تاريخ النشر2021 20 April ساعة 10:16
رقم : 497952

ارتكابات السفارة البريطانية في بيروت: حرب ناعمة على المقاومة

تنا
تنفذ بريطانيا استراتيجية قومية ودولية مشتركة مع الولايات المتحدة وبقية دول تحالف «العيون الخمس». وهذه الاستراتيجية موجّهة ضد كوكبة الدول المستقلة ، مثل روسيا والصين وإيران وسوريا وكوبا وفنزويلا وكذلك ضد حركات المقاومة في المشرق العربي، بما فيها لبنان.
ارتكابات السفارة البريطانية في بيروت: حرب ناعمة على المقاومة
  علي نصار
 وقَّعت وزارة الخارجية اللبنانية على اعتراف جامعة الدول العربية باسكتلندا «كدولة أوروبية مستقلة عن بريطانيا» . وأيد بيان أصدرته الوزارة، حق الشعب الاسكتلندي وشعب أيرلندا الشمالية في الاستقلال والحرية. لن يبدو هذا الخيال السياسي رداً جامحاً ولا انفعالاً مفرطاً، عندما نطَّلع على نذرٍ قليلٍ من خرائط هندسة التخريب الاجتماعي ـ السياسي وعملياتها التي تنفذها سفارة بريطانيا في بيروت وأجهزة الاستخبارات البريطانية ضد لبنان.

نخمّن أن هذه العمليات الهندسية ضخمة. مثلاً، لدى «غوغلة» / Googalisation اسم السفير كريس Rampling / رامبلينغ، نعثر على أكثر 150 ألف رابط  / Links بشأنه. يمكننا بالتنقية العشوائية لهذه الروابط، بحذف التكرار والمتشابه، أن نختزلها إلى 10 ـ 20 ألف خبر. هذا الرقم السبراني الهائل، يرسم انطباعاً واقعياً، عن لفافة الدعاية الكثيفة التي لحف بها هذا الـ«رامبلينغ» وفريقه أهداف الحرب السرية البريطانية في «وطن الأرز».

ماذا تريد بريطانيا في لبنان؟
تنقسم أهداف «التاج البريطاني» بين ثلاثة محاور، تمسّ بالأمن الوطني اللبناني وتخربه، وهي :

ـ الأول: دولي، لضمان التفوق الغربي على لبنان.
تنفذ بريطانيا استراتيجية قومية ودولية مشتركة مع الولايات المتحدة وبقية دول تحالف «العيون الخمس». وهذه الاستراتيجية موجّهة ضد كوكبة الدول المستقلة ، مثل روسيا والصين وإيران وسوريا وكوبا وفنزويلا وكذلك ضد حركات المقاومة في المشرق العربي، بما فيها لبنان. ضمن هذه الاستراتيجية القومية وما فوق القومية، تستهدف بريطانيا لبنان بكل وسائل «الحرب الهجينة» التي تتناسب مع موازين القوى الراهنة، خصوصاً عبر الحرب السرية . والهدف الرئيسي لهذه الحرب إبقاء الدولة اللبنانية في حال التبعية للقرار الإمبريالي الغربي، والنظام الرأسمالي العالمي، ومنع الشعب اللبناني من كسر قيود التبعية ضدهما.

أكثر ما يتجلى هذا المنع في الجهود التي تنفقها بريطانيا للتدخل في العلاقات الحدودية بين لبنان وسوريا، بتمويلها بناء أبراج عسكرية ونصب أجهزة مراقبة على الحدود الشمالية والشرقية اللبنانية ـ السورية. ومع أن هذا التدخل يتم تحت لافتة دعم الجيش، فإن هدف التدخل هو مطلبٌ «إسرائيلي». لأن إغلاق هذه الحدود أمنياً وعسكرياً، هو معطى جيوبوليتيكي، فشلت «إسرائيل» (وقوى اليمين اللبناني) بفرضه على دمشق وعلى قوى المقاومة الوطنية، أثناء وبعد غزو الجيش الصهيوني لبنان في عام 1982 . واليوم، بعد أربعين عاماً ونيف، تريد بريطانيا تحويل فشل «إسرائيل» في عزل لبنان عن سوريا إلى انتصار لـ«إسرائيل» يحقق مرادها القديم. وهي تقوم بذلك خلسة، حيث يدّعي البريطانيون أن تدخلهم في ملف الحدود مع سوريا، قد «أحدث تحولاً كبيراً في قدرات فرق الأمن اللبنانية» .

الثاني: إقليمي، لتأمين تفوق «إسرائيل» واستقوائها على لبنان.
تستمر بريطانيا باستضعاف المقاومة الوطنية ضد الكيان الصهيوني الذي يحتل أراضي لبنان ويهدّد أمنه  ويستبيح سيادته . وقبل أشهر قليلة، قررت بريطانيا أن حزب الله، وهو طليعة قوى المقاومة الوطنية، منظمة إرهابية  وأنذرت سفارتها في بيروت، منظمات «متعاونة» معها، بضرورة تنفيذ هذه القرار . وبعد انتخابات 2018 التي أتت ببرلمان لبناني ليس للولايات المتحدة وبريطانيا الغلبة فيه، تدافعت كلتا الدولتين إلى «العمل عن قرب مع شركائنا اللبنانيين» ، لإحباط نتائج تلك الانتخابات.

جاءت الانتخابات البرلمانية في العام 2018 تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة وبريطانيا، فتدافعتا إلى «العمل عن قرب مع شركائنا اللبنانيين» لإحباط نتائجها
وبالفعل، فبعد اندلاع «الحراك الشعبي الوطني» يوم 19 تشرين الأول 2019، ضغطت لندن وغيرها من العواصم الإمبريالية نحو إجهاض هذا «الحراك» الجذري. ودعمت حراكاً طائفياً ـ مذهبياً بدلاً منه، كانت تسيطر عليه قوى اليمين اللبناني القديم والجديد . وقد ساهمت بريطانيا في تشجيع هذه القوى الرجعية على التلاعب السياسي والطائفي ـ المذهبي بالأزمات الاجتماعية، كما على الاستثمار السياسي في مآسي الانهيار الاقتصادي والمالي الذي نجم عن أزمة النظام اللبناني. لكي تلقي على كاهل المقاومة الوطنية، لا سيما حزب الله، مسؤولية الانهيار وتبعاته.

ويكشف إصرار بريطانيا على إرغام لبنان على تنفيذ «برنامج صندوق النقد الدولي»، وحصره في دائرة النفوذ الغربي، بعيداً عن التوجه شرقاً لمعالجة أزمته، عن قرار بريطاني استراتيجي يقضي بإنهاك البيئة الاجتماعية ـ السياسية للمقاومة . ومن المؤكد أن هذا الاستضعاف البريطاني للمقاومة يؤدي إلى تحقيق الهدف «الإسرائيلي» ذاته. فأجهزة الكيان الصهيوني، لا تكفّ عن التخطيط والعمل لعزل قوى المقاومة الوطنية وتهديد حواضنها الاجتماعية ـ السياسية .

الثالث: محلي، بانتحال السفارة البريطانية دور «الحزب السياسي» في لبنان.
تنتحل السفارة البريطانية في بيروت، بعض صفات «الحزب السياسي» الوطني، لا سيما «مكتب المشاريع» فيها، الذي يزعم أنه «يهتم بإيجاد البيئة المناسبة للإصلاحات السياسية لتقوية عمل القضاء والأمن، وبناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة عبر المساءلة والمحاسبة لتأمين أفضل الخدمات وخلق فرص للتنمية والتطوير» . السفير رامبلينغ نفسه، شارك في هذا الانتحال. فقبل مغادرته منصبه في بيروت، حسم نتائج التحقيق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت، بأن كتب قائلاً : «لم يسبّب لبنان أزمة اللاجئين كما أنه لم يسبب أزمة كورونا، ولكن قد كانت الأزمة الاقتصادية وانفجار 4 آب (في المرفأ) من صنع محلي» . كذلك، حرّض رامبلينغ في بضع كلمات على سلاح المقاومة وتفاءل بـ«التطبيع» الجاري مع العدو الصهيوني، ودعا قوى اليمين إلى التمرد على الدستور اللبناني، الذي يشرَّع مقاومة الاحتلال الصهيوني، قال: «لم أذكر حزب الله أو التطبيع [مع «إسرائيل»] الذي يغير وجه المنطقة. البطريرك الراعي على حق حين نادى مرة أخرى بالحياد [الإقليمي]» . ثم تابع رامبلينغ محرّضاً اللبنانيين على الاقتتال فيما بينهم، ومندداً بمشاركة قوى وطنية لبنانية، في القتال على الأراضي السورية ضد مجموعات الإرهاب التكفيري. فقال: «لا يمكن لدولة تصبو فعلاً للاستقرار والأمان أن يكون لها أسلحة خارج سلطة الدولة وبخاصة حين تستخدم هذه الأسلحة خارج حدود هذه الدولة. وعدم اتخاذ موقف في هذا الخصوص هو تماماً ما يحول دون ذلك». هكذا، نفهم أن سفارة بريطانيا تشترط على اللبنانيين أن ينزعوا سلاح المقاومة الوطنية للاحتلال «الإسرائيلي»، لكي تكون لهم «دولة الاستقرار والأمان» ، أو أن يحرصوا على هذا السلاح الذي يُقلق «إسرائيل»، فلا يكون لهم «دولة الاستقرار والأمان». يكذب «الحزب البريطاني» حينما يعلن أنه «يهتم بإيجاد البيئة المناسبة للإصلاحات السياسية»  في بلدنا. «الحزب البريطاني» ينفّذ خرائط هندسية بريطانية ـ «إسرائيلية» لتخريب دولة لبنان وتدمير مجتمعه. 

* مدير موقع «الحقول»
http://www.taghribnews.com/vdcftedj0w6d11a.kiiw.html
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني