وكالة أنباء التقريب 19 Apr 2021 ساعة 5:58 http://www.taghribnews.com/ar/article/500506/قانا-دم-لا-يبرد-ودمع-ي-ر-د -------------------------------------------------- ليلى عماشا عنوان : قانا: دمٌ لا يبرد.. ودمعٌ لا يُرَدّ‎ تنا -------------------------------------------------- نام شهداء قانا جنبًا إلى جنب واستضافوا في العام ٢٠٠٦ شهداء مجزرة قانا الثانية، لكن غفوتهم تلك لم تمنعهم من أن يقصّوا على التاريخ حكاية من نار ودم، عنوانها قانا، وأبطالها رجال ونساء وأطفال احتموا تحت سقف "الأمم المتحدّة" وخذلهم.. بل خذلهم العالم كلّه، وما نصرهم وانتصر لدمهم إلّا سلاح المقاومة وأهله. نص : ليلى عماشا "عند الطوارىء"، والطوارىء باللهجة الجنوبية هم قوات اليونيفيل.. مَن كان يتوقّع أن يقوم الصهاينة بقصف مقر تابع لقوات الأمم المتحدّة، أي مركز قيادة القوّة الفيجية في قانا؟ أي أب كان سيأتمن الأمم المتحدّة على عياله لو مرّ بذهنه احتمال أن تمتد يدّ القصف الجنونيّ إلى مقرّ لها في الجنوب؟ لكن فعلها الصهاينة في الثامن عشر من نيسان ١٩٩٦، في تمام الساعة الثانية من بعد الظهر، وصارت قانا الحبيبة أرض المجزرة. نساء وأطفال وعُجّز، عائلات من قانا ومن صدّيقين ومن القلَيْلة ومن رشكنانَيه ومن جبال البطم ومن حاريص، تحتمي تحت سقف "الطوارىء" من وحش ترعاه ضمنًا الأمم المتحدّة وشكلًا تدّعي عتابه الذي ما بلغ يومًا حدّ التوبيخ! أصوات الأطفال تملأ المكان. وحيرة الأمهات تحمّل الهواء ثقل الهمّ الذي لا يهتزّ رغم دويّ القصف.. حياء كبار السنّ المتعبين والمثقلين بذاكرات التهجير يُبكي الحجارة التي تسوّر أرضًا ستصير بعد قليل حقلَ أشلاء عزيزة.. وانهمر مطر من قذائف.. أصوات الأطفال استحالت أنينًا يذوب في الدم الحار الذي انسكب من همّ الأمهات، فيما أذرع الرجال التي بترتها النار المتساقطة من فم الحقد الصهيوني امتدت لتُغمضَ العيون في وجوه فارقت الحياة لتوها.. في تلك اللحظة، بدا كأن الزمن توقّف.. بل توقّف في كلّ مرة قُرأ فيها خبر عاجل يقول: مجزرة في قانا، وفي كلّ مرة وقعت عين القلب على هول المشهد.. سنين مرّت وما زال الخبر يسري نارًا في الدم، ويحرق القلب، ويغذي النقمة على الصهاينة ومَن تصهينوا! منذ الدقائق الأولى للمجزرة حتى اليوم، لم يتمكن عاقل من المرور بلا ذهول على الأسماء، على الصور، على الحكايات، على الناجين، على الجرحى، على المكان وعلى مدافن شهداء قانا.. الشهداء الذين بلغ عددهم ١٠٦ بينهم مَن دُفن مجهول الهوية لتعذّر التعرّف على بعض الجثامين، والذين أصبحت قبورهم مزارًا يذكّر من نسي ومن تناسى، بل يذكّر كلّ من مرّ على ذكر قانا وعلى حكايات الجنوب، أن هذه الأرض المنتصرة مدجّجة بدمِ أولادها ذخيرة وسلاحًا، وأن أهل هذه البلاد الذين رفعوا شارة المقاومة والنصر المبين بيد، كانوا يرفعون باليد الأخرى جثامين أحبّتهم ونار الفراق.. في مثل هذا اليوم، دخلت قانا قائمة القرى التي أثكلها العدو بالمجازر في لبنان وفي فلسطين.. التحقت بحولا وبالعباسية وبدير ياسين، وصارت رمزًا للدم الذي ينتصر، رغم الوجع ينتصر، رغم النّزف الذي لا يكفّ ولا يتعب.. في مثل هذا اليوم، شهد العالم كلّه حجم العنجهية الصهيونية، وشهد كيف لا فرق بين أن ينكر ارتكابه اياها أو يقرّ بذلك، ففي الحالين لن يحاسبه مجلس أمن دولي ولا يعاقبه محفل أمم متحدة ولن يلجمه قرار يحمل رقمًا ما، ليقول أنّ هذه المحافل الدولية قد أدّت قسطها للعلى.. وحدها المقاومة، وحدها حاسبت وعاقبت ولجمت وهدّدت وهزمت الصهيوني وأجبرته على وقف الحرب ثم الفرار من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠، وكذلك وحدها جعلت ذلك العالم الذي لا يفهم لغة إلا القوّة يقف مذهولًا أمام الفشل "الإسرائيلي" الذريع رغم هول المجازر ورغم عامل التفوّق بالعتاد وبآلة الحرب الذي كان يتمتّع به العدو في ذلك الحين. نام شهداء قانا جنبًا إلى جنب واستضافوا في العام ٢٠٠٦ شهداء مجزرة قانا الثانية، لكن غفوتهم تلك لم تمنعهم من أن يقصّوا على التاريخ حكاية من نار ودم، عنوانها قانا، وأبطالها رجال ونساء وأطفال احتموا تحت سقف "الأمم المتحدّة" وخذلهم.. بل خذلهم العالم كلّه، وما نصرهم وانتصر لدمهم إلّا سلاح المقاومة وأهله.