العسكري الإسرائيلي على البلدان الاسلامية، ومساندة الكيان الصهيوني في المحافل الدولية، واستخدام أبواقهم الإعلامية لتبرير جرائم الصهاينة، وترسيخ فكرة إسرائيل التي لا تقهر بين المسلمين.
الكيان الصهيوني منذ أن أقرت منظمة الأمم المتحدة تأسيسه قبل أكثر من نصف قرن وحتى العام الماضي كان يصول دونما مانع أو رادع، غير أنّ المقاومة الإسلامية في لبنان، بعدّة آلاف من شبابها المسلحين بسلاح الإيمان قضّت مضجع هذا النظام وحماته. هؤلاء الشباب الاعزّاء طردوا إسرائيل وهي ذليلة من جنوب لبنان دون تقديم أي امتياز. وأصبح انتصار هؤلاء الفتية الاعزّاء مشعلا يضيء الطريق أمام غيرهم من المجاهدين المسلمين، ونحن اليوم نشهد انتفاضة المسجد الاقصى، وهي نموذج موسّع للمقاومة الإسلامية في لبنان.
واليوم إذ اجتمعتم أنتم أيها الأعزّة، من منطلق الفريضة الإسلامية، لدعم الانتفاضة، تتحملون مسؤوليات ثقيلة. قبل كل شيء، وفي ظلّ الصحوة الإسلامية، يجب أن تعلنوا عن إرادة العالم الإسلامي، في العودة الى السنن الحسنة في تاريخه المجيد. وهذه السنن، وعلى رأسها تضامن المسلمين كانت وراء كل ما حققوه من انتصار في الماضي أمام المعتدين الصليبيين. لقد كان المجاهدون في تلك المواجهات التاريخية يهبّون من كل أرجاء العالم الإسلامي لنصرة إخوانهم وللالتحاق بالحرب المصيرية الطويلة بين الكفر والايمان.
المسلمون في كل العالم اليوم منشدّون الى النضال المصيري في الساحة الفلسطينية، ويعقدون الأمل عليه أكثر من الانتفاضة الاولى، إذ كانت تلك الفترة، أعني قبل عشر سنوات، فترة هيمنة جوّ التسوية بالتدريج على المنطقة. كانت قلوب البعض مع أمريكا، وكان آخرون يعتقدون بعدم إمكان الوقوف بوجه الضغوط السياسية الدولية، وبعدم وجود طريق سوى التسوية، ولو بثمن الرضوخ للشروط الأمريكية والإسرائيلية. والتطورات التي شهدتها المنطقة يومئذ عملت على ترسيخ هذه النظرية، لكن مؤتمركم ينعقد في عامنا هذا وقد وصلت الحلول الاستسلامية الى طريق مسدود، وحتى أولئك الذين كانت ولا تزال قلوبهم مع أمريكا يقرّون بأن هذا الطريق مسدود.
في بداية التسعينات ساد العرب والمسلمين جوٌ من الإحباط على أثر سلسلة من الهزائم المتتالية (خلال أحداث حرب الخليج الفارسي)، وتعرّضت وحدتهم الداخلية أيضا لخطر انهيار جدّي، واستشرت فيهم الفُرقة والتشتت. غير أن آمالاً جديدة حيوية سطعت في قلوب المسلمين في الظروف الراهنة، خاصة بعد الانتصارات التاريخية العظيمة للمقاومة في جنوب لبنان.
كان الأسلوب المطروح يومئذ في التعامل مع إسرائيل ينحصر في مسلكين: الأول - مواجهة عسكرية بين الجيوش العربية وإسرائيل، وكان يقال إن كل التجارب واجهت الفشل في هذه المواجهة. والثاني - التسوية التي تحقق مآرب إسرائيل بالطرق السلمية، ومقابل الانسحاب من بعض الأراضي المحتلة يتقرر ضمان عدم تطوير القدرة العسكرية للبلدان العربية، كما حدث في كمب ديفيد. لم يكن نموذج المقاومة مطروحًا يومئذ، وكان يقال إنه لا يحظى بقبول عام. لكننا اليوم أمام نموذج أثبت نجاحه واستطاع لأول مرة أن يحرر الأرض المحتلة دون أن يعطي أي امتياز لإسرائيل، وحال دون تحقيق مآرب الصهاينة في رفع عَلَمهم على عاصمة هذا البلد العربي أعني لبنان. في كمب ديفيد كان شرط انسحاب إسرائيل عدم إرسال جيش مصري الى شمال سيناء، ولكنْ هاهي إسرائيل القلقة من قدرة المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان تتوسل لإرسال الجيش اللبناني الى الحدود الفلسطينية اللبنانية. وهذا يعني أن المقاومة استطاعت إعادة السيادة التامة في الجنوب اللبناني والمناطق المحتلة الأخرى.
هذه الانتفاضة، هي ثورة شعب نفض يده من كل أساليب التسوية، وفهم أن النصر رهين مقاومته. الشعب الفلسطيني في انتفاضته السابقة تكبّد خسائر جسيمة، وقدّم على طريق الإسلام وتحرير الارض الاسلامية كثيرًا من الشهداء والجرحى، لكنّ محادثات أوسلو قضت بايقافها في النهاية. وماذا كانت نتيجة أوسلو؟ حتى المخططون الفلسطينيون لتلك المحادثات لا يدافعون عنها اليوم، لأنهم أدركوا عمليًا أن إسرائيل كانت تريد فقط أن تتخلص من ورطتها، أي أن تتخلص من مواجهة ثوار الحجارة، وتقلل مما يواجهها من أخطار. وإذا أعطت شيئًا شحيحًا الى الجانب الفلسطيني وسمّته إعطاء امتياز، فإنما كان لغرض إخماد شعلة الانتفاضة والتقليل من احتمالات الاخطار. وما إن رأت مشكلتها قد انحلّت، وأحسّت خطأ أن الشعب الفلسطيني لم يعد قادرًا على استئناف الانتفاضة والمقاومة والمواجهة، أوقفت حتى ذلك الضئيل من الامتيازات وكشفت عن أهدافها الذاتية التوسعية. مسيرة الاستسلام في مشروع أوسلو وضع الشعب الفلسطيني أمام طريق واحد لا غير، هو طريق الانتفاضة.
المحورُ الأساس في الانتفاضة الثانية هو المسجد الاقصى. أي إن الشرارة التي فجّرت غضب الشعب الفلسطيني هي تدنيس الصهاينة للاقصى. الشعب الفلسطيني انطلق من إحساسه بالرسالة الخطيرة التي يحملها في حراسة واحد من أقدس الأماكن الدينية الإسلامية، ودخل الساحة بقوّة، وأضرم شعلة المقاومة والنضال ضد المحتلين الصهاينة.
لقد أدّت مسيرة الاستسلام وبشكل خاص في أوسلو الى تشتيت الفلسطينيين، لكن هذه الانتفاضة المقدسة استطاعت أن تعيد الوحدة الوطنية الى الساحة الفلسطينية. وتلاحظون أن كلّ فئات الشعب حاضرة في هذا النضال، والفصائل الإسلامية والوطنية متكاتفة، بل حتى أولئك الذين لاتزال قلوبهم في مكان آخر مضطرون الى مماشاة هذا التحرّك العظيم.
لقد برزت «النهضة الاسلامية» أو بعبارة أخرى «حركة الصحوة الاسلامية» على ساحة المنطقة والعالم الاسلامي بقوّة وصلابة في العقدين الأخيرين بعد انتصار الثورة الإسلامية في ايران، وظهور حركة الامام الخميني رضي اللّه عنه.
إنَّ المحور الأساس لهذه النهضة والصحوة اليوم هو القضية الفلسطينية. انتفاضة الأقصى استطاعت أن تتجاوز حدود فلسطين الجغرافية وتستقطب عامة الشعوب العربية والإسلامية. مسيرات الملايين من أبناء الشعوب الإسلامية من شرق العالم الإسلامي حتى غربه أوضحت أن الشعب الفلسطيني يستطيع أن يعتمد على دعم هذه الشعوب، وأنه قادر في الوقت ذاته أن ينهض بدور هام في توحيد صفوف المسلمين.
يوم انبثقت «المقاومة الاسلامية» في لبنان بسواعد الأبطال اللبنانيين وبتوصية الإمام الخميني رضى اللّه عنه ودعمه، كانت إسرائيل تحتل العاصمة اللبنانية، وكانت مسيطرة على المقدرات السياسية لهذا البلد. يومها، حين كانت المقاومة الاسلامية ترفع شعار: «زحفًا زحفًا نحو القدس» كان هناك من المغفّلين من يعتقد أن هؤلاء أناس سذّج بسطاء. وكانوا يسألون نكاية: هل من الممكن الزحف نحو القدس وأنتم اللبنانيون يتعذّر عليكم دخول عاصمة بلدكم؟! والزمان بين ذلك اليوم والانتصار التاريخي للمقاومة الاسلامية على إسرائيل ثمانية عشر عامًا فقط. وتعلمون أن ثمانية عشر عامًا ليست بالزمن الطويل في تاريخ نضال الشعوب.
النضال دون شك مقرون بخسائر مؤسفة. الناس يستشهدون، والبيوت تهدّم، والضغوط الاقتصادية تثقل كاهل المواطنين، وعشرات المصائب الأخرى التي نشعر بمرارتها وآلامها من أعماق القلوب.
لكن المهم أن ننظر في نتائج هذه التضحيات. الانتصار له قيمته الكبرى، ولابد من دفع ثمنه، ومن خطب الحسناء لم يغله المهر.
إسرائيل التي كانت يومًا تعربد ثملة في هذه المنطقة وتُملي كلَّ شروطها على الشعوب العربية، هي اليوم راكعة بضعف وكآبة أمام عظمة المقاومة الإسلامية، وهذا جزء يسير من ثمار تفعيل طاقات الشعوب العربية والإسلامية. ثقوا أن طاقات العالم الإسلامي جميعًا، بل بعضها، لو سخّرت في هذا الاتجاه لرأينا زوال إسرائيل وفنائها. إسرائيل هُزمت في جنوب لبنان من مقاومة بضعة آلاف رجل. صحيح أن حزب اللّه يتمتع بعمق شعبي واسع، وأنه استطاع في الأوقات الضرورية أن يعبّئ الآلاف، بل عشرات الآلاف، ولكنه على طول الخط كان يعتمد على بضعة آلاف بل بضع مئات في محاور المواجهة مع الصهاينة المحتلين. أي إن إسرائيل بكل معداتها العسكرية وتقنياتها الحربية المتطورة المتصلة بالترسانة الحربية الأمريكية قد انهزمت أمام بضع مئات من الشباب المؤمنين المتحمسين المزودين بسلاح بسيط للغاية، وطبعًا بسلاح قوي للغاية هو سلاح الإيمان.
إذن نحن أمام نموذج واضح جليّ للمقاومة، أي يمكن تحقيق النصر بالمقاومة والنضال، وطبعًا مع تحمّل مشاق طريق ذات الشوكة. كما أنّ نموذج الهزيمة ماثل أمامنا أيضا وهو عقد الآمال على أساليب التسوية واستجداء السلام. ونتيجته واضحة أيضًا: الوهن.. والذلّ.. وبالتالي فرض إرادة إسرائيل من جانب واحد، وقد رأينا ذلك بأم أعيننا.. فهل من مدّكر؟!
إنَّ حزب اللّه وانتصاراته التاريخية تشكل اليوم سندًا لانتفاضة الشعب الفلسطيني. إنه حتمًا سند قويّ في غاية القوّة.
الكيان الصهيوني لا يمتلك إطلاقًا قدرةً على المواجهة المستمرة الطويلة مع الفلسطينيين. لقد خُدع اليهود وزُجّ بهم في فلسطين على أمل أن العرب قد كفّوا عن الحرب وألقوا السلاح، وعلى أمل أن الغرب سوف لا يسمح للعرب بمواجهة طويلة. ومن هنا فإن اليهود المستقدَمين الى فلسطين ليسوا على استعداد أن يضحّوا بوجودهم من أجل تحقيق أهداف مؤسسي الصهيونية. والتقارير تؤكد هبوط السياحة اليهودية في أرض فلسطين بشدّة، بل اشتداد الهجرة العكسية منها.
مؤتمر فلسطين الأول بطهران نهض بدور أساسي، فقد وفّر محطة لآمال معارضي الاستسلام، كما بثّ روح الأمل في شعب فلسطين ورفع من معنوياتهم. مواقف إيران الإسلام وصمودها الفريد استطاع أيضا أن يشعّ بالأمل في قلوب أبناء هذا الشعب المقدام، والشعب الفلسطيني يحتاج الآن أيضًا الى الدعم المعنوي والى المواقف الصامدة. صحيح أنه بحاجة الى المال أيضا، ولابدّ لهذا الامر من  إجراءات جادّة، لكن المواطنين الفلسطينيين أنفسهم يقولون لمن يقابلهم: نحن نحتاج بالدرجة الأولى الى مواقف  وقرارات قوية عربية - إسلامية.
إنَّ مؤتمركم يجب أن يوفّر أجواء تلبية هذه الحاجة، وأن يملأ قلوب الشعب الفلسطيني ثقة بدعم الأمة الاسلامية دعمًا سخيًا شاملا. وأنتم نوّاب البلدان الاسلامية المختلفة تستطيعون أيضًا ببذل الجهد على هذا الطريق أن تعبئوا إمكانات شعوبكم لتحرير فلسطين. وإنَّ الدفاع عن الشعب الفلسطيني المظلوم ونهضته الباسلة المظلومة واجبنا الإسلامي جميعًا، إنه شعب مسلم مضمّخ بالجراح يرفع صوته اليوم من وسط ساحة المعركة داعيًا الأمة الإسلامية إلى نصرته. لا أنسى أبدًا صرخة تلك المرأة الفلسطينية التي وقفت أمام عدسات المراسلين تنادي بصوت مبحوح: «يا للمسلمين»!!
على كل المسلمين والعرب أن يدعموا شرعية نضال الشعب الفلسطيني. ولابدّ من التأكيد في المحافل الدولية أن شعبًا أعزل قد اغتُصبت حقوقه ويقبع تحت الاحتلال له الحق أن يناضل لاستعادة حقوقه. لذلك فان استمرار انتفاضة الشعب الفلسطيني ومقاومته حق مشروع لهذا الشعب، والقوانين الدولية أيضا تحترم ذلك، مع أن هذه القوانين تُفسَّر مع الأسف في اتجاه إرادة الاستكبار وقوى الهيمنة العالمية.
أيها السادة، ثقوا أن الكيان الصهيوني متآكل من داخله، والجيل الراهن ليس على استعداد للفداء والتضحية من أجل حفظه.
كما أنَّ الشعوب العربية والمسلمة هي اليوم أكثر قوة وحيوية من أي وقت مضى في السنوات الخمسين الماضية، فقد أصبحت ذات مقدرة في شتّى المجالات.
لم يعد المسلمون قادرين على السكوت أمام مشهد القمع اليومي للشعب الفلسطيني. ولابُدَّ من إفهام إسرائيل أنّ استمرار قمع الشعب الفلسطيني وقصف المناطق الفلسطينية سيواجه من كل العرب والمسلمين ردًّا جادًّا عمليًا وبكل شدّة.
يجب تعزيز أمل الشعب الفلسطيني في استمرار مقاومته. الشعب الفلسطيني يعلم جيدًا أن الذي صدّ إسرائيل عن الممارسات القمعية في لبنان هو قدرة المقاومة في الردّ على إسرائيل وفي إنزال الضربات القاصمة بها، لا الاعتماد على المساعي المسماة بالسلمية ولا على وساطة هذا وذاك.
إنَّ وحدة الصف الداخلي الفلسطيني بفصائله المختلفة مسألة أساسية. كل مامن شأنه أن يؤدي الى انحراف المسير والى عدم التوجّه الى العدوّ الأصلي لا يصبّ حتمًا في خدمة القضية الفلسطينية. الفلسطينيون قد خرجوا والحمد للّه من امتحانهم خلال الأعوام الخمسين الماضية فائزين فخورين، وأثبتوا جدارتهم ونضجهم في شتى المواقف. رأينا أن كلَّ مساعي إسرائيل لتوسيع شقة الخلافات بين المجاهدين باءت بالفشل، وكل التيارات الأصيلة والحركات الجهادية والمجموعات المناضلة على اختلاف اتجاهاتها وانتماءاتها قد حالت دون تحقق آمال العدوّ بصبر ثوري. ولابد أن تستمر الحالة على هذا المنوال أيضًا.
لقد اتضح الآن بشكل لا لبس فيه أن أولئك الذين كانوا يرون القضية الفلسطينية حالة مرحلية وإقليمية محدودة بقسم صغير من العالم الاسلامي هم على خطأ تمامًا. ترسانات الأسلحة الذرية وأسلحة الدمار الشامل المخزّنة في مستودعات العدوّ الصهيوني ليست لمواجهة الفلسطيني الأعزل، بل لغرض السيطرة على العالم الإسلامي، وخاصة على منطقة الشرق الاوسط.
مانشاهده اليوم من هجوم إسرائيلي على القوات السورية للانتقام من عمليات حزب اللّه الرامية لتحرير الأرض المحتلة، إنما هو دليل واضح على هذه النوايا الشيطانية الشريرة لإسرائيل وحماتها الغربيين.
المسار العام للنضال ضد الكيان الغاصب يجب أن يكون على النحو التالي:
اولاً - فرض الحصار على الكيان الغاصب داخل حدود الأرض المحتلة وتضييق الخناق عليه في المجال الاقتصادي والسياسي، وقطع ارتباطه بمحيطه الخارجي.
ثانيًا - استمرار نضال الشعب الفلسطيني ومقاومته داخل الأرض المحتلة، وتزويده بالمساعدات اللازمة التي تمكّنه من الاستمرار حتى تحقيق النصر.
أيها الاخوة والاخوات
السبب الرئيس في كل الضغوط الشاملة التي يوجهها الاستكبار العالمي وعلى رأسه أمريكا لايران إنما هو لمواقفها المساندة لفلسطين. قالوها بكل صراحة إن المشكلة الاصلية بين أمريكا وإيران هي معارضة الجمهورية الاسلامية لمشاريع التسوية والاستسلام المذلة في فلسطين. أما بقية الامور كالادّعاء السخيف بشأن انتهاك حقوق الانسان وتصنيع أسلحة الدمار الشامل لا تعدو أن تكون ذريعة. وإذا كفّت إيران عن دعمها لنضال الشعبين اللبناني والفلسطيني فإنهم سيكفون عن مواقفهم العدائية تجاه إيران. نحن نعلم طبعًا بوضوح أن مشكلتهم الأصلية هي الإسلام والحكومة الإسلامية. وهم أيضا يعرفون  جيدًا حقيقة هذا التوجّه في سياسات الجمهورية الاسلامية. كان جوابنا لهم هو الردّ، وأننا نعتبر دعم الشعبين الفلسطيني واللبناني من واجباتنا الإسلامية الهامة. لذلك فإنهم يوجهون علينا ضغوطهم من كل حدب وصوب. سياستهم الأصلية والاستراتيجية بثّ بذور التفرقة بين الصفوف المتحدة المتراصّة للشعب المسلم الثوري الإيراني. يطلقون على جماعة اسم الاصلاحيين وعلى آخرين اسم المحافظين، يساندون جماعة، ويركزون هجومهم على جماعة أخرى.
هؤلاء يسعون عن طريق تضخيم بعض الاشكاليات ليصوروا عدم فاعلية النظام الاسلامي، وليبثوا اليأس في القلوب من النظام الديني ويروجوا لفصل الدين عن السياسة. الإيمان الديني العميق في نفوس الجماهير أكبر سدّ في طريقهم. إنهم يحاولون بخططهم الإعلامية أن يبثوا اليأس في نفوس الشباب، وأن يصوّروا المشاكل الاقتصادية المتعارفة الرائجة بدرجة وأخرى في كل أرجاء العالم بأنها من المسائل المستعصية على الحل في الجمهورية الاسلامية الإيرانية. إنهم بخطتهم الإعلامية يسعون الى التشكيك في مصداقية الإمام وأركان الثورة. وسبب ذلك يعود الى أن مصالحهم تضررت من نهوض المسلمين ومن الثورة الإسلامية. يشعرون بالخطر من الصحوة الإسلامية في العالم. ويحسون بقلق شديد من اتساع نطاق النضال الإسلامي في لبنان وفلسطين. لذلك شمّروا عن ساعد الجدّ لاستئصال جذور الفكر الاسلامي، ووجهوا سهامهم الإعلامية السامة صوب الإسلام والدين. وكلما اتسع نطاق النضال في لبنان وفلسطين ازدادت الصهيونية وأمريكا غضبا وحنقًا على نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية، وازداد تآمرهم علينا، ولكنهم يجب أن يعلموا:
أنه على الرغم من كل تضليلهم فإن الانسجام يسود بين المسؤولين والرؤساء في بلدنا، والشعب الايراني المسلم يقف بكل قطاعاته وراء أهداف الثورة والإسلام ويتبنى قضية الشعب الفلسطيني. وإنَّ دعم القضية الفلسطينية والانتفاضة والنضال ضد الصهاينة وحماتهم من الأركان الاساسية والاستراتيجية للجمهورية الاسلامية الايرانية. نحن على يقين بأن فلسطين ستتحرر بمواصلة نضال الشعب الفلسطيني ودعم العالم الاسلامي وستعود القدس ويعود الاقصى الى حضيرة العالم الإسلامي بإذن اللّه. واللّه غالب على أمره.
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته


المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية/
الشؤون الدولية 
https://taghribnews.com/vdcb5zb00rhb8gp.kuur.html
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني
أدخل الرمز