تاريخ النشر2010 16 November ساعة 10:26
رقم : 31412
التقريب بين المذاهب الإسلامية:

المثال والأصل الشيعي للتقارب

بقلم: السيد هاني فحص*
لم يؤد اعتراض علي بن ابي طالب على عثمان إلى الوقوع في شبهة الرضا بقتله وما يمس من هذا القتل بفكرة الدولة وموقعها.. وأرسل أولاده للدفاع عن عثمان محددا أولوياته وخياراته بوضوح قاطع لا لبس فيه
حجة الاسلام والمسلمين السيد هاني فحص
حجة الاسلام والمسلمين السيد هاني فحص
وكالة أنباء التقریب (تنا)
يجد السلوك الشيعي، في إيثاره للعام على الخاص، الا في حالات نادرة او قليلة لا يخلو منها تاريخ جماعة من الجماعات مهما تكن محكومة بضرورات الاتساق والاندماج، يجد هذا السلوك مثاله وصورته وأصله، في مركب يمتد من سلوك علي(ع) مع الخلفاء الراشدين، حيث تحول الى عضد وناصح ومستشار ومشير.

ونظر علي (ع) لموقفه وأصله بقوله المعروف "لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور الا عليّ خاصة" وبلوره في أقصى درجات الخلاف وجذريته مع معاوية عندما أبدى استعداده للتعاون معه اذا ما صح ان جيش الروم يهاجم اطراف الشام.. وعمم هذه الصورة عندما اعتمد الموقع الدفاعي امام الامويين عموما والخوارج، بعدما كان قد شارك هجوميا في حرب الردة، معترضا اعتراضا شديدا على الالتباس الكبير الذي حصل أثناءها مع مالك بن نويرة وقومه، متفقا في موقفه ذاك مع موقف عمر بن الخطاب كما هو معروف، واستكمل الصورة في تلوينها المسؤول عندما قال في أخرياته: "لا تقاتلوا الخوارج من بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه.." 

وكان في كل ذلك يصدر عن نظرة الى السلطة لا تتعدى بها وظيفة العدل وتنأى بها عن شبهات الامتياز "إن إمارتكم عندي أهون عليّ من هذا النعل الا ان اقيم حقا وأزهق باطلا.." مع ايمانه العميق بالسلطة أو الدولة كضرورة من ضرورات الاجتماع والنظم والأمن، رادا على الخوارج في قولهم "لا حكم الا لله"، متبصرا بما في هذا الشعار من فوضوية مدمرة، قائلا "كلمة حق يراد بها باطل... لا بد للناس من أمير، بر أو فاجر". ومن عدله وعدالته انطلق ليؤكد أن وجود الدولة عدل بذاته وأن عدلها مشروع يستحق العمل والاعتراض والاحتجاج اذا ما جافته كثيرا أو بمستوى نوعي، وأن إسقاط الدولة، او إسقاط فكرتها من عقول المسلمين، هو جور مطلق. 

ومن هنا لم يؤد اعتراضه على عثمان إلى الوقوع في شبهة الرضا بقتله وما يمس من هذا القتل بفكرة الدولة وموقعها.. وأرسل أولاده للدفاع عن عثمان محددا أولوياته وخياراته بوضوح قاطع لا لبس فيه.. وهذا ما تحول في تاريخ
الأئمة، والشيعة بمقدار وعيهم لنهج الأئمة، إلى سلوك لم تحرم منه الدول الاسلامية من قبل الشيعة وأئمتهم، حتى تلك التي زادت من منسوب جورها عليهم. 

وعندما أصبح خطر التجزئة والاقتتال الواسع محدقا بالأمة، مهددا لعقدها بالانفراط ولدمها بالهدر أمام عنت الكسروية الأموية، التي من شأنها ان تتعب الأمة ولكنها لا تلغيها ولا تمنع استمراريتها أو انتفاضتها في اللحظة المناسبة، صالح الإمام الحسن (ع) معاوية، حفظا لدم الأمة ودينها، إلى أن بلغت مؤشرات الجور والانحراف بعد معاوية، من الوضوح والدلالة على متحول سلبي ونوعي وخطير، درجة عظمى، فناب الإمام الحسين (ع) عن الأمة في الرفض والاحتجاج والشهادة، على الجور الذي كان بإمكانه أن يتفهمه ويدعه يمر لو أنه بقي في حدود نسبية، أما وقد أصبح تهديدا للجذور والأصول في العقيدة والحياة، ومجاهرة باعتماد الجهل بديلا للعلم والمعرفة والحق وقول يزيد لمهنئيه، أيها الناس على رسلكم، ما كنت لأشتغل بطلب علم أو أعتذر عن جهل... وقد قابلهم بعد ثلاثة أيام من امتناعه عليهم وخرج اليهم أشعث أغر من السكر والسهر ... قتل يزيد الحسين، واستباح المدينة وقتل فيها مئتين من الصحابة أنصارا ومهاجرين، وعشرات من أهل البيت وآلافا من الناس.

وقال المؤرخون "وولدت في المدينة ألف امرأة لا يُعرف من أولدهن" وأخذت البيعة من الباقين على يد مسرف بن عقبة (لكثرة ما أسرف في الدم) على أنهم عبيد ليزيد!! وأكمل الجيش اليزيدي طريقه إلى مكة بقيادة الحصين بن نمير الذي كان أحد القادة الذين خانوا الحسين (ع) بعدما دعوه وشارك بفعالية في قتله.. وفي مكة هدم الكعبة وأحرقها، وكان عبد الملك بن مروان شاهدا فقال: "لبطن الأرض أفضل من ظهرها". وكان أول من عاود هدم الكعبة بعد يزيد هو عبد الملك... وكان يزيد مشروعا تقويضيا للثوابت في الأفكار والقيم معا.. (لم يجامله ولم يبرره ولم يتأول له إلا مجهولون لا يتعدى عددهم أصابع اليد الواحدة، والاقلاع عن ذكرهم أكرم لنا.. معذرة عن هذه الاشارة التي تقتضيها الأمانة العلمية فقط). 

وبعد الحسين كان علي بن الحسين(ع).. وهو الذي كان قويا في إيمانه، لم تزده الفاجعة التي شهدها بأبيه ودينه وأهل بيته إلا صلابة ورحابة.. يروي ابن شهاب الزهري عن عبد الملك بن مروان يقول "أتاني زين العابدين وقت فقده الأعوان. فقلت
أحب أن تقيم عندنا قال: وأنا لا أحب... فأمرت له ببغلتي فأسرجت وخرج عليها". والتفت عبد الملك إلى الزهري قائلا "والله لقد امتلأ ثوبي منه خيفة".. هو هو المكلوم.. الذي قتل أهل بيته مرة ثانية أمام ناظريه في المدينة بعد كربلاء.. يبلغ نبأ وفاته إلى عمر بن عبد العزيز فيقول عمر: مات سراج الدين.. وهو.. هو يدعو ويجتهد في الدعاء لأهل الثغور، أي الجيش الأموي المنتشر على ثغور الأمة. 

لأن حفظ الأمة في دين علي بن الحسين فوق كل غاية... وهو هو لا يبخل على عبد الملك في المشورة الناصحة عندما تكون تلبية لحاجة عامة مشروعة.. وهو هو يستقبل وفدا من أهل العراق في مدينة جده فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: ألا تخبروني أنتم المجاهدون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون؟ قالوا: لا.. قال: فأنتم الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟ قالوا: لا. قال: أما أنتم فقد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: "والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا« اخرجوا عني، فعل الله بك". 

إلى الإمام محمد الباقر الذي لم يكلفه أحد التدخل (عام ۷۶ ه) بالإشارة إلى عبد الملك بن مروان بحل لمشكلة السكة النقدية التي كانت لا تزال سكة رومية. ما جعل الروم يحاولون اللعب بها وخلق مشكلة اقتصادية للدولة الاسلامية عن طريق الغش واللعب بأوزان ومعايير العملة.. إلى الإمام جعفر الصادق وجامعته العلمية في الكوفة، التي فتحت للجميع فتوافد إليها الجميع واستفاد منها الجميع من علماء المذاهب كافة، من أبي حنيفة ومالك وغيرهما، ولم يحرم من ثمراتها كبار الزنادقة والملحدين الذين استبصر بعضهم على يد الصادق وخفف البعض الآخر شروره تحت تأثير الحوار المسؤول معه ومع تلامذته الذين أدبهم وأصر على تعليمهم قواعد الحوار واحترام الآخر ورأيه، وبلغت به رؤيته للأولويات إلى حد انه رفض الالتحاق بالسلطة العباسية أو مشاركتها بدعوة من بعض مؤيديه، وأحرق رسالة أبي سلمة الخلال بهذا الخصوص، أمام رسوله على السراج، وتفرغ لصيانة عقل الأمة وعلمها وعقيدتها ووحدتها.. إلى المذهب الشيعي الزيدي، الذي حفر لمنظومته
العقيدية والفقهية حيزا مرنا بين المدارس الإسلامية المتعددة، فتحول إلى علامة من علامات اللقاء والتفاهم الذي ليس من الضروري أن يصل الى مستوى المشروع الزيدي، ولكن يمكن ان يقاربه نهجا ويتشبه به. 

وأختم ذاكرتي بالنجف الأشرف... حيث انفتقت مواهب المؤسسين لجمعية منتدى النشر وكلية الفقه عن سلوك علمي متقدم على طريق التقريب، فقد ألح المؤسس الكبير وخليفته الموقر الشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد تقي الحكيم على فتح أبواب الكلية وعقول طلابها لأساتذة من جامعة بغداد ومن كل المذاهب الدينية والفكرية، جاؤوا إلى النجف وشهدوا لها وشهدت لهم.. وما عتم السيد الحكيم أن أضاف إلى هذه اللوحة التقريبية لونا مصريا عندما اتفق مع الدكتور عبد الله درويش والدكتور حسين نصار على التدريس في الكلية، وهما من كبار علماء مصر، تعلمنا على يديهما وأحببناهما وأحبانا وأصبحنا رسل خير لهما وكانا خير رسل للنجف في مصر، التي شهدت نموا في العلاقات العلمية مع النجف الأشرف، بعدما اختار مجمع اللغة العربية في مصر السيد الحكيم عضوا فيه، فانتقلت العلاقة إلى مصافها العلمي الراقي وكان للمرحوم الشيخ احمد حسن الباخوري دور كبير في رعاية هذا التواصل الذي أثمر مودة وتعارفا وتثاقفا ومزيدا من الاضاءة لأعماق الوحدة والتشغيل للنوابض الوحدية. 

وأختم بالقول بأن محبة أهل بيت النبي(ع) هذا المشترك العظيم والخصب بين المسلمين، علاوة على المشتركات الأخرى الثابتة والنامية باستمرار، هذه المحبة نشأتها شأن العلم الإسلامي، إذا احتكرها البعض أتخموا واختلفوا واحتربوا.. وإذا عافها البعض أو قلل من احتفاله بها، نتيجة الاحتكار، فانه يحرم نفسه مما فيها من غنى في غذاء الروح، ومن مضادات حيوية لجراثيم العصبية والتفرقة... وهي كالعلم تزكو على الإنفاق، وهي إحدى الواحات التي نستريح فيها ونطل منها بالوجدان والمعرفة على الآخر فينا ومنا بحثا عن ذواتنا.. على أساس أن من يلغي الآخر في ذاته أو بقتله جهلا أو تجاهلا، فانما يقتل جزءا من ذاته وشرطا من شروطها، والآخر، هو عنقود من الآخرين، هو الآخر الوطني والديني والسياسي والقومي والانساني، الذي يمكن أن يتعدد من دون ان يتنابذ، ويمكن أن يختلف ويتجاور ويصل... ثم يختلف ويتحاور وهكذا دواليك.. ونصل معا إلى محطات جديدة.. ونمضي معا نكتشف أصقاعا جديدة في المعرفة والحياة.. ومن يتوهم أنه يصل وحده.. فليستمر على وهمه وجموده وسكونه. 

* من كتاب "مؤتمر الوسطية في الإسلام"
http://www.taghribnews.com/vdcci0q1.2bqss8aca2.html
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني