القدس مفتاح السلام.. والحرب كذلك
تنا-بيروت
شكّلت الأحداث الأخيرة في المسجد الأقصى وفي محيطه، دليلاً جديداً على أن قضية القدس والمسجد الأقصى لا تزال حيّة في نفوس وعزائم أهل القدس وفلسطين، برغم المحاولات المستميتة من قِبل «إسرائيل» والولايات المتحدة لتصفية هذه القضية، وترسيخ القدس عاصمة أبدية للكيان الإسرائيلي، من خلال استغلال أو استثمار ما يجري في المنطقة منذ سنوات، من نزاعات وحروب أهلكت الحرث والنسل، ودفعت بالقضية المركزية للعرب والمسلمين إلى أدنى سلّم اهتمامات شعوب هذه المنطقة.
تاریخ النشر : الأربعاء ۱۳ سبتمبر ۲۰۱۷ الساعة ۱۱:۰۳
كود الموضوع: 283520
 
كتاب "القدس مفتاح السلام"، يضمّ مجموعة دراسات عن القدس، من تأليف وليد الخالدي، كبير المؤرّخين الفلسطينيين والمفكّر المقدسي الاستراتيجي الذي أمضى عمره في الكتابة والبحث في شؤون القضية الفلسطينية والقدس الشريف و«إسرائيل» والصهيونية.أعدّ الخالدي هذه الدراسات في مناسبات عديدة وخلال سنوات مديدة، بدءاً من سنة 1967، عندما كان مستشاراً للوفد العراقي برئاسة وزير الخارجية عدنان الباجه جي إلى الدورة الاستثنائية الطارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة (14/7/1967). وقد طلب منه الباجه جي أن يلقي خطاباً يردّ فيه على ممثّل «إسرائيل»، وزير خارجيتها آنذاك أبا إيبن، ويفنّد ادعاءاته أمام الجمعية العامة. وكان عنوان الخطاب الذي ألقاه المؤلّف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هو (إسرائيل تبتلع القدس والضفة والقطاع).

لكن، قبل عرض الخطاب، يورد المؤلّف المقدّمة التي كتبها عندما نُشر نصّ هذا الخطاب في الذكرى الخامسة والأربعين له في مجلة الدراسات الفلسطينية (بالانكليزية)، في خريف العام 2012.في هذه الخلفية يكشف الخالدي السياسة المخادعة التي اتبعتها «إسرائيل» للتملص من قرارات مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي طالبتها بالانسحاب غير المشروط من الأراضي التي احتلّتها في حزيران يونيو 1967، وذلك بطرح «إسرائيل» لما سمّي مفاوضات سلام تتجاوز وقف إطلاق النار وتثبيت الهدنة بينها وبين الدول العربية؛ وقد تمّ لها ذلك بسبب الدعم الأميركي للأفكار التي روّج لها وزير الخارجية الإسرائيلي أبا إيبن في واشنطن، والتي سوّقها سفير الولايات المتحدة الصهيوني لدى الأمم المتحدة أرثر غولد بيرغ.أما بخصوص القدس، التي ضمّتها «إسرائيل» إليها مباشرة بعد احتلالها، فإنه برغم الرفض الشامل (أو العداء) داخل الجمعية العامة للقرار الإسرائيلي، فقد واصلت «إسرائيل» إجراءاتها التهويدية للقدس، في ظلّ ادّعاء أبا إيبن آنذاك أن هذه الإجراءات ليست ضماً للقدس، وإنما هي إجراءات إدارية تُعنى حصراً بالضرورات الملحّة لإصلاح الخراب والاختلالات الناجمة عن تقسيم المدينة!.

أما نصّ خطاب المؤرّخ وليد الخالدي، فيمكن إيجاز أبرز نقاطه بالآتي:

1 - إذا كانت الأمم المتحدة أمّاً لأحد، فإنها أمٌ لـ«إسرائيل». ولولا الأمم المتحدة، فإن «إسرائيل» ما كانت لتكون موجودة اليوم.
2 - إن جوهر المسألة هو أن «إسرائيل» ترفض الامتثال لقرار الجمعية العامة، وتتحدّى رغبة المجتمع الدولي؛ ولا يمكن لأيّ كلام معسول أو محاججة ذكية (من قِبل وزير خارجية «إسرائيل» أبا إيبن وممثّل «إسرائيل» لدى الأمم المتحدة) إخفاء الحقائق التاريخية أو تشويهها.
3 - من أبشع تلفيقات «إسرائيل» الادّعاء أن الحكومات العربية، والأردن بصورة خاصة، قد رفضت ضمان حريّة الوصول إلى الأماكن المقدّسة؛ مع العلم بأنه، واستجابة لنداء من لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة والخاصة بفلسطين، ألزمت حكومات مصر، والأردن، وسوريا، نفسها بالإعلان المشهور، والذي نشِر آنذاك، بمسألة ضمان حريّة الوصول إلى الأماكن المقدّسة، بكلّ مندرجاتها.
4 - «إسرائيل» هي التي رفضت أن تصدر إعلاناً بشأن الأماكن المقدّسة، شبيهاً بالإعلان الصادر عن الحكومات العربية.
5 - الادّعاء الإسرائيلي أنه كان هناك تدنيس عربي للأماكن المقدّسة العبرية/ اليهودية؛ مع العلم، والتاريخ يشهد، أن الوضع الديني في القدس كان في عهدة وصاية إسلامية نزيهة، لأكثر من ألف عام.
6 - لم يكن هناك مشكلة، قط، في إمكان الوصول إلى الأماكن المقدّسة الواقعة تحت الحكم الأردني. فقد كان الوصول إليها متاحاً تماماً للمسيحيين من جميع الطوائف، بمن في ذلك المسيحيون من «إسرائيل».
7 - من الواضح وضوح الشمس لماذا ترغب «إسرائيل» في القدس الأردنية.

إنها المفتاح الاستراتيجي للضفة الغربية، كما أنها العازل للنصف الجنوبي من الضفة الغربية المحيط بمدينة الخليل عن النصف الشمالي المحيط بمدينة نابلس.


(الإسلام والغرب والقدس)، هو عنوان لمحاضرة ألقاها الخالدي (بالانكليزية) في مؤتمر عن القدس عقِد في جامعة جورج تاون في واشنطن، في نيسان/ أبريل 1996.في هذه المحاضرة يؤكّد الخالدي أن مسار «السلام» الذي بدأ في أوسلو لم يحسّن وضع القدس. وإذا كان ثمّة، في ظلّ حكومة حزب العمل، ضوء خافت في نهاية النفق بالنسبة إلى مستقبل القدس، فإن ذلك الضوء قد أُطفئ (اليوم) مع وصول حزب الليكود إلى السلطة.

والخطر الذي يحدّق في وجهنا - يقول الخالدي -  يكمن في الذكريات على مختلف مستويات الوعي على الجانبين: العربي/ المسلم واليهودي/ الغربي، بشأن قضية القدس، والتي تغذّي ما يسمّى (صدام الحضارات)، حيث ينطلق أصحاب هذا المذهب من أن الإسلام يقع خارج التراث اليهودي - المسيحي؛ وهذا هراء، لأن منطلق الإسلام الرئيسي هو أنه مكمّل، بل هو ذروة للتراث اليهودي المسيحي من الكتب المقدّسة..

ونظراً إلى إدراك الإسلام للقرابة الحميمة مع اليهودية والمسيحية، فإن الكثير ممّا هو مقدّس لدى اليهودية والمسيحية هو مقدّس لدى الإسلام أبضاً. والكثير من ذلك يتمركز في القدس. وفضلاً عن ذلك، فالقدس مقدّسة لأسباب إسلامية صرفة. وبناء عليه، فالقدس بالنسبة إلى الإسلام مقدّسة ثلاثاً، كما يفصل المؤرخ الخالدي تباعاً (القدس قبلة الصلاة لدى المسلمين الأوائل/ مسرى الرسول(ص) ومعراجه منها إلى السماء/ القدس هي موقع يوم الحشر ويوم الدين عندما يظهر المسيح الدجّال ويُهزم..).

ويتابع في موضع آخر: في سنة 638م، فتح العرب المسلمون، بمساعدة العرب المسيحيين المحليين، القدس. وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، ما خلا الفترة الصليبية الفاصلة، ظلّت القدس تحت الحكم الإسلامي المستمر، أي لمدّة تقارب أحد عشر قرناً..وإن الشهامة والنبل اللذين أبداهما الفاتحون المسلمون (للقدس)، وهم في أوج قوّتهم العسكرية والسياسية تجاه «الآخر» - سكان المدينة من غير المسلمين - يتعاكسان مع سلوك فاتحي المدينة الآخرين، من قبل ومن بعد.

حول قرار التقسيم الأممي، الذي صدر في العام 1947، بتقسيم فلسطين إلى دولتين: فلسطينية ويهودية، وإيجاد نظام خاص بالقدس، في جزء منفصل تحت وصاية الأمم المتحدة، يذكّر الخالدي بأن مدينة القدس لا تقع في أيّ من الدولتين المتصوّرتين؛ ومن هنا «الجزء المفصل»..وعليه، فإن السيطرة اليهودية الراهنة على القدس الغربية وما يُسمّى «الممرّ» الذي يصلها بالساحل، تحققت عبر الاحتلال العسكري خرقاً لقرار التقسيم الذي ولّد الدولة اليهودية نفسها. وهذا هو السبب في أن المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة، لم يعترف قط إلى الآن، بصورة واضحة، بالسيادة الإسرائيلية حتى على القدس الغربية.

وبرغم أن احتمالات حلّ سلمي مشرّف في القدس، في ظلّ الواقع القائم، لا سيّما أن الليكود في السلطة، هي صفر، فإن الخالدي يقدّم مبادئ لما سمّاه (مصالحة تاريخية)، وهي:1 - لا احتكار للسيادة في شطري المدينة كليهما من جانب طرف واحد.2 - لا أرستقراطية بين الأديان الثلاثة تمنح أحدها وضعاً مميّزاً على حساب الدينين الآخرين.3 - لا علاقة غالب ومغلوب، سالب ومسلوب، قالع ومقتلع، في العلاقات بين سكان القدس.4 - الاعتراف المتساوي بالبعدين، الديني والسياسي على السواء، للقدس بالنسبة إلى الأطراف كافة.ومن ثمّ يقدّم الخالدي اقتراحاً تنفيذياً للمبادئ المذكورة، أساسه أن تكون القدس الشرقية عاصمة لفلسطين، ببلديتها الخاصة في الحدود البلدية الموسّعة لسنة 1967؛ وتكون القدس عاصمة «إسرائيل».

(تتميّز قضية القدس عن سائر قضايا الصراع العربي - الصهيوني بخصائص فريدة)؛ هكذا يعنون المؤلّف خطاباً ألقاه في مؤتمر «القدس الآن: المدينة والناس»، الذي نظّمه اتحاد المهندسين العرب في قاعة المحاضرات في قصر اليونسكو في بيروت، ونشِر في صحيفة «الحياة» - بعنوان "القدس مفتاح السلام"، في 10 و11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999.يكشف المؤلّف في هذا الخطاب أنه عشيّة قرار التقسيم الصادر عام 1947 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، بلغ عدد سكان القدس داخل حدود البلدية 151،000 نسمة، 60٪ منهم من اليهود، و40٪ من العرب مسيحيين ومسلمين؛ بيد أن الأكثرية الظاهرة اليهودية لا تعطي صورة صادقة للوضع الديموغرافي على الطبيعة، إذ إن حكومة الانتداب البريطانية، التي كانت ترعى تدفق المهاجرين اليهود إلى فلسطين، كانت رسمت حدوداً لبلدية القدس أدخلت ضمنها العديد من المستعمرات اليهودية المستحدثة خارج أسوار المدينة القديمة، مهما بعدت، واستثنت منها العديد من القرى العربية القائمة، مهما اقتربت، حتى التي تحت أسوار المدينة القديمة ذاتها..وهنا يفنّد المؤلّف شائعة أن اليهود، خلافاً للعرب، وافقوا على قرار التقسيم. والواقع أن القيادة الصهيونية اليسارية وافقت على قرار التقسيم على طريقتها، بينما رفضته المعارضة الصهيونية اليمينية رفضاً قاطعاً؛ كما رفضت استثناء كيان القدس الخاص من الدولة اليهودية رفضاً قاطعاً.

وقد تمّت الموافقة الصهيونية الرسمية على التقسيم لأسباب تكتيكية، لضمان إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة للتقسيم، لما فيه من مكاسب خيالية لم تكن تلك القيادة الصهيونية لتحلم بها من قبل؛ بيد أن موقفها الفعلي كان اعتبار حدود الدولة اليهودية المزمعة الحدّ الأدنى والمنطلق لإضافة أقصى ما تستطيع القوّة العسكرية اليهودية إضافته إليها من الأراضي الفلسطينية، وعلى رأسها القدس ومحيطها الريفي؛ أي الكيان الخاص.ويضيف الخالدي، في موضع آخر: يكاد ما حدث للقدس الغربية عام 1948 يتضاءل ويهون، مقارنة بما حدث للقدس الشرقية في أعقاب حرب حزيران/ يونيو 1967.

إنما ثمّة وجه شبه أساسي بين الوضعين: فكما دخلت «إسرائيل» القدس الغربية بقوّة السلاح انتهاكاً للقانون الدولي عام 1948، دخلت «إسرائيل» القدس الشرقية بقوّة السلاح انتهاكاً للقانون الدولي عام 1967.
ويكذّب المؤلّف حجّتي «إسرائيل» لتبرير احتلالها للقدس الشرقية وتدابيرها منذئذٍ: الأولى أن الأردن منع الوصول إلى حائط المبكى الواقع داخل البلدة القديمة، في الفترة ما بين هدنة 1949 وحرب 1967، وذلك بدافع روح «التعصب» الإسلامي؛ والأخرى أن الأردن أطلق الطلقات الأولى في القدس في حرب 1967، فهو البادئ؛ بينما كانت «إسرائيل»، كما تدّعي، في موقع الدفاع عن النفس، كما ادّعت في العام 1948.

في الجزء الأخير من خطابه حول القدس، والذي ألقاه في بيروت، في العام 1999، يتوقف المؤلّف عند طريقة تعامل إدارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون مع وضع القدس المعقّد. والمعروف عن كلينتون أنه يؤيّد بقوّة مبدأ القدس «الموحّدة». وهو لم يمارس حقّ النقض لمشروع القانون الذي سُنّ في آخر أيام ولاية رونالد ريغن، حول استئجار واشنطن أرضاً من «إسرائيل»، تقع في حي البقعة سالفاً في القدس الغربية، لإقامة مرافق دبلوماسية أميركية عليها، بإيجار قدره دولار واحد سنوياً لمدّة 99 سنة!.والمعروف أن إدارة كلينتون «تميّزت» عن سالف الإدارات بسعيها الواضح والدقيق إلى تحييد المرجعية القانونية الدولية على المسار الفلسطيني - الإسرائيلي.

لكن، وبرغم محاولات الإدارة الأميركية لتعطيل قرارات هيئة الأمم، ومرجعية اتفاقات جنيف، وتبنّيها لمبدأ القدس غير المجزّأة، فإن لهذه الإدارة - برأي الخالدي - مصالحها وحساباتها الحيوية المنتشرة في الوطن العربي وديار الإسلام والعالم قاطبة؛ وهي لا تستطيع تجاهل ردود الفعل الدولية تجاهلاً جليّاً.
يقول الخالدي: "من الخير للسلطة الفلسطينية أن تدرك أن مصير القدس يعلو على نطاق قرار فلسطيني مستقل، ويتعدّى ثنائية فلسطينية - إسرائيلية. ولهو أكبر، وأضخم، وأخطر، وأدهى من أن يعالجه طرف عربي لوحده؛ وأن عدم الوصول إلى حلّ في ظلّ هذا المناخ وهذه الموازين لهو خير من الوصول إلى حلّ". 

مشروع براك - كلينتون للقدس

(لهذه الأسباب رُفض مشروع براك - كلينتون للقدس - آب/ أغسطس 2000).

 
هكذا عنون الباحث وليد الخالدي مقالاً له نشِر في صحيفة «الحياة»، في 21 آب/ أغسطس 2000، رداً على فشل قمّة كمب ديفيد، التي جمعت ياسر عرفات برئيس الحكومة الإسرائيلية أنذاك إيهودا براك والرئيس الأميركي بيل كلينتون، بهدف إنقاذ عملية التسوية.
 
يقول الخالدي: " خيراً فعل أبو عمّار برفضه مشروع براك - كلينتون حول القدس .. فالقدس، سرّة الدنيا، أكبر من أيّ زعيم عربي، وهي تعلو على الثنائية الفلسطينية - الإسرائيلية؛ كما أنها تعلو على أيّة روزنامة سياسية لأيّ زعيم إسرائيلي كان، أم أميركي، مهما عظم قدره.

هذا مع الإقرار بأن مشروع براك - كلينتون كان قد تضمّن طرفاً إيجابياً، من حيث إنه احتوى، للمرّة الأولى منذ 1967، على إقرار رسمي إسرائيلي بجزء من بعض الحقوق العربية والإسلامية في القسم الشرقي (وليس الغربي) من المدينة؛ بيد أن هذا الإقرار جاء دون الحدّ الأدنى المقبول بدرجات ودرجات؛ كما اقترن بتنازلات وشروط خطيرة مطلوبة بالمقابل، ومضمونها انتقاص مريع في السيادة الفلسطينية على القدس الشرقية، في مقابل سيادة إسرائيلية مطلقة على القدس الغربية وما يسمّى الحدود البلدية الموسّعة للقدس!

(القدس: من العهدة العمرية إلى قمة كمب ديفيد الثانية سنة 2000)، هو عنوان لدراسة أعدّها المؤلّف بالعربية، واستخدم مقاطع منها في محاضرات ألقاها في المغرب (فاس) وعمّان ودمشق.يبدأ الخالدي دراسته بالتأكيد على أن أيّ تفاوض مستقبلاً حول وضع القدس ومصيرها، لا بدّ من أن ينطلق، بعد الآن، من حيث انتهت محادثات كمب ديفيد (عام 2000)، وذلك لسببين اثنين:

أولاً، لأول مرّة منذ أن تبنّت واشنطن مشروع التقسيم سنة 1947، الذي تضمّن حلاً تفصيلياً لقضية القدس على أساس كيان منفصل خاضع لوصاية دولية، تكشف واشنطن القناع، على مستوى رئيسها، عن تصوّر تفصيلي، جديد، بديل لما ترتئيه حلاً عادلاً لقضية القدس.

ثانياً، لأول مرّة منذ احتلالها للقدس الشرقية سنة 1967، تخرج «إسرائيل»، على مستوى رئيس الحكومة، وبحضور الرئيس الأميركي، عن عموميات شعاراتها عن القدس لتكشف القناع عن تصوّر تفصيلي لما تراه أقصى ما يمكن أن ترتضيه حلاً عادلاً لقضية القدس.


وفي الصفحات التالية من دراسته، يعود المؤلّف، ولو بشكل موجز، إلى التاريخ الإسلامي الناصع بما خصّ القدس تحديداً، منذ أن استلم الخليفة عمر بن الخطاب المدينة من البيزنطيين سنة 637 للميلاد، والذي أرسى لمن خلفه قواعد التعامل مع المسيحيين في القدس وسائر الأمصار.. واقتفى صلاح الدين، والفاتح سليم العثماني، أثر عمر في المحافظة على هذه القواعد.ويلفت الباحث إلى أنه لم يكن هناك من خلاف طيلة العهود الإسلامية بشأن الأماكن المقدّسة في القدس، سواء مع المسيحيين أو مع اليهود، خاصة قبل الانتداب البريطاني.

فالذي طرد اليهود من القدس هو الرومان، ثم البيزنطيون؛ وقد حوّل البيزنطيون موقع هيكل سليمان المزعوم إلى مزبلة لقاذوراتهم. والذي أعاد اليهود إلى القدس هو الفتح العمري؛ والذي ذبح اليهود (والمسلمين) في القدس حتى وصلت الدماء إلى ركب الخيل هم الصليبيون الإفرنج.
والذي أعاد اليهود ثانية إلى القدس هو صلاح الدين؛ والذي رعاهم طوال العهود التالية وأذن لهم في زيارة حائط البراق، الذي يعتبرونه حائط المبكى، هو الإسلام.

لقد تمزّقت وحدة القدس خلال الانتداب البريطاني بتمزق وحدة البلاد بسب الصهيونية. وتجزّأت القدس ميدانياً وديموغرافياً إلى شطرين: أحدهما عربي (مسلم ومسيحي)، والآخر يهودي..وطوال السنوات 1949 - 1967، سارعت «إسرائيل» إلى نقل الأملاك العربية في القدس الغربية إلى أفراد وهيئات إسرائيلية، وأعلنت القدس الغربية عاصمة لها، وبنت على الأملاك المغتصبة أهم مؤسساتها الرسمية، ضاربة عرض الحائط بكلّ اتفاق أو قانون دولي؛ وهو ما يدفع معظم دول العالم إلى عدم الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على القدس الغربية إلى يومنا هذا.ومنذ سنة 1967 (بعد انتصارها في الحرب)، أدرجت «إسرائيل» جميع أعمالها في القدس الشرقية تحت شعار «توحيد» أو «إعادة توحيد» القدس.

وجعلت من هذا الشعار أيقونة مقدّسة، منزّهة عن كلّ تشكيك، أو طعن، فأصبح درعها وذريعتها في دبلوماسيتها العالمية..
وتحت هذا الشعار احتفل ما يسمّى (المؤتمر الصهيوني)، سنة 1992، بمرور 25 عاماً على تحرير القدس. كما احتفل سنة 1995 بمرور 3000 عام على تأسيس مدينة داود (عليه السلام)؛ علماً بأن مدينة داود وسليمان (عليهما السلام)، لم يتعدّ حجمها، في أزهى عصورها، كيلومتراً واحداً، قياساً بـ665 كيلومتراً مربعاً من أراضي الضفة الغربية التي أدخلتها «إسرائيل» ضمن حدود حاضرة القدس (Meropolitan) الموحّدة.

لكن لم تنطلِ حملة «إسرائيل» على المجتمع الدولي، حيث صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، ومجلس الوصاية، واليونسكو، ومنظمة العمل الدولية، ولجنة حقوق الإنسان، ما ينوف على المئة قرار بشأن القدس، جميعها يشجب تدابير «إسرائيل» في القدس على أنواعها، منذ سنة 1967، ويستنكرها، ويطالب بإلغائها، أو يعتبرها لاغية، أو غير شرعية، أو مخالفة لقرارات الأمم المتحدة ذاتها، أو للقانون الدولي، أو لاتفاق لاهاي، أو للبند الرابع من اتفاقية جنيف.

وكانت هذه القرارات جميعاً تُقرّ بأكثرية ساحقة.
في المقابل، كانت «إسرائيل»، مستندة إلى غطاء أميركي سياسي لممارساتها وإجراءاتها، ترفض دائماً القرارات الأممية بشأن القدس، برغم الشجب الكلامي للإدارات التي سبقت إدارة بيل كلينتون لأيّة تغييرات إسرائيلية في القدس الشرقية. وجاء يوم النصر لمنظمة «أيباك» الأميركية - الصهيونية، في تشرين الأول/ أكتوبر 1995، عندما أقرّ الكونغرس القانون العام رقم 104 - 45، الذي يقضي بنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، الموحّدة، غير المجزّأة، بتاريخ أقصاه 31 أيار/ مايو 1990.من هنا، فقد شكّلت صيغة براك - كلينتون للقدس، التي طُرحت في كمب ديفيد، في العام 2000، «بعجة» في الحائط الإسرائيلي الفولاذي المضروب حول القدس. وهذا جيّد، ومستحسن، ضمن حدوده الضيّقة؛ لكن «البعجة» تبقى «بعجة» لا أكثر ولا أقل.

فكلينتون اعتبر الصيغة المذكورة قمّة التنازل والسخاء والتضحية الإسرائيلية، وسقف ما يمكن أن تطلبه واشنطن من تل أبيب!.
ولعلّ وجه الخطورة الأكبر بالنسبة إلى مستقبل القدس، في هذا الموقف الأميركي، أنه ينطوي على تخلٍ شبه كلّي عن سابق تعهدات إدارة كلينتون، ونكث لسالف عهودها وتطميناتها.  
 
مسألة القدس أفشلت مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 بين ياسر عرفات وإيهود باراك برعاية كلينتون
(موقع السفارة الأميركية في القدس: وقف إسلامي مصادر)؛ هو عنوان دراسة للمؤلّف وليد الخالدي، نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية بالإنكليزية في كرّاس صدر عن مكتبها في واشنطن، في العام 2000.

في هذه الدراسة يكشف الخالدي عن قيام جماعة من الفلسطينيين بجمع الأدلّة التي تثبت الملكية الفلسطينية للموقع المفترض للسفارة الأميركية في القدس، والذي تبلغ مساحته 31٫250م2. وقد استغرق البحث المذكور أعوام، وهو توصّل إلى أدلّة تثبت أن 70٪ على الأقل، من مساحة هذا الموقع، هي أملاك خاصة للاجئين، ويبلغ نصيب الأوقاف الإسلامية فيها أكثر من ثلثها. وفي 15 أيار/ مايو 1948، وهو آخر أيام الانتداب، كان يملك هذا الموقع 76 فلسطينياً.

وفي 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1999، وجّهت اللجنة الأميركية من أجل القدس (ACJ) رسالة إلى وزيرة الخارجية الأميركية، مادلين أولبرايت، ضمّنتها خلاصة نتائج البحث، وطلبت عقد اجتماع لعرض هذه النتائج ومناقشتها مع وزارة الخارجية. ولم يصل ردّ وزارة الخارجية على هذه الرسالة قبل 28 كانون الأول/ ديسمبر. وجاء فيه أن على جماعة البحث أن ترسل كلّ ما لديها من معلومات إلى وزارة الخارجية ليتم «حفظها في الملفات».

وبناءً على خطورة قضية السفارة وانعكاساتها على عملية «السلام» وعلى صدقية الولايات المتحدة، ونتيجة المراسلة مع وزارة الخارجية، شعرت اللجنة الأميركية من أجل القدس بأن البديل الوحيد أمامها هو النشر العلني.وبعدما يفنّد الباحث مزاعم «إسرائيل» حول المساحة التي كان اليهود يملكونها في القدس أيام الانتداب البريطاني، وعمليات القضم والتوسيع للحدود البلدية للمدينة، وكذلك الحدود التي قضمت 330 كيلومتراً مربعاً من الضفة الغربية؛ وصولاً إلى ما يسمّى القدس المتروبوليتانية، والتي شملت 665 كيلومتراً مربعاً وبعد ضغوط صهيونية متواصلة على الإدارة الأميركية، جرى توقيع اتفاق بين «إسرائيل» والولايات المتحدة، بتاريخ 18 كانون الثاني/يناير 1989، تمّ بموجبه تأجير قطعة أرض في القدس الغربية إلى حكومة الولايات المتحدة.

وقد أشار الاتفاق إلى «عقار القدس» فقط. لكن التقارير سرعان ما أشارت إلى أن هذه الأرض تقع في الموضع الذي كان يُعرف بثكنة اللنبي، أي موقع الحامية العسكرية البريطانية للقدس في عهد الانتداب.
وكان خلاف قد حصل بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» حول الهدف المعلن لـ«المنشأة الدبلوماسية» في القدس، كون الولايات المتحدة رغبت في أن يبقى الهدف مبهماً، في حين طالبت «إسرائيل» بتعهد صريح «بأن هذا المشروع سيكون سفارة».

ومعلوم أنه منذ إبرام اتفاقية الإيجار عام 1989، ومع إصرار التقارير على تحديد موقع العقار في ثكنة اللنبي، أخذت الدوائر الفلسطينية تسأل عن قانونية هذا الإيجار، على أساس أن موقع السفارة المرتقبة هو ملكٌ اللاجئين الفلسطينيين صادرته سلطات الاحتلال الإسرائيلي، شأنه في ذلك شأن غيره من أملاك اللاجئين، منذ سنة 1948. وقام الادّعاء، بصورة خاصة، على أن هذا الموقع جزء من وقف إسلامي.وجاء الاعتراض الرسمي الأول في 31 أيار/ مايو 1989، في رسالة وجّهها رئيس مؤسسة "عطية" العربية - الأميركية، مايكل سابا، إلى رئيس اللجنة الفرعية الخاصة بأوروبا والشرق الأوسط، لي هاملتون، يشير فيها إلى أن اتفاقية الإيجار هي اعتراف ضمني من جانب الولايات المتحدة بشرعية ملكية «إسرائيل» لهذه الأرض.

وقد عبّر، أيضاً عن قلقه من أن تشكّل هذه الاتفاقية تغيّراً في سياسة الولايات المتحدة بشأن الوضع النهائي للقدس.
ويستنتج الخالدي بأن بناء الولايات المتحدة لسفارتها في القدس على أرض اللاجئين الفلسطينيين المصادرة له دلالات أبعد أثراً من موقع السفارة نفسه. فهو ينتهك أربعة جوانب رئيسية من مفاوضات الحلّ النهائي: القدس، والمستعمرات، واللاجئين، ومساحة الدولة الفلسطينية المرتقبة.

وبعد عرض الباحث لوثائق مراسلات وخرائط ذات صلة بقضية القدس، والتي تكشف المساعي الإسرائيلية الحثيثة لطمس الحقائق الثابتة حول ملكية الأرض التي «منحتها»  «إسرائيل» للولايات المتحدة لإقامة سفارة عليها، يحذّر الخالدي، في سياق محاضرة له ألقاها في مجلس الوصاية بمقرّ الأمم المتحدة في نيويورك لمناسبة يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2009، بعنوان (الساعة تقارب منتصف الليل في القدس)، يحذّر من احتمال انفجار الأوضاع بين الشعب الفلسطيني والمحتل الإسرائيلي، حول القدس تحديداً. ويشرح توقعه هذا على أساس مكانة القدس المثلّثة القداسة في نظر الإسلام: بسبب بُعدها اليهودي، وبسبب بُعدها المسيحي، وبسبب بُعدها الإسلامي.

وهنا يعيد المؤلّف عرض تصوّره الخاص لحلٍ سلمي وعادل للقدس، يرتكز على الركائز الأربع التالية:

- أولاً: تفكيك التصوّر الإسرائيلي والأميركي المتمثل في عبارات «توحيد» و«إعادة توحيد» القدس، وكشف اللبس فيه.

- ثانياً: لا احتكار للسيادة على شطري المدينة كليهما، سواء من جانب «إسرائيل»، أو من جانب فلسطين.

- ثالثاً: لا أرستقراطية في الحقوق الدينية، تمنح مكانة متفوّقة لأيٍ من الأديان الثلاثة التوحيدية في المدينة بشطريها.

- رابعاً: الأبعاد الدينية وغير الدينية للقدس لا تقلّ رمزية وخطورة بالنسبة إلى العرب والمسلمين عمّا هي بالنسبة إلى اليهود و«إسرائيل».

وفي نهاية الكتاب، ثمة ملحق يتضمّن قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقدس (1947 - 2016)، والصادرة عن الجمعية العامة؛ ومجلس الأمن؛ ومجلس الوصاية؛ والمؤتمر العام لليونسكو؛ والمجلس التنفيذي لليونسكو؛ ولجنة حقوق الإنسان/ مجلس حقوق الإنسان؛ والمجلس الاقتصادي والاجتماعي؛ وجمعية الصحة العالمية. 
Share/Save/Bookmark