وكالة أنباء التقريب 17 Jun 2021 ساعة 17:44 http://www.taghribnews.com/ar/note/508171/نموذج-التعايش-الكندي-في-مهب-التطرف -------------------------------------------------- عنوان : "نموذج التعايش الكندي" في مهب التطرف تنا -------------------------------------------------- على مدار العقود الماضية، جرت عدة حوادث في كندا، شكلت تزايدًا سريعًا في عدد الهجمات المعادية للإسلام وغيرها من القضايا، الأمر الذي قد يلحق ضررًا كبيرًا بالصورة النموذجية للتعايش في ذلك البلد. نص : أوزجان خضر أثار اكتشاف رفات 215 طفلاً في ساحة مدرسة كاملوبس الهندية الداخلية، التي كانت تعمل حتى عام 1969 بمقاطعة كولومبيا البريطانية في كندا، غضبًا في جميع أنحاء العالم، مما دفع الحكومة لبدء عمليات بحث في المدارس الداخلية التي تديرها الكنيسة في البلاد. وتجري أنظمة الرادار الأرضية عمليات تمشيط للمقابر وساحات 139 مدرسة داخلية تديرها الكنيسة بحثًا عن قبور غير مسجلة للأطفال، حيث تشير التقارير إلى وجود 821 حالة وفاة لأطفال غير موثقة في المدارس الداخلية التي تديرها الكنيسة في مقاطعة ألبرتا الكندية. كما رفع مجموعة من المحامين في كندا قضية إلى المحكمة الجنائية الدولية (ICC) وطلبوا التحقيق مع الحكومة الكندية والفاتيكان لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية. تجدر الإشارة إلى أن هذه المدرسة الداخلية، كانت واحدة من 139 مدرسة تأسست عام 1890 من قبل الكنيسة الكاثوليكية نيابة عن الحكومة الكندية من أجل ضمان دمج الأطفال الأصليين مع الأطفال المهاجرين الأوروبيين، ثم أصبحت تحت سيطرة الحكومة المركزية عام 1969، واستمرت في تقديم خدمات السكن للطلاب في المنطقة حتى تم إغلاقها عام 1978. وفي عام 1874، تعرض 150 ألف طفل من السكان الأصليين في كندا للحرمان القسري من ممارسة ثقافة أسرهم، ووُضعوا في مساكن تابعة للكنيسة من أجل الاندماج في الثقافة البيضاء. وتعرض العديد من هؤلاء الأطفال في المدارس الداخلية للاعتداء الجسدي والجنسي والاغتصاب وسوء التغذية؛ بل إن بعضهم فقد حياته بسبب التجارب الطبية التي أجريت عليهم. بالإضافة إلى ذلك، دُمِّر عدد كبير من الوثائق بين عامي 1936 و1944؛ التي تضم معلومات عن أكثر من 200 ألف عائلة محلية كانت مرتبطة بالمدارس الداخلية التي تديرها الكنيسة، والتي تمثل واحدة من أحلك الفترات في تاريخ البلاد. علاوة على ذلك، فإن أهم السجلات المتعلقة بهؤلاء الأطفال موجودة ضمن المحفوظات الوطنية للفاتيكان وكندا، ولكن الفاتيكان رفضت دعوات الإفراج عن تلك الوثائق. - الفاتيكان لم تعتذر بعد كان من المتوقع أن يقدم البابا فرانسيس، الزعيم الروحي للكنيسة الكاثوليكية، اعتذارا حول الحادثة، ولكن ذلك لم يحصل إلى اليوم. كما كرر رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو تصريحه حول الحادثة قائلا إن المدارس كانت تحت إشراف الكنيسة وإن "على الفاتيكان تحمل المسؤولية عن الدور الذي لعبته في إدارة المدارس والاعتذار". علاوة على ذلك، نشرت لجنة الحقيقة والمصالحة الكندية، التي تأسست عام 2010 وأكملت عملها عام 2015، تقريرًا من 4 آلاف صفحة عن أكبر حلقة لإساءة معاملة الأطفال في البلاد، حينها طلب ترودو من البابا فرانسيس الاعتذار في نفس العام، وكرر طلبه خلال زيارته للفاتيكان عام 2017، لكنه لم يتلق ردًا منه. واستجابة لطلب ترودو في عام 2018، أعلن المؤتمر الكندي للأساقفة الكاثوليك أن البابا لا يمكنه الاعتذار شخصيًا عن الدور الذي لعبته الكنيسة الكاثوليكية في كيفية إدارة هذه المدارس الداخلية. من ناحية أخرى، اعتذرت الحكومة الكندية للناجين من هذه المدارس في عام 2008، وحدد تقرير عام 2015 الأطفال المقتولين كضحايا لـ"الإبادة الجماعية الثقافية". وصرح وزير خدمات السكان الأصليين الكندي، مارك ميلر، سابقًا أنه يجب على البابا أن يعتذر عما حدث في المدارس الداخلية التي تديرها الكنيسة قائلاً: "أعتقد أنه من العار أنهم لم يفعلوا ذلك بعد". وبعد الإدلاء بتلك التصريحات، ظل البابا فرنسيس صامتًا لفترة طويلة. وفي نهاية المطاف، وبعد صلاة الأحد التقليدية في الفاتيكان، قال البابا، دون أن يعتذر، إنه كان يتابع الموقف بألم، ويصلي من أجل الأطفال الذين ماتوا. وكنتيجة للعمل الذي قامت به لجان التحقيق أمر الفاتيكان بدفع تعويضات. - "ما يحدث هنا يبقى هنا" باستثناء القضايا في الولايات المتحدة، والتي تضمنت مبالغ كبيرة من التعويضات ضد الكنيسة الكاثوليكية عام 2007، تم الإبلاغ عن أولى حالات التحرش الجنسي في أوروبا في أيرلندا. وجاء ذلك بعد أن تم الكشف عن قيام قساوسة وراهبات ينتمون إلى الكنيسة الكاثوليكية في أيرلندا بالاعتداء الجنسي على آلاف الأطفال، ولكن قامت الكنيسة بحماية المعتدين من خلال تعيينهم في مواقع مختلفة. ظل هذا الوضع مخفيًا لما يقرب من 50 عامًا بسبب عقلية "ما يحدث هنا يبقى هنا". بعد الكشف عن الأحداث لأول مرة، أدان الفاتيكان الوضع في أيرلندا، وأمر بإجراء تحقيق، مشيرًا في رسالة إلى الكهنة إلى أن ذلك كان "خطيئة كبيرة". تجدر الإشارة أيضًا أن حوالي 15٪ من القساوسة والراهبات في بعض إدارات الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة قد تحرشوا جنسيًا بشخص ما. ويُذكر أن أكثر من 10 آلاف حادث تحرش جنسي وحوادث متعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال وقعت في أستراليا بين عامي 1960 و2015، تم إخفاء معظمها تحت البساط. - الإسلاموفوبيا تقتل 4 مسلمين من أسرة باكستانية في 6 يونيو/ حزيران، أدى هجوم معاد للإسلام إلى مقتل 4 مسلمين في كندا إثر اصطدام حافلة صغيرة بعائلة مسلمة كانت تسير على الرصيف. ومن بين القتلى صبي يبلغ من العمر 15 عامًا، إضافة لإصابة آخر يبلغ من العمر 9 سنوات بجروح خطيرة. على إثرها أعلن قائد الشرطة الإقليمية أن هذا الهجوم كان عملاً مخططًا له بدافع الكراهية، وتم ارتكابه لأسباب معادية للإسلام. كما صرح رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو أنه يقف إلى جانب المسلمين، وأن الإسلاموفوبيا ليس لها مكان في مجتمعهم وأن هذه الكراهية خبيثة وحقيرة ويجب إيقافها. ومن ناحية أخرى، وصف رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان هذه الحادثة بأنها "عمل إرهابي". كما أكد المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، على ضرورة اعتبار القضية عنصرية وجريمة كراهية، قائلاً "هذا هو أحدث مثال على كيفية تحول الخوف المفتعل إلى كراهية وكيف تتحول الكراهية إلى عداء وعنف". إلى ذلك، قال المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية التركي، عمر جيليك، إن الهجوم "لم يكن مجرد عمل إجرامي، بل كان ترويجًا للإسلاموفوبيا". وأشار جيليك إلى أن "لغة الإعلام السياسي التي تمنح الكثير من الإفلات من العقاب لجرائم الكراهية هي المجرم الأساسي". واعتُبرت وسائل الإعلام الكندية والأمريكية والغربية الهجوم بشكل عام بمثابة عمل إجرامي عادي/قتل وليس "هجومًا إرهابيًا". بينما لو نفذ مسلمٌ هذا الهجوم، لأطلق عليه على الفور اسم "الإرهاب الإسلامي" دون تردد. وعلى الرغم من أن ضحايا هذا الحادث هم عائلة مكونة من 5 أفراد من أصل باكستاني، إلا أن هدف هذا العنف الإرهابي هو كندا كدولة ومجتمع ككل. ومن الممكن القول بأن هذا الهجوم المعادي للإسلام ربما تم التخطيط له بهدف تحويل الانتباه بعيدًا عن اكتشافات رفات الأطفال في ساحة المدرسة الداخلية، والتي سيطرت إلى حد كبير على أجندة الدولة. ويذكرنا هذا الهجوم، مرة أخرى، بإطلاق النار على مسجد في مدينة كيبيك (شمال شرق) عام 2017 على يد الجاني العنصري ألكسندر بيسونيت، والذي قُتل فيه 6 أشخاص وأصيب 5. وبالتالي، يجب أن يُفهم أن كندا، التي تعتبر واحدة من أكثر البلدان ملائمة للعيش في العالم، ويوجد فيها تركيز كبير على سياسات التعددية الثقافية، وتدير حكومتها وزارة للهجرة، أنها تتحول بسرعة إلى مكان يتزايد فيه عدد الهجمات المعادية للإسلام، والذي بدوره سيلحق ضررًا كبيرًا بصورتها. وعليه فإن الاختبار الحقيقي لـ "النموذج الكندي"، أصل الأدبيات الفلسفية حول التعددية الثقافية، هو مع المسلمين، تمامًا كما هو الحال في الغرب وأوروبا. ليس لدينا الكثير من الأمل بالنسبة للفاتيكان، لكننا نأمل أن تتخذ كندا خطوات فورية لحفظ صورتها النموذجية متعددة الثقافات كما في الماضي، سواء فيما يتعلق برفات الأطفال في ساحة المدرسة الداخلية أو بالهجوم المعادي للإسلام. ** الكاتب عضو هيئة تدريس في جامعة "صباح الدين زعيم" بإسطنبول، ومتخصص في دراسات الحديث، والعلاقة بين الثقافتين اليهودية والمسيحية، والتفاعلات بين الأديان والثقافات، والاستشراق والاستغراب، والسياسة، ومناهضة الإسلام (العنصرية الثقافية)، والإسلام والمسلمين في أوروبا والغرب.