تاريخ النشر2023 8 April ساعة 10:00
رقم : 589460
بقلم : عبد الباري عطوان

أخيرًا جاء الرّد سريعًا في الزّمان والمَكان المُناسبين ومن “عشّ الصّواريخ” في جنوب لبنان..

تنـا
ما هي رسالة التحذير التي تحملها صواريخ “الكاتيوشا الفِلسطينيّة” إلى نِتنياهو؟ وماذا يعني تَعانُق السّاحات وتكافلها في جنوب فِلسطين وشِمالها ووسطها دِفاعًا عن القدس المُحتلّة؟
أخيرًا جاء الرّد سريعًا في الزّمان والمَكان المُناسبين ومن “عشّ الصّواريخ” في جنوب لبنان..
أكثر ما يُقلق القِيادة الإسرائيليّة بشقّيها السياسيّ والعسكريّ، هو فتح جبهة جنوب لبنان في هذا التّوقيت،
وانطِلاق الصّواريخ منها لضرب المُستوطنات في الجليل، وربّما حيفا وعكا وتل أبيب أيضًا، ولهذا جاء وقع القصف بصواريخ “الكاتيوشا وغراد” مساء اليوم الخميس صاعقًا، خاصّةً أن القبب الحديديّة فشلت فشلًا ذريعًا في اعتراضِ جميعها.

المُتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي اعترف بإطلاق 34 صاروخًا من جنوب لبنان، جرى اعتراض 25 منها، ووصلت خمسة على الأقل إلى أهدافها في الشّمال الفِلسطيني المُحتل، وسطَ تكتّمٍ شديد على حجم الخسائر، الماديّة أو البشريّة، وهذا في حدّ ذاته اختِراقٌ خطيرٌ جدًّا.

هذه الصّواريخ التي اتّهمت دولة الاحتِلال وقوف فصائل فِلسطينيّة خلف إطلاقها، تستمدّ أهميّتها من كونها جاءت تدشينًا لتفعيل
جبهة الجنوب اللبناني للمرّة الأولى مُنذ حرب عام 2006، وتضامنًا مع المُرابطين في المسجد الأقصى، وردًّا على اقتِحامات الجُنود الإسرائيليين له، والاعتداء الهمجي على المُعتَكفين في باحاته، وتجسيدًا لوحدة السّاحات في الأراضي المُحتلّة وخارجها.

خُطورة هذه الصّواريخ لا تُقاس بعدد القتلى أو الجرحى التي أوقعتها في صُفوف الجيش الإسرائيلي أو مُستوطنيه، وإنّما في أثَرها النفسي، وانعِكاساتها على المُؤسّستين السياسيّة والعسكريّة الإسرائيليّة، وخاصّةً فشلها في التصدّي لها جميعًا، وتوفير الحِماية بالتالي للمُستوطنين، ممّا يعني انهيار الأمن، وانتِهاء عُنصر الاستِقرار، وهُروب رؤوس الأموال وشركات الاستِثمار، وتَعاظُم الهجرة المُعاكسة.

انطلاق صافرات الإنذار في مُعظم مُستوطنات الجليل  المُحتل، وهُروب الآلاف إلى الملاجئ في حالةٍ من الهلع والرّعب بعد ما يَقرُب العقدين من الأمان، تضع بنيامين نتنياهو وحُكومته الفاشيّة و”الكيان” كلّه في موقفٍ عصيب، خاصّةً في هذه الأيّام التي تُواجِه فيها دولة الاحتِلال انقسامات حادّة،
وبوادر حرب أهليّة، حيث ينزل مِئات الآلاف إلى الشّوارع والميادين في مُظاهراتٍ احتجاجيّة.

هذه الدّفعة الأولى من الصّواريخ يُمكن وصفها بأنّها أقلّ خُطورةً من نظيراتها الباليستيّة الدّقيقة، التي تُوجد عشرات الآلاف منها في حوزة “حزب الله”، ولهذا يُمكن النّظر إليها من زاوية كونها جاءت رسالةً إلى نِتنياهو وكيانه تقول مُفرداتها إن استِمرار الاقتِحامات للمسجد الأقصى والاعتِداء على المُعتَكفين فيه، والسّماح للمُستوطنين بتدنيسه، سيُؤدّي إلى عواقبٍ وخيمة، وربّما تفجير حربٍ إقليميّة مثلما هدّد السيّد حسن نصر الله في أحد خِطاباته الأخيرة.

تزامن هذه الرّشقات الصاروخيّة مع الاعتِداءات الإسرائيليّة الأخيرة على سورية، وتوعّد الحرس الثوري الإيراني بالثّأر لاثنين من مُستشاريه استشهدا من جرّائها، يؤكّد أن قرار التصدّي للغطرسة الإسرائيليّة في كُل مكان قد صدر، وأن مرحلة الصّمت الاستراتيجي، وكظم الغيظ، من قبل محور المُقاومة وأذرعه الضّاربة، قد انتهت، ومن غير المُستَبعد أن تشهد الأيّام والأسابيع المُقبلة مُفاجآت صادمة لدولة الاحتِلال.

اللّافت أن نِتنياهو لم يُهدّد كعادته بتدمير لبنان وإزالته
في الوجود، وأكّدت قِياداته العسكريّة في تصريحاتٍ مُسرّبةٍ لبعض الصّحف والمواقع أنه لا يُريد شن حرب على لبنان، ويُفضّل التّهدئة، والتّفسير الوحيد إدراكه بأنّ هذه الحرب في حالِ اشتعالِ فتيلها ستكون بداية النّهاية لدولة الاحتِلال، فهُناك أكثر من 150 ألف صاروخ وخمسة آلاف مُسيّرة انتحاريّة بانتِظار ساعة الصّفر، ومن ثمّ الضّوء الأخضر بالتالي لقصف حيفا وما بعد بعد حيفا.

إطلاق الصّواريخ من جنوب لبنان لقصف المُستوطنات في الشّمال الفِلسطيني المُحتل، وأيًّا كانت الجهات التي تقف خلفها، لا يُمكن أن يتم دون التّنسيق مع المُقاومة اللبنانيّة، وقِيادة “حزب الله” على وجه التّحديد، والأمر المُؤكّد أن المؤسّسة العسكريّة الإسرائيليّة تُدرك هذه الحقيقة جيّدًا، ودائرة هذا التّنسيق مُرشّحةٌ للاتّساع والتّعزيز فيما هو قادمٌ من أيّام.

نِتنياهو كان يُريد حربًا للخُروج من أزَماته الداخليّة المُتفاقمة، وها هي الحرب جاءته إرهاصاتها الأوّليّة من جنوب لبنان على طبقٍ من صواريخِ الكاتيوشا، فهل يُرسل دبّاباته
لاجتياحِ جنوب لبنان؟

نكاد نجزم بأنّه سيُرسل مبعوثه إلى واشنطن وباريس ولندن بحثًا عن اتّفاقٍ للتّهدئة عارضًا تنازلاتٍ ومُراجعات كبيرة، أبرزها وقف اجتِياحات المسجد الأقصى، فإذا كان لا يجرؤ على اقتِحام قِطاع غزّة الذي لا تزيد مِساحته عن 150 ميلًا مُربّعًا ويعيش مِليونان من أبنائه تحت حِصارٍ تجويعيٍّ مُنذ ما يَقرُب العشرين عامًا، فهل سيجرؤ على اقتِحام عشّ الصّواريخ والمُسيّرات الدّقيقة في جنوب لبنان؟؛ الإجابةُ مكتوبةٌ على الحائط.. والأيّام بيننا.


نهاية المقال 
https://taghribnews.com/vdcb09bsgrhbwap.kuur.html
المصدر : راي اليوم
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني
أدخل الرمز