تاريخ النشر2010 2 August ساعة 11:12
رقم : 22235

الفاتيكان والإسلاموفوبيا

بقلم الدكتورة زينب عبد العزيز لقد تم اشتقاق كلمة "الإسلاموفوبيا" فى حوالى عام ١٩٧٠ ، والمقصود منها التخويف من الإسلام بالإشارة الى الكراهية والإضطهاد والتمييز ضد المرأة ، لكن خاصة : الكراهية ضد الإسلام والمسلمين بعد ان تم شيطنتهم بحملة حربية إعلامية ، تم التنسيق بين كل مفرداتها ببراعة منذ تاريخين أساسيين :مجمع الفاتيكان الثانى المنتهى عام ١٩٦٥ ، وأحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ .
الدكتورة زينب عبد العزيز
الدكتورة زينب عبد العزيز

وكالة أنباء التقریب (تنا):
لقد تم اشتقاق كلمة "الإسلاموفوبيا" فى حوالى عام ١٩٧٠ ، والمقصود منها التخويف من الإسلام بالإشارة الى الكراهية والإضطهاد والتمييز ضد المرأة ، لكن خاصة : الكراهية ضد الإسلام والمسلمين بعد ان تم شيطنتهم بحملة حربية إعلامية ، تم التنسيق بين كل مفرداتها ببراعة منذ تاريخين أساسيين :مجمع الفاتيكان الثانى المنتهى عام ١٩٦٥ ، وأحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ .

ولم يعد من الممكن لأحد اليوم إنكار أنه يوجد فعلا تصعيد للعمليات العنصرية ضد المسلمين فى أوروبا وخاصة فى فرنسا. ولم يعد اى شخص يجهل ان هناك قوى وتيارات من الرفض اتت عقب العنصرية الرافضة للعرب والمسلمين ، وكذلك وجود موقف يلجأ الى استخدام الأكاذيب والإشاعات المختلقة من كل الفريات لإدانتهم . وبعبارة واحدة : ان التفرقة العنصرية ضد الإسلام والمسلمين فى فرنسا خاصة وفى أوروبا وأمريكا بعامة هى واقع لا يمكن إنكاره ، بل والأكثر من ذلك انه موقف رسمى لا خلاف عليه.
ومنذ إشتقاق الكلمة زحفت الإسلاموفوبيا لتستقر وتتصدر الخطاب الأوروبى والأفعال المهينة، تواكبها كتابات مماثلة نذكر منها على سبيل المثال الكتاب القبيح لجان لوى بارو بعنوان "الإسلام بعامة" ، والكتاب البغيض لأريانا فالاتشى التى خصها الفاتيكان بقداس وصلاة جماعية عند وفاتها (!) والعملية الممجوجة للحجاب فى فرنسا التى بدأت بإسم العلمانية. ففى عام ٢٠٠٤ الغت فرنسا العلامات الدينية الصارخة من المدارس، بقانون لا يهدف إلا الى النيل من الحجاب الإسلامى، بما أنه قانون يسمح بارتداء "الكيبا" (الطاقية اليهودية) كما يسمح بارتداء الصليب حول العنق على ان يكون صغير الحجم ، وفقا لما يحدده النص برعونة!! ان حقيقة هذه الإسلاموفوبيا المفتعلة من الوضوح بحيث أصبح الإسلام موضوع كم من الإنتقادات الصارخة، العنيفة، المصحوبة بشتى أنواع الخلط ، بل لقد تزايدت التعليقات المتفاوتة بكثرة نعرض منها :
* يرى دودو ديان، المندوب الخاص بالأمم المتحدة ، "أن عبارة الإسلاموفوبيا تشير الى عداوة لا أساس لها والى الخوف من الإسلام، وبالتالى الخوف والعداء تجاه كل المسلمين أو ضد أغلبيتهم. كما تشير الى العداوة والتفرقة العنصرية وعدم المساواة التى يعانى منها المسلمون (أفرادا وجماعات) واستبعادهم من المجالات السياسية والإجتماعية الهامة. و قد تم اختلاق هذه الكلمة إستجابة لواقع جديد هو : التفرقة العنصرية المتزايدة ضد المسلمين فى السنوات الأخيرة".
* ويحدد ديدييه ديلافليه قائلا : "ها هى عبارة تتصدر استعراض الكلمات المشكلة : الإسلاموفوبيا. لقد تم فرض هذه العبارة حاليا للتعبير عن العداء الخاص الموجه ضد شعوب الدين الإسلامى او من أصل إسلامى. ومع ذلك، فهذه العبارة البسيطة تثير إشكالية محددة بما أن الإسلاموفوبيا لا تعنى الخوف من المسلم وإنما الخوف من الدين الإسلامى". ثم يضيف بعد ذلك بقليل فى نفس المقال المعنون "الإسلاموفوبيا حين تسأل العلمانية" قائلا : "منذ ١١ سبتمبر تزايد سجل الخوف من الإسلام ليشمل كل ما يتعلق بالإسلام وكل ما يمس المسلمين ، حتى أصبح مجرد العاطل ارهابى إنتحارى" !
* ويؤكد كلود إمبر ،مؤسس ورئيس تحرير مجلة "لو بوان" الفرنسية، قائلا يوم ٢٤ أكتوبر ٢٠٠٣ فى حديث لقناة إل سى آى : "أنا
أخشى الإسلام (...) ومن حقنا محاربة العنصرية وان نقبل ممارسة سلمية فقط للإسلام. ومن حقى ، ولست وحدى فى هذا البلد من يرى أن الإسلام ، واقولها بكل وضوح الإسلام كدين يُضفى عتاهات قديمة متعددة، واسلوب مهين بالنسبة للمرأة ويحط من شأنها، إضافة إلى محاولة دؤوب لإحلال القرآن بدلا من قوانين الدولة ، وهو ما يجعلنى إسلاموفوبى".
* ويرى إريك كونان ، الصحفى بمجلة إكسبرس الفرنسية ، أن هذه العبارة تنتمى إلى لغة حرب الكلمات ، وأنها تندرج فعلا فى عملية صراع أيديولوجى وحربى ضد الإسلام".
* ولا تقل عناوين الكتب التى تتوالى بصورة لافتة وتتضافر مع هذه الموجة العدائية المتعمدة ضد الإسلام، و نذكر منها على سبيل المثال : خطر الإسلام ، التهديد الإسلامى ، التهديد الإرهابى ، التهديد الواقع على الجمهورية الفرنسية ، صدمة الإسلام ، الإنحرافات الجماعية ، مشكلات الإسلام ، تعرية الإسلام ، أسلمة فرنسا ، ما يحجبه الحجاب ، سكيزوفرينيا الإسلام ، الخ. وهنا لا يمكننا إلا إضافة : ويا للعار ! يا للعار ان تنجرف من كانت بلد منارة التنوير التى عانت من عصور الظلمات الكنسية ، بلد الحرية والمساواة والإخاء لتتدنى الى مثل هذا المستوى ، حتى مع أخذنا فى الإعتبار بأنها "الإبنة الكبرى للكنيسة" !
ومع ذلك ، فليس بغريب أن نجد تيار آخر رافض للإنجراف ليقول جاك جوليار فى جريدة نوفيل أوبسيرفاتير يوم ٢٣ نوفمبر ١٩٨٩ : "أن الذريعة المعادية للإسلام تعد منذ فترة شماعة سهلة يعلق عليها باحترام العداء للعرب ورفض قبولهم". بينما يقول توماس دلتومب بنفس الوضوح عن الأسباب الكامنة خلف تلك الكراهية ويرجعها الى ثلاثة أسباب رئيسية : "الشعور بالذنب الذى سببته حرب الجزائر ؛ وضوح الدين الإسلامى ؛ والخوف من أسلمة اساليب المعيشة" .
هل يمكن التعبير بوضوح أكبر ؟ وفى الواقع لا يمكن لأحد أن ينكر الى أى مدى يعانى المسلمون فى الإتحاد الأوروبى وخاصة المسلمون فى فرنسا، الذين هم ضحايا فعلية للتعنت فى الوظائف، وفى السكن فيما يشبه عشش الفراخ ، وفى فرص التعليم المتعنتة، ولا الى أى مدى أصبح وجودهم يثير الضيق والقلق. فالأعمال الكاشفة عن مدى الخوف من الإسلام تتراوح من مجرد السب الى الإعتداءات الجسدية والحرائق الإجرامية أو تدنيس المقابر بحيث احتلت مكانها فى الأخبار اليومية وتندرج تحت عنوان "حرب دينية" على حد وصف فنسان جيسير..
وأيا كان كم الكتابات أو عدد الذين وصفوا الإسلاموفوبيا ويصعب حصرهم ، فهناك ثلاث ملاحظات يمكن الخروج بها تحديدا: "أنها موقف من يعادون الإسلام ؛ تزايد الخوف من الإسلام منذ أحداث ١١ سبتمبر ؛ وأن ذلك العداء ناجم عن الإزدراء المسيحي للإسلام". وبذلك أصبح يتم الحديث عن الإسلام على أنه "جينياً مبرمج أصوليا ليحتوى على العنف، وأن أصله شيطانى" .. لذلك اعتمد الإعلام فى حملته المغرضة على التركيز على الجانب النفسى والإجتماعى فى حربه العدائية ضد الإسلام لتشكيل عقلية المواطن الغربى. ومن الملاحظ أنه إن كان هناك من أشار الى احداث ١١ سبتمبر على انها نقطة إنطلاق هذه الحرب ، فمن الغريب الا نرى اى شخص يمس او يشير الى التاريخ الثانى الأساسى والأكثر أهمية، وهو مجمع الفاتيكان الثانى ١٩٦٥، مبتدع ومثير هذه المجازر اللا إنسانية ، لأن هذه الحرب الدينية الجديدة ضد الإسلام قد إندلعت فعلا إبتداء من قراراته التعسفية. وإن كنت قد اشرت الى تاريخين أساسيين لهذه الحرب الحديثة الدائرة ضد الإسلام ، فذلك يرجع الى دورهما المحرك لكل الأحداث كما سنرى.
لقد جرى العرف فى كل حرب كما فى كل جريمة على ان نتساءل من المستفيد من هذه الحرب ؟ من المستفيد من هذه الجريمة ؟
لتحديد الجانى ومحاولة إصلاح الموقف أو على الأقل الإشارة اليه حتى يتمكن آخرون من مواصلة الطريق.. وحيال هذه الحرب الإجرامية ، حيال هذا الإقتلاع الواضح المبرمج والأكمه لإقتلاع المسلمين وخاصة الإسلام كدين وكأيديولوجية عالمية ، هناك سؤال يفرض نفسه وهو : من المستفيد من هذا الإقتلاع ؟ وكل رد منطقى يقول : دين آخر بالطبع ، دين لا يمثل الإسلام بالنسبة له عملية قلق فحسب ، وإنما عملية مقارنة مؤلمة لا يمكن الإفلات منها.. أو بقول آخر : أنه دين يمثل دليل قاطع لا يمكن تفنيده على كل ما تم من تحريف فى تكوينه. ومن البديهى أن المسيحية الفاتيكانية بكل مشتقاتها هى المستفيد هنا أو الذى يعنيه الإطاحة بالإسلام.. وقد يحق لكل قارئ أن يتساءل حول ذلك الإسلام ، ولو من قبيل الفضول. والإجابة ، أيا كان وضوحها ، بحاجة الى نبذة تاريخية خاطفة :
فالإسلام هو ثالث وآخر رسالة للتوحيد بالله. وقد كانت الرسالة الأولى هى اليهودية التى انزلت على موسى على السلام، وحينما حاد اليهود عن التوحيد بالله وعادوا للعجل وقتل الأنبياء بلا سبب ، أتت الرسالة الثانية بيسوع عليه السلام والذى قال بوضوح لا لبس فيه : " وما أتيت إلا من أجل خراف بيت إسرائيل الضالة" (متى ١٥ : ٢٤). وهو ما يقوله القرآن الكريم بنفس الوضوح : "و رسولا إلى بنى إسرائيل" (٣ / آل عمران). وحينما حاد المسيحيون عن رسالة التوحيد بتأليه يسوع المسيح فى مجمع نيقية الأول عام ٣٢٥ وغاصوا فى الشرك بالله بفرض الثالوث فى مجمع القسطنطينية عام ٣٨١ ، لأن عقيدة الإيمان الأولى الصادرة عن مجمع نيقية لا تتضمن سوى الإيمان بالروح القدس ، بينما قام مجمع القسطنطينية بوضع الآب والإبن والروح القدس على قدم المساواة ليكوّن الثالوث. لذلك تم تنزيل الرسالة لثالث مرة على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ومعجزته الراسخة الى يوم الدين : القرآن الكريم .
وحتى القرن التاسع كان يُنظر الى الإسلام على أنه هرطقة من ضمن الهرطقات المسيحية بما أن يوحنا الدمشقى يضعه فى كتابه المعنون "نبع المعرفة" الذى أحصى فيه الهرطقات (وتعنى الخلافات العقائدية) التى واجهت المسيحية منذ تكوينها ، ووضع الإسلام فى آخره على أنه الهرطقة رقم ١٠١ .. ان هذه المعلومة ذات أهمية مزدوجة إذ تكشف من جهة عن عدد "الهرطقات" التى تصدت لعملية تحريف المسيحية خاصة بعد تأليه يسوع ، ومن جهة أخرى أن الإسلام فى واقع الأمر هو تصويب ما تم من تحريف فى الرسالتين السابقتين ، واُنزل ليقود هذه الخراف الضالة الى رسالة التوحيد الحق ، خاصة وان خيط التوحيد لم يكن قد انقطع تماما وإنما تواصل بصمود أريوس الرافض لتأليه يسوع أو مساواته بالله ، و انتشرت الأريوسية فى كل ارجاء البلدان المسيحية. فقد تبنتها شعوب بأسرها وامتدت حتى إسبانيا ، الأمر الذى ساعد على سهولة تقبل الإسلام الذى اعتبروه كمحرر من الطغيان والتحريف. وكانت الحرب شرسة فقد اُبيدت شعوب بأسرها كالبجوميل والكتار والألبيجوَا بسيوف كنيسة روما ، ولا نقول شيئا عما طال اليهود والمسلمين الذين تم طرد من بقى منهم. والإسلام ، رسالة التوحيد الحق يوجد مشروحا بإيجاز شديد الوضوح فى سورة "الإخلاص" التى تعد بمثابة الحد الفاصل والذى لا نقاش فيه بين المسيحية والإسلام :
"قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد".
وهذا التعبير المطلق عن التوحيد بالله الذى تتضمنه سورة الإخلاص يكشف ويستنكر فى آن واحد عمليتا التحريف الأساسيتان اللتان قامت بهما المؤسسة الكنسية وهما : تأليه يسوع ، وجعله إبنا لله ، كما تؤكد هذه السورة التوحيد المطلق بالله ، وهو ما ينفى ويرفض رفضا قاطعا لبدعة الثالوث :
"وقالوا اتخذ الرحمن ولداً ، لقد جئتم شيئا إدّا ، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق
الأرض وتخِرُ الجبال هداً ، أن دعوا للرحمن ولداً" (٨٨-٩٠ / مريم).
الأمر الذى يسمح بقول ما لم يعد أى شخص يجهله ، بل انه السبب الحقيقى للإلحاد فى الغرب: ان المسيحية الحالية لم يؤسسها عيسى بن مريم ، النبى ، الذى لم يأت إلا من أجل خراف بيت إسرائيل الضالة ، وإنما أنشأتها المؤسسة الكنسية عبر العصور من خلال المجامع المختلفة ومحاكم التفتيش ومجازرها. أمن ضرورة لإضافة أبحاث معهد ويستار بالولايات المتحدة والتى قادها أكثر من ٢٠٠ عالما متخصصا فى اللاهوت واللغات القديمة ، أكدوا جميعا أن ٨٢ % من الأقوال المنسوبة الى يسوع لم ينطق بها ، و٨٦ % من الأعمال المسندة اليه لم يقم بها. ولا نقول شيئا عن تلك الأبحاث التى تؤكد ان نصوص ما يسمى بالكتاب المقدس بعهديه ، تتضمن ١٦١٤ رقما او جملة من الهراءات ، و١٤٠١ من الظلم ، و١١٩٧ من الوحشية والإنتقام ، و٥٨٦ من عدم التسامح ، و٤٥٥ من المتناقضات التى لا حل لها ، و٣٥٦ من الأخطاء التاريخية والعلمية ، الخ.
وقد بدأت المسيحية فى الإنتشار منذ القرن الأول ، ويقول فرانسوا لوبران فى مقدمة كتاب "التواريخ الكبرى للمسيحية" (صفحة ٧ ، طبعة لاروس ، سنة ١٩٨٩) : "لقد تم عرض الإنجيل على الوثنيين والكفرة بيد تحمل السيف. وانتشرت هذه العقلية للحروب الصليبية ايام الحملات الكبرى التى دارت فيما بين القرن الحادى عشر والثالث عشر ، بزعم مساعدة مسيحيو الشرق الأوسط (...) ، لكن اذا ما تمكنت الحروب الصليبية من وقف المد الإسلامى لفترة ، فهى لم تنجح فى تنصير مسلم واحد".. يؤكد الكاتب أنه ما من مسلم واحد قد تنصر ، وعلى العكس من ذلك فقد أسلم العديد من فرسان المعبد أثناء إقامة امتدت الى قرنين ، وتزوجوا من مسلمات وأقاموا بيوتا مسلمة التوجه والعقيدة . وهذا سبب واحد من السببين اللذان من أجلهما تم اعتقالهم فى يوم واحد من مختلف انحاء البلاد التى كانوا بها وتمت إبادتهم بفضل مؤامرة محكمة حيكت بين ملك فرنسا فيليب لو بل والبابا كليمانت الخامس. والخيط الرفيع الذى يربط بين فرسان المعبد والإسلام هى تلك الإدانة التى تم إتهامهم بها وهى "انهم يعبدون البافوميه" (Baphomet) وهذا البافوميه الذى أطلقته الكنيسة إسما على الشيطان كان أحد الأسماء المهينة التى أطلقها المستشرقون والقساوسة فى كتاباتهم الهجومية على سيدنا محمد صلوات الله عليه. أما السبب الثانى لإقتلاع فرسان المعبد فهو ثراءهم الذى فاق ثروات الملك والكنيسة... أنه موضوع جدير بالدراسة التفصيلية لمن يمكنه الخوض فيها.
ولا يسع المجال هنا لتناول كافة المجامع العالمية او المحلية لكن يكفى قول أنه حتى مجمع الفاتيكان الثانى (١٩٦٥) كانت كافة المجامع تُعقد للتصدى لما يستجد من خلافات أو لقلفطتها ، لذلك يُعد مجمع الفاتيكان الثانى أول مجمع هجومى فى التاريخ ، نظرا لكل ما تمخض عنه من قرارات مفجعة أو كارثية النزعة. لذلك من المهم ان نرى قراراته بشئ من التفصيل لأنه نادرا ما يفكر أحد الأتباع أو حتى أحد المسلمين فى قراءة قرارات هذه المجامع ، علما بأن جميعها مطبوع ومترجم الى عدة لغات ومنشور فى العديد من المواقع التابعة للفاتيكان.

وتتكون وثائق مجمع الفاتيكان الثانى من ١٦ وثيقة : ٤ دستورية أو قوانين أساسية ؛ ٣ بيانات ؛ و٩ قرارات. وكلها مُلزمة التنفيذ حتى على الملوك والرؤساء. وهو ما يفسر ثقل ومدى تدخل الفاتيكان والكرسى الرسولى فى السياسة الدولية وفى مختلف الحروب التى تندلع فى كل مكان. وهو ما يجهله الكثير من القراء او حتى من الأتباع. ويمكن تلخيص أهم ما أقره ذلك المجمع فى مختلف إصداراته فى النقاط التالية :

تبرأة اليهود من دم المسيح ، بعد أن ظلت الكنيسة تلعنهم فى قداساتها لمدة الفى عام ؛ إقتلاع اليسار فى عقد الثمانينات حتى لا يبقى سوى
نظام سياسى واحد ؛ إقتلاع الإسلام حتى تبدأ الألفية الثالثة بعالم تم تنصيره بأكمله ؛ فرض تنصير العالم ؛ تكوين لجنتان بابويتان إحداهما لتنصير الشعوب ، والأخرى للحوار بين الأديان ؛ فرض المساهمة فى عملية تنصير العالم على كافة الأتباع الكنسيين منهم والمدنيين ؛ فرض مساهمة الكنائس المحلية فى عملية التنصير ، ومن هنا يقع على الأقليات المسيحية المساهمة فى عمليات التنصير ؛ توحيد كافة الكنائس المنشقة تحت لواء كاثوليكية روما.
ولا يسع المجال هنا لتناول كل قرار بالتفصيل لكن يمكن القول بأن اثنان منهما يمثلان أكبر شرخ هز كيان الحياة الإنسانية منذ ذلك التاريخ : تبرأة اليهود من دم المسيح ؛ واقتلاع الإسلام لتنصير العالم. فأول نتيجة فادحة لهذه التبرأة كانت إضطرار الكرسى الرسولى الى الإعتراف بالكيان الصهيونى المحتل لأرض فلسطين بتوقيعه يوم ٣٠ ديسمبر١٩٩٣ على الإتفاق الأساسى الذى اعترف فيه بذلك الكيان. وكان هذا التوقيع يتضمن فى نفس الوقت قطيعة مع الإسلام الذى لن يقبل أبدا بوجود دولة يهودية ، وتشجيع لباقى البلدان الأوروبية التى كانت ترفض الإعتراف بالكيان الصهيونى أن تقر به بما أن رأس الكنيسة قد انحنت !!
ومن الملاحظ أنه منذ تكوين هذا الكيان المحتل لأرض فلسطين كان البابوات يصرون على إيجاد وضعا دوليا لمدينة القدس. وهو المطلب الذى يكشف عن عدم ثقة الكنيسة فى القيادات الصهيونية. وفى عام ١٩٨٠ ، تبنى الكنيست قرارا بضم مدينة القدس وإعتبارها عاصمة رسمية وازلية للدولة اليهودية. وهو ما يكشف عن أن الصهاينة لا يعبأون كثيرا بمطالب الفاتيكان ولا يهتمون إلا بمخططاتهم . ومن الملاحظ ان هناك عشر سنوات تفصل ما بين نداء البابا يوحنا بولس الثانى "بضرورة الحفاظ على الطابع المقدس المتفرد الوحيد والذى لا يمكن تبديله لمدينة القدس" من تغيير موقفه تماما ، وهو ما يلقى بظلاله على أواخر أيامه البابوية بأن أصبح أول بابا يزور معبد يهودى ، واول بابا يقف أمام حائط المبكى المزعوم بعد أن أخفى مضطرا الصليب من على صدره ، ثم تبيّن أنه صديق لليهود منذ الصغر !!
وهذا الموقف فى مجمله يمثل جزء لا يتجزأ من الحرب الدينية ، بل أنه يطيح بالإحترام الواجب للقانون الإلهى أساس كل الحضارات التراثية. فبتخطيها التعاليم الإلهية اخطأت الكنيسة الكاثوليكية بالإعتراف بدولة إسرائيل ، ولن تقع عواقب هذا التصرف الخاطئ الفادح إلا على رأسها . لأن إنشاء دولة إسرائيل هو فعل لا شرعية له بالنسبة للتشريع الإلهى لأنه يناقض عقوبة إلهية ضد اليهود. وهى عقوبة لا توجد فحسب عدة مرات فى الأناجيل التى يمكن التلاعب بنصوصها ، بما أن البابا يوحنا بولس الثانى قد وعد بإعادة النظر فى ٧٠ رقم أو جملة لتتمشى مع تبرأة اليهود ، لكنها عقوبة واردة أيضا فى القرآن الكريم الذى يقول :
"فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حقٍ وقولهم قلوبنا غلفٌ بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ، وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً" (١٥٥-١٥٦ / النساء).
وما ينجم عن ذلك الإعتراف الإجرامى هو أن الكنيسة الكاثوليكية لم تعد محايدة على الإطلاق بل صارت فى خدمة السياسة والمصالح الصهيونية بأوسع معانى الكلمة. وهو ما يفسر الدور المزدوج الذى تقوم به بتبنيها سياسة البيت الأبيض وقيامها بعملية تنصير العالم فى نفس الوقت. لأن نفس دولة إسرائيل هى مجرد أداة فى أيدى الصهاينة الذين حددوا اهدافهم بوضوح شديد : إعادة إقامة سلطة دينية يهودية جديدة فى القدس ، وهى بمثابة المرحلة الأخيرة قبل هدم المسجد الأقصى لإقامة المعبد الذى سيشهد ببعث إسرائيل "كشعب مختار" . الأمر الذى يعنى ضمناً أنه لم يعد هناك أى معنى لوجود الكنيسة على الإطلاق ! لذلك يحتفظ الصهاينة بجزء من مخطوطات قمران (البحر الميت) لإستخدامها فى الوقت المناسب إذ ان بها ما يهدم الكنيسة فعلا.
وعندما انتهى العقد الذى كان من المقرر فيه إقتلاع الإسلام
، رغم كل الجهود المستميتة للبابا يوحنا بولس الثانى ، وخطاباته الرسولية وخاصة ذلك الخطاب الخاص بيوبيل سنة ٢٠٠٠ ، وكلها موضوعها الأساسى تنصير العالم ، قامت اللجنة المركزية لمجلس الكنائس العالمى باسناد مهمة تنفيذ "عقد إقتلاع الشر" الذى هو الإسلام فى نظرهم ، الى الولايات المتحدة الأمريكية...
وفى ١١ سبتمبر إهتز العالم بأصداء مسرحية تم الإعداد لها بإحكام ، ولم يعد أحد يجهل أن التضحية بعدة مئات من مواطنيها استطاعت الولايات المتحدة التلفع بشرعية دولية لإقتلاع الإسلام والمسلمين بعد ان جرفت الإتحاد الأوروبى فى ركابها لتنحر أكثر من عشرة ملايين من المسلمين فى حروبها الظالمة الكاسحة فى أفغانستان والعراق وفلسطين وغيرها. و كانت قد استعانت بنفس الخطة عبر تاريخها ايام اقتلاع اليسار ، بعد ان اضفت عليها مزيد من الإحكام والدعاية.
ان التعاون بين سياسة البيت الأبيض ومدينة الفاتيكان او الكرسى الرسولى فى اقتلاع اليسار فى عقد الثمانينات الذى حدده مجمع الفاتيكان لم يعد سرا ، والتفاصيل واردة فى مئات المراجع التى لا يسع المجال هنا لذكرها. والتعاون بينهما لم يتوقف بل يتواصل بالإعداد لأحداث قادمة ، لا نذكر منها إلا سينودس أساقفة الشرق الأوسط المزمع إقامته فى اكتوبر القادم، الذى ينوى الفاتيكان خلاله الحصول على التعاون السياسى ، وإن أمكن العسكرى ، لتنصير الشرق الأوسط ، بما ان عقد "اقتلاع العنف" ، لم يصل الى الغرض المنشود وكل ما تم خلاله هو تراكم مزيد من الأدلة لإدانة تدنى سياسة عنصرية متعصبة ، قائمة على التعامل بوجهين والتى لا تفضح ولا تدين إلا القائمين عليها.
وبشيطنة الإسلام والمسلمين لتسهيل إقتلاعهم ، فإن الغرب المسيحى المتعصب يعيد نفس دورة الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش بمسميات مختلفة : الجى آيز ، والمبشرين ، ومعتقلات جوانتانمو، ليغوص فى مزيد من الفشل الذى يكشف عن عدم قدرته على مواجهة الإفلاس الذى يغرق فيه أصلا و بكل تأكيد : إفلاس يرجع الى كل مواقفه المزدوجة الوجوه والمعايير التى قامت عليها حضارته. سياسة قائمة على الأكاذيب المتراكمة؛ وديانة قائمة على أكاذيب متراصة عبر التاريخ ؛ ونظام مالى كاذب ومحتال بمؤسسات مصرفية دولية ؛ بل وحتى التقويم كاذب ، اقترفه القس دنيس القصير ليضع ميلاد المسيح فى العام واحد بدلا من العام صفر الذى يمثل البداية الفعلية المفترضة للتقويم، ورغمها الجميع يعلم و يصمت ! فما الذى يبقى بعد ذلك ؟ حتى الوعود ليست سوى أكاذيب تذوب ذوب الملح فى الماء و تتلاشى !
إن هوس تنصير العالم ، بما فى ذلك إعادة تنصير أوروبا المسيحية ، تلك البدعة التى يتزايد مداها باختلاق "المجلس البابوى من أجل تنصير جديد" فى الشهر الماضى، تتعدى آفاق العبثيات برؤية فرق للتبشير ليست من القساوسة فحسب وإنما من المدنيين ومن الشباب بل ومن الأطفال ، ورؤية كل هؤلاء الجوالة يتنقلون كفرق الشحاذين المنشدون فى القرون الوسطى ، يتنقلون من الباب للباب وبطول الشواطئ ، مرورا بكل ما يمكن وما لا يمكن تصوره من الإمكانات والأحاييل لتنصير العالم !
ومن المؤسف ان نرى الى أى درجة يجاهد الغرب المسيحى المتعصب للسيطرة على الإسلام ليجعله يرضخ ويقتلع مبادئ أنزلها المولى عز وجل ، ولكى ينحنى لرغبات عنصرية لا تكف عن إختراع وسائل ترويعية لتفريغه من مبادئه ، وتقطيعه ، او تفتيته ليجعل منه إسلاما بالتفصيل ، وفقا لرغبة كل دولة من دول الإتحاد الإوروبى ، بدلا من أن يحاولوا فهم إلى أى مدى ان الإسلام يمثل الدين العالمى الذى لم يتم تحريفه والذى ارتضاه المولى سبحانه وتعالى لجميع خلقه ، بدلا من إلقاء أنفسهم فى الأحضان الآثمة لمن يطلقون عليهم "إخواننا الأكبر منا" الذين لعنهم الله أكثر من مرة ..
ويبقى السؤال عالقا مؤلما مريرا :
الم يحن الوقت بعد لأمة محمد أن تفيق من ثباتها ، ومن تبعية قياداتها المختلفة للغرب ، لتدافع عن الإسلام الذى أنزله المولى عز وجل وارتضاه لجميع خلقه ، ووعد بحفظه الى يوم الدين ؟!
بقلم الدكتورة زينب عبد العزيز
المصدر : الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
https://taghribnews.com/vdcft0d0.w6d0maikiw.html
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني
أدخل الرمز