رغم الدمار.. عودة العالقين إلى قطاع غزة تتحدى مخططات التهجير
تنا
مع إعادة فتح معبر رفح بشكل محدود، تتواصل عودة فلسطينيين عالقين خارج قطاع غزة منذ أكثر من عامين، في مشهد يعكس تمسك السكان بالعودة إلى وطنهم، رغم الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب، ويضع عراقيل جديدة أمام مساعي تهجيرهم.
شارک :
وفي ساحة مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، اختلطت مشاعر الفرح بالبكاء، بينما انتظرت عائلات وصول حافلات تقل عائدين عبر المعبر، بعد رحلة طويلة من الغياب القسري.
بالعناق والدموع، التمّ شمل الفلسطينية فداء عمران مع والدها ووالدتها وأخواتها داخل المستشفى، بعد رحلة علاج طويلة خارج القطاع.
وتقول عمران في حديث صحفي إن “الخدمات الطبية كانت متوفرة في الخارج، لكن لا شيء يعوّض شعور العودة إلى الوطن والوجود بين الأهل”، مشيرة إلى أنها نسيت معاناة السفر فور وصولها إلى غزة.
فرحة وانتماء للأرض
وتؤكد أنها انتظرت هذه اللحظة طويلاً، مضيفة: “لا مكان أفضل من غزة”، وناصحة الفلسطينيين بعدم التفكير في مغادرتها.
وأعادت قوات الاحتلال فتح معبر رفح في 2 فبراير/شباط الجاري، بشكل جزئي وتحت قيود مشددة، بعد إغلاق دام منذ مايو/أيار 2024، عقب اجتياح جيش الاحتلال مدينة رفح وسيطرته على الجانب الفلسطيني من المعبر.
ومثّلت مشاهد عودة العالقين ولمّ شمل العائلات التي فرقتها الحرب مؤشراً إضافياً على تمسك الفلسطينيين بأرضهم، وإصرارهم على إفشال مخططات التهجير.
ورغم الدمار الواسع، تفيد معطيات بتسجيل نحو 80 ألف فلسطيني في الخارج أسماءهم للعودة إلى غزة، في وقت يرى فيه مراقبون أن هذا الإصرار يربك حسابات صناع القرار في إسرائيل، الذين أعلنوا مراراً نيتهم إفراغ القطاع من سكانه.
من جهتها، تصف العائدة تهاني عمران الغربة بأنها “عذاب مستمر”، مؤكدة أنها شعرت بالطمأنينة فور وصولها إلى غزة، وقالت: “وُلدنا هنا وسنموت هنا”.
وتشير عمران إلى أنها تعرضت لإجراءات قاسية أثناء عبورها المعبر، شملت التقييد وتعصيب العينين والتحقيق لساعات.
وفي ساحة المستشفى أيضاً، وقف الشاب حسام المنسي محتضناً أبناءه، واصفاً عودته بأنها “فرحة لا توصف”، بعد غياب اضطراري بسبب إصابة تعرّض لها خلال الحرب.
ويقول المنسي إن “تراب غزة يساوي الدنيا وما فيها”، مضيفاً أنه فضّل العودة قبل استكمال علاجه، لأن “الوطن، رغم القهر والدمار، يبقى المكان الوحيد الذي نشعر فيه بالانتماء”.
وتتهم مصادر حكومية في غزة سلطات الاحتلال بعدم الالتزام بالأعداد المتفق عليها لعبور المسافرين، ما يجعل عودة العالقين وفق الآلية الحالية تستغرق سنوات.
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي، لم تتجاوز نسبة التزام إسرائيل بأعداد العابرين عبر المعبر خلال الفترة من 2 إلى 15 فبراير/شباط 29%، إذ تمكن 811 مسافراً فقط من أصل نحو 2800 من العبور ذهاباً وإياباً.
وتشير تقديرات فلسطينية إلى أن أكثر من 22 ألف جريح ومريض بحاجة إلى مغادرة القطاع لتلقي العلاج، في ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية.
فشل متكرر
وقبل الحرب، كان معبر رفح يشهد حركة طبيعية لمئات المسافرين يومياً دون تدخل إسرائيلي مباشر، غير أن هذه الآلية تعطلت مع اندلاع الحرب.
وبدعم أمريكي، بدأت إسرائيل في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حرباً واسعة على قطاع غزة، استمرت نحو عامين، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 171 ألفاً، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى تدمير نحو 90% من البنية التحتية المدنية.
ورغم ذلك، يرى فلسطينيون أن العودة، حتى إلى الدمار، تبقى خياراً أقل قسوة من الغربة، ورسالة متجددة بفشل محاولات اقتلاعهم من أرضهم.