وكالـة أنبـاء التقـريـب (تنـا)
منذ سنوات أصبح العراق ممراً لمهربي المخدرات إلى الدول الأخرى وخاصة الدول الخليجية والسعودية، واستغل النظام السابق ظروف الحصار الإقتصادي في التسعينات ليطلق العنان لترويج المخدرات والإتجار بها.
إلا أن انتشار المخدرات بين الشباب لم يبلغ مستوى خطيراً إلا بعد ٢٠٠٣ مع دخول القوات الأميركية وحلفائها إلى العراق حيث شهد البلدانفلاتاً أمنياً وخاصة في المناطق الحدودية، فشجع ذلك تجار المخدرات على الترويج لبضاعتهم في المدن والأسواق الشعبية وفي ظل انعدام الرقابة الأمنية وبعد سنوات من الإنفلات الأمني وسيطرة المليشيات المسلحة على الساحة العراقية وفي مدينة البصرة بالذات من خلال سيطرتها على المنافذ الحدودية البرية والبحرية وفرض سلطتها على الموانئ العراقية التي استغلتها لمنافعها الخاصة في التهريب والإستفادة من الرسوم على المواد الداخلة بلا رقيب أمني، حيث لم نجد أي إجراءات تنفّذ على أرض الواقع حيث يتعاطى الشباب والمراهقون المخدرات والكبسلة وأغلب هؤلاء الشباب يلوذون بالمقاهي التي إنتشرت بصورة كبيرة خاصة بعد الإنفراج الأمني الذي أعقب عملية (صولة الفرسان) في مدينة البصرة.
يقول الإعلامي (علي الوحيلي)" إن الحالات الكثيرة من الإدمان لم تجد من يتصدى لها في ظل غياب الرقيب الأمني والصحي في مناطق تعاطي المخدرات وخاصة في مقاهي المناطق الشعبية وحتى في الشوارع".
ويضيف : " إن الشباب هم الذين يقبلون على تعاطيها ولا وجود لأي مؤشر يدل على منع انتشارها وليس هناك سوى الإحصائيات غير الدقيقة والإجراءات التي تفتقر الى التنفيذ الصحيح، حيث تقف السلطات الأمنية والصحية عاجزة إزاء انعدام الإمكانيات المطلوبة للسيطرة على جميع الحدود الممتدة مئات الكيلو مترات.
وفي السياق ذاته ترى الدكتورة رنا الكاظمي أن هذه الظاهرة تتفاقم ولم تجد من يتصدى لها والتعامل معها بكل جدية واجتثاثها من الواقع العراقي،وتؤكد أن قبل وضع الحلول لابد من السيطرة على الحدود وعلى تعاطي الشباب لها من خلال وقف تدفقها الى العراق والسيطرة على التجار المتعاملين بها وأماكن تسويقها وفتح مراكز تأهيل لمعاجة المدمنين، مع وضع خطة كفيلة من قبل الجهات الأمنية والصحية لمراقبة الصيدليات والمذاخر والحد من إستيراد الأدوية التي تدخل فيها أنواع المخدرات والتي تستخدم للحالات والأمراض النفسية وترك ذلك للدولة حصراً ومنع استيرادها وبيعها من قبل القطاع الخاص والتجار وان يتم صرف تلك الأدوية وفق ضوابط معينة، وتكون المذاخر والصيدليات معرضة للتفتيش الدائم مع مراقبة المقاهي والأماكن الأخرى التي يتجمهر فيها الشباب المشكوك في تعاطيهم للمخدرات وخاصة من يروج لاستخدامها مع (النارجيلة) في الكثير من المقاهي التي يديرها ضعاف النفوس والمتاجرين بصحة وحياة الشباب المغرر بهم والذين يفتقدون الى الرقيب الأسري.
من جانب آخر يرى الباحث الإجتماعي والقانوني عبد الله الحمداني : " إن الحالة العراقية في التعاطي والترويج للمخدرات أصبحت خطيرة ولا يمكن السكوت عليها فهناك بؤر للتعاطي والمتاجرة بالمخدرات بشكل مستمر وشبه علني دون التصدي لها أو تحمل مسؤوليتها من قبل الجهات الأمنية والدينية فعلى رجال الدين التطرق لهذه المسألة باستمرار في خطبهم الدينية وتوجيهاتهم حيث نلاحظ إنزلاقاً خطيراً للشباب في هوة 'الكبسلة' التي تباع كأي علاج يصرف بلا وصفة في الصيدليات".
أما الباحثة الإجتماعية (إيمان عبد الكريم) المتخصصة في شؤون الطفل فترى تلك الظاهرة "بالغريبة" على واقع المجتمع العراقي المحافظ والذي كان لفترة قريبة يرفض حتى التكلم عنها فهي جريمة لا تغتفر داخل المجتمع، بينما أصبحت مدننا الآن مسرحاً لتعاطيها وتهافت المدمنون عليها، وتقول : " لا أتصور المسألة بعيدة عن المؤامرة وهنا لابد من وقفة أو ما نسميها بـ (الفزعة) من الجميع وبما في ذلك رجال الدين والعشائر والسلطات الحكومية لوقف هذا المد الهادر الذي بدأ يفتك بالجسد العراقي من خلال طعن الشباب الذين هم عماد المستقبل ".
ويصف (عماد الصرايفي) رياضي سابق هذه الحالة "بالخطيرة" بدأ الترويج لها من خلال التعاطي المجاني وبطريقة اللهو البرئ للإيقاع بالشباب ولإيجاد مكوّن عائق داخل المجتمع من خلال التعاطي والإدمان.
ويضيف، "هناك متاجرة رخيصة بهذه السموم لحاجة المدمنين لها وفرض ما تريده هذه الزمر عليهم واستغلالهم حيث تتوفر كل مسببات وعوامل الإنحراف الإجرامية ".
ويقول، " لكننا للأسف لم نسمع عن إجراءات لوجستية قوية تتصدى لهذه الظاهرة التي كان الشباب العراقي في السابق يتعرف عليها فقط من خلال الإعلانات المستمرة في الصحف والمجلات العربية..."
هذا وتمتنع السلطات الصحية عن تقديم إحصائيات دقيقة لعدد المدمنين، ويعزو البعض ذلك إلى الوضع الاجتماعي والعشائري للمجتمع الذي يفضل التعتيم على حالات الإدمان وهو ما يضع العراقيل على متابعة مستويات الإدمان في المراكز الصحية للوقوف على مدى تفشي الظاهرة والإجراءات المتخذة لمواجهتها.