نسخة قابلة للطباعة

نسخة الويب

المحلية » أخبار » سياسة

ديناميكية التغيير ومعوقات التحول الديمقراطي

تنا

۴ Feb ۲۰۱۲ الساعة ۱۲:۵۱

العالم العربي بين الاصلاح والاستبداد، سيكون مادة للنقاش المتواصل في اوساط امة لم تحسم موقفها بعد بالانتقال للديمقراطية او البقاء في عالم القمع.


د. سعيد الشهابي

برغم التفاؤل الكبير الذي عم ارجاء الدول التي تخلصت من حكامها المستبدين، فما تزال المسافة بين انظمة حكمها الجديدة واقامة الحكم العادل شاسعة. ويجب الاعتراف هنا بان عمر التغيير الذي حدث لا يتجاوز عاما واحدا في تونس، وهما الأقدم في مسيرة الثورات.

فالانباء التي تتحدث عن انتهاكات لحقوق الانسان في هذه الدول اصبحت مصدر قلق لدى المتفائلين، فضلا عن المتشائمين الذين يصرون على القول ان العالم العربي غير مرشح للتحول الحقيقي نحو المجتمع المدني المتحضر الذي تحترم فيه حقوق مواطنيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفق العهدين الدوليين الخاصين بتلك الحقوق.

والمشكلة هنا ذات ابعاد متداخلة. فمن الصعب اقامة انظمة متحضرة في منطقة تصر غالبية انظمتها واكثرها ثراء على البقاء خارج دائرة التمدن والعصرنة. ومع وجود المال النفطي الهائل من جهة وتراجع مواقف الدول 'الديمقراطية' عن قيمها ومبادئها بخصوص قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان، فان النضال الوطني بحاجة للتصعيد على كافة الصعدان. كما ان دخول هذه القوى 'الديمقراطية' على خط الثورات اضعف بريقها من جهة وجعل الانظمة الجديدة عرضة للابتزاز والمضايقة والتهديد، خصوصا مع استمرار التناقضات المجتمعية في هذه البلدان على صعدان التمايز الديني والمذهبي والايديولوجي والموروثات الثقافية والاجتماعية.

ان تسطير هذه الحقائق لا يهدف لادخال اليأس في نفوس المرابطين على الخطوط الامامية في المواجهة المحتدمة بين قوى التطور وانظمة الاستبداد والتخلف، ولكنها محاولة لتوجيه نظر الاجيال الثائرة لضرورة تأصيل قيم التغيير من جهة وتعميق الاصرار عليه من جهة ثانية، والنظر بعمق لما يجري على مختلف الساحات المطلوب احداث التغيير فيها ثالثا. وهو بدون شك صراع طويل، يجب ان تستوعبه طلائع التغيير لكي لا تستدرج الى انصاف الحلول التي تقضي على الثورة وتكرس الحكم الديكتاتوري بشعارات جديدة يروج لها الغربيون الذين اصبحوا اكثر رفضا للتحول الديمقراطي الحقيقي، برغم دعاواهم.

ثمة مصاديق عديدة لدق جرس الانذار ازاء ما يجري في كافة البلدان التي تخوض شعوبها ثورات من اجل التغيير. ففي تونس مثلا، ما يزال مؤشر الديمقراطية هابطا برغم اسقاط نظام بن علي وفوز حركة النهضة في الانتخابات واقامة نظام بتفويض شعبي واضح. ولكن تونس ما تزال ترزح تحت اعباء النظام السابق وتركته الثقيلة خصوصا في مجال الحريات العامة والاقتصاد. وتواجه 'دولة الاسلاميين' واحدا من اصعب التحديات متمثلا بوضعها الاقتصادي الصعب الذي يجعلها محتاجة للدعم الخارجي، وهنا سيكون الامتحان صعبا للسيدين منصف المرزوقي، رئيس الدولة، والسيد حمادي الجبالي رئيس الوزراء، ولكل منهما باعه الطويل في النضال ضد الاستبداد. فمن اين ستأتي الاموال لملء الخزينة الفارغة؟ من دول الخليج؟ من صندوق النقد الدولي؟ من الولايات المتحدة؟ انها جميعا مصادر تمويل ذات اهداف سياسية مكشوفة يفترض ان تستوعب حكومة تونس تناقضها مع ايديولوجيا الحكم الجديد.
ومع ان هذا البلد يبدو حتى الآن الاوفر حظا في مجال التحول الديمقراطي ولكنه يواجه تحديات من شأنها ان تقرر توجهه المستقبلي وما اذا كان قادرا على صياغة قرار سياسي مستقل ام انه سيتحول الى نظام خاضع للاملاءات الخارجية من قوى الثورة المضادة التي ما برحت تخطط للقضاء على الثورة او تحرف مسارها او تسعى لاحتوائها.
 
فالتغير الديمقراطي يجب ان لا يقتصر على انتخاب الحكومة، فما جدوى انتخاب حاكم لا يملك حرية اتخاذ القرار السياسي المستقل؟ وما جدوى ان يصبح النظام الجديد، في اية دولة، حليفا لانظمة ديكتاتورية تظلم شعوبها ولا يتمتع حكامها بشرعية دستورية مستمدة من تفويض شعبي واضح؟ الامر الذي يدعو لاطمئنان حذر في حالة الوضع التونسي ان الذين يمسكون بزمام الحكم فيها الآن يحملون مبدئية صاغتها انتماءاتهم الايديولوجية والدينية وصقلتها معاناتهم في السجون، ورشدتها تجربتهم في المنافي. والامل ان يقفز مؤشر الديمقراطية في تونس الى الاعلى في قوائم المؤشرات الدولية للديمقراطية وحقوق الانسان والحريات العامة.

والقلق لا ينحصر بتونس. فمصر ما تزال تعيش مخاضا صعبا وصراعا سياسيا وايديولوجيا بين تركة النظام السابق والقوى السياسية الصاعدة التي وصلت الى البرلمان عبر صناديق الاقتراع الحر. ولكن ذلك لا يخلو من منغصات. منها ما يبدو من مماحكات بين شباب الثورة والاحزاب السياسية التي انتخب ممثلوها للبرلمان. هذا مع ان الجميع حضر الاسبوع الماضي احتفال مصر بالذكرى الاولى لانطلاق ثورتها العام الماضي في ۲۵ يناير، في مشهد قل نظيره في العالم العربي سواء من حيث الحشد البشري ام الروح المفعمة بالحماس والتفاؤل في اوساط الشباب والشيوخ معا، ام في ما استطاع الحاضرون اظهاره من وحدة في المواقف والهموم والتطلعات. أين هو مصدر القلق اذن؟ على صعيد الواقع يبدو الجيش هو الآمر والناهي، وهو مؤسسة تخضع لتأثيرات كبيرة من قوى الثورة المضادة في واشنطن والرياض وتل أبيب. وما يزال 'المشير' سيد الموقف في الكثير من الامور، ويرفض اخضاع الجيش لقيم الثورة والديمقراطية، ويمارس ضغوطا على القوى السياسية لمنح الجيش امتيازات خاصة في التشريعات والممارسة السياسية. وبرغم الاعلان عن الغاء احكام الطوارىء قبل قرابة العام، الا انه ما يزال يطبق بشكل او آخر. وعندما يسأل العسكر عن ذلك يقولون انه يطبق على 'المجرمين والبلطجية' فقط. وما تزال قوائم المنع من السفر او دخول البلاد معمولا بها في مصر الثورة. وحتى اعضاء جماعة الاخوان المسلمين الذين كانوا على تلك القوائم يتعرضون للمضايقات في المطار، ويتم توقيفهم ولو بضع دقائق قبل السماح لهم بالسفر. وهناك خمسة على الاقل من اعضاء الجماعة ما يزالون ممنوعين رسميا من دخول البلاد، من بينهم الاستاذ ابراهيم منير، المشرف العام على نشرة 'رسالة الاخوان' في اوروبا. وفي الاسبوع الماضي منع الاستاذ علي الديري، وهو ناشط بحراني مهتم بالقضايا الثقافية من دخول مصر عندما توجه لمشاركة الشعب في احتفالات الذكرى الاولى للثورة، وقيل له انه اسمه موجود على قائمة الممنوعين من دخول مصر. وقد يكون هذا الموقف مفهوما لو حدث في السعودية مثلا، ولكن ان يحدث في مصر فهو امر مستغرب ويؤكد ما تمت الاشارة اليه.

ثمة وضع مشابه في ليبيا، اذ وجهت اتهامات خطيرة بتعذيب بعض المواطنين. واتهمت منظمة العفو الدولية الاسبوع الماضي قوات الامن الليبية بتعذيب وإساءة معاملة المقاتلين والموالين للزعيم الراحل العقيد معمر القذافي، ودعت سلطات طرابلس إلى إغلاق جميع المعتقلات غير الرسمية. وقالت المنظمة إن عدة محتجزين لقوا حتفهم بعد تعرضهم للتعذيب في ليبيا في الأسابيع والأشهر الأخيرة، والتقى مندوبوها معتقلين في مدن طرابلس ومصراتة وغريان ظهرت على أجسادهم علامات مرئية للتعذيب الذي تعرضوا له، ومن بينها جروح على الرأس والأطراف والظهر وأجزاء أخرى من الجسم. وأضافت أن التعذيب يُمارس من قبل الجيش والكيانات الأمنية المعترف بها رسمياً والعديد من الميليشيات المسلحة التي تعمل خارج أي إطار قانوني في ليبيا، بحق المقاتلين الموالين لنظام القذافي من الرعايا الليبيين والمواطنين الأجانب من دول منطقة شبه الصحراء الليبية. انه وضع مرفوض ان تستمر الممارسات غير الانسانية تحت اي غطاء، خصوصا من انظمة قامت تحت شعار الديمقراطية وحقوق الانسان. ومن شأن هذه الممارسات ان تضعف مصداقية مشاريع التغيير والاصلاح في الدول المحكومة بانظمة استبدادية. ومن بين اسباب تنامي هذه الظواهر وجود قوى اجنبية تسعى لابتزاز الانظمة الجديدة لضمان بقائها في فلكها وتنفيذ سياساتها او تقديم تنازلات وامتيازات خاصة للقوى التي ساهمت في احداث التغيير. ولا تعترض الدول الغربية على هذه السياسات بشكل جاد ومبدئي، بل تستعملها للابتزاز والضغط. بل انها قد تساهم في تكريس ظاهرة اساءة السجناء السياسيين وانتهاكات حقوق الانسان ليكون ذلك عاملا يساعدها على ممارسة الابتزاز عند الحاجة. فمثلا ردت واشنطن ولندن على الانتقادات التي وجهت لنظام الحكم في البحرين بالتعبير عن استعدادها لتقديم مساعدات عملية في مجال حقوق الانسان بتدريب الشرطة واجهزة الامن. ومن بين تلك الخطوات ارسال اثنين من عناصر الشرطة لما تسميه 'مساعدة اجهزة الشرطة والامن على احترام حقوق الانسان مع ضمان تطبيق القانون'. وبعد ثلاثة شهور على تعيين الضابط الامريكي السابق، جون تيموني، رئيسا لجهاز الامن البحريني، خلفا للعميد 'طارق بن دينة' لم يحدث اي تطوير على ممارسة تلك الاجهزة. وبرغم توصيات تقرير ما سمي 'اللجنة المستقلة للتحقيق' بمنع التعذيب ومحاسبة مرتكبيه، فقد استمر التعذيب واساءة معاملة المعتقلين على نطاق واسع. وفي الاسبوع الماضي استشهد مواطنان بعد اعتقالهما، واكدت الصور التي التقطت لهما على المغتسل تعريضهما للتعذيب البشع وقتلهما في غضون ساعات من اعتقالهما.

العالم العربي بين الاصلاح والاستبداد، سيكون مادة للنقاش المتواصل في اوساط امة لم تحسم موقفها بعد بالانتقال للديمقراطية او البقاء في عالم القمع. انه صراع طويل على طريق التحول نحو الديمقراطية في عالم ما يزال يدعم الاستبداد ويتغاضى عن الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان. وهو سجال طويل لا يكاد فصل منه ينتهي حتى يبدأ فصل آخر لا يقل دموية وعنفا وسادية. ومع الاعتراف بوجود تاريخ مفعم بانتهاكات حقوق الانسان منذ اكثر من الف عام، الا ان المفترض ان تكون الامة محصنة ضد اساءة معاملة الآخر او النيل من حقوقه الكريمة خصوصا حق الحياة والكرامة. ولكن هذه الامة نفسها مهيأة كذلك للوقوع ضحية تحت ارجل الطامعين والانتهازيين. ان لديها تاريخا في القمع والاستبداد يمتد الى ما بعد حياة رسول الله، عندما عاد الحكم في بعض الحقب لاصوله القبلية وقيمه البدائية المنفصلة عن الاسلام والقيم السماوية. ولا يمكن الانطلاق الى الامام، بعيدا عن التركة التاريخية الثقيلة التي تفرض نفسها برغم مرور القرون. فثمة عقلية استحواذ لدى البعض تمنعهم من التعايش مع الآخرين، وتبرر لهم كافة وسائل التنكيل والاساءة من اجل تحقيق ما يريدون. والانسان هو الانسان، يصعب عليه تغيير اطباعه وارتداء ثياب الصلاح والاحترام والتسامح خصوصا اذا كان ينطلق على اساس مصالحه الشخصية ولا يتطلع لاصلاح حقيقي في امته. وبدلا من ان تكون الامثلة التي طرحت لتوضيح حقيقة ما يجري في بلدان الثورة، سببا للتقاعس و 'إلقاء الحبل على الغارب' فانها دعوة لاستيعاب مستلزمات التغيير الديمقراطي والتحول من حكم العسكر الى الحكم المدني. مطلوب من قوى الثورة، سواء المنظمة منها او الجماهيرية، استلهام مفاهيم التغيير وقيمه، وتعميق القناعة بقيم العدالة المطلقة وقبلها العدالة الانتقالية لوضع خط تحت العهود التي يجب ان تبيد، لانها كانت من اهم اسباب التخلف والتراجع وسيادة عقلية الظلم التي ادت الى الاستبداد. فحتى المستبدون يكررون الحديث عن ان 'الديمقراطية عملية طويلة ومتدرجة' من اجل تبرير ممارساتهم، والاحرى بذوي القيم والمبادىء، الذين قرروا التصدي للتغيير، ان يستوعبوا مستلزمات التحول بعيدا عن التعصب او الاستحواذ، وان يتعمق ايمانهم بما انطلقوا على اساسه من ايديولوجيات وقيم. ويفترض ان يكون الاسلاميون اكثر حرصا من سواهم على اشاعة روح الاصلاح والتسامح وقيم الخير والاحترام والكرامة الانسانية، فلا يقبلوا بما هو أقل من العدل، او يساوموا على الحقوق الاساسية للانسان وفق نصوص الاعلان العالمي لحقوق الانسان وقيم الاسلام التي تتوافق مع اغلب بنود هذا الاعلان.

ان مخاض التغيير سوف يكون طويلا خصوصا في ظل تدخل القوى الاقليمية والاجنبية على خط التغيير، وما تمارسه من تشويش الاذهان والمفاهيم والقيم. والواضح ان الخط الثوري هو الانجع لتحقيق التغيير المطلوب، بعد عقود من محاولات اصلاح الانظمة من داخلها. ويمكن القول ان تلك المقولة وما نجم عنها من انخراط القوى السياسية ضمن انظمة الحكم القائمة اديا الى تباطؤ الانظمة في اتخاذ اي اجراء اصلاحي. كما ان تغيير الولايات المتحدة الامريكية سياساتها التي تحدثت عن التغيير والتحشيد للاصلاح الكامل، امرمستبعد بسبب ما يتضمنه ذلك من ضرورة مد الجسور مع القوى التي لا تريد مخاطبتها اواقامة علاقات عمل معها. العام الثاني من ربيع الثورات العربية يطل اذن والمشاعر متباينة بين الأمل العريض والتشاؤم القاتل. المطلوب ان تتعمق الثقة بان التغيير ضرورة لا بديل عنها، وان سياسات القمع المدعومة من قوى الغرب لا تستطيع وأد الثورات او حرف مسارها. وربما المطلوب بشكل اكبر توسيع دائرة الاستشارات في ما بين القوى التي استلمت زمام الامور عبر صناديق الاقتراع بعد التغيير. فذلك ضرورة لتعميق الشعور بالقدرة على الاستمرار في المشروع التغييري الثوري وعجز الانظمة الاجنبية والقوى التي تمتلك الجيوش والاسلحة عن مواجهة جماهير التغيير التي يتسابق افرادها على الموت دفاعا عن الشرف والكرامة وا لحقوق. وربما العامل الاكبر في احداث تغيير حقيقي في الامة استيعاب الانظمة الجديدة المنتخبة انها ولدت من ارحام ثورات سالت دماء شبابها انهارا لتحقيق الحكم الكبير بالتغيير، فعلى هذه الانظمة ان تكون هي الاخرى ثورية في سياساتها الداخلية والخارجية لكي لا يتم تطويعها لمسايرة انظمة الاستبداد والديكتاتورية والقمع، ولتتق الله في دماء الأبرياء وحقوقهم.

' كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن