هل تتسبب المراقبة المتطورة في دمار البشرية؟
تنا-بيروت
"إن القلق ينتابنا لأننا في رغبتنا النهمة في الراحة، لا نشبع أبداً ما حيينا، فتلك الرغبة التي تثيرها غريزة الموت وتغرسها لا يمكن إشباعها إلا بالموت".
تاریخ النشر : الأربعاء ۱۳ سبتمبر ۲۰۱۷ الساعة ۱۰:۵۷
كود الموضوع: 283515
 
هذا الكتاب عبارة عن حوار عبر الرسائل الإلكترونية بين إثنين من أهم علماء الاجتماع في العصر الحديث، وهما ديفيد ليون أستاذ الاجتماع والقانون في جامعة الملكة في أونتاريو، والعالم البولندي المعروف زيغمونت باومان الذي حظي بشهرة كبيرة في تحليل سمات مجتمع ما بعد الحداثة، وذلك من خلال سلسلة كتبه المعروفة باسم سلسة السوائل. لكن الواقع أن باومان كان غالباً في موقع المجيب بينما اكتفى ديفيد ليون بالسؤال والتعقيب أحياناً.

في كلمته الافتتاحية للكتاب، يقول مترجمه حجاج أبو جبر، معلقاً على مشروع باومان في تفكيك عالم ما بعد الحداثة: "لقد تبين أن لعبة تحرير الإنسان كانت في الواقع لعبة للسيطرة عليه، فربما كان مشروع التنوير حلماً نبيلاً لنشر نور الحرية والعدل والتسامح والسلام والرخاء، لكنه تحول إلى أداة تفرز طموحات الدولة الحديثة وآليات المراقبة الرامية إلى التحكم والانضباط، واتضح أن فردوس التحرر الموعود هو سجن مثالي كبير تتوغل فيه علاقات السلطة...".

وفي محاولة منها لتوضيح معنى مصطلح المراقبة السائلة، الذي عنون به باومان كتابه، تقول الدكتورة هبة رؤوف عزت في معرض تقديمها للكتاب، إن المراقبة السائلة ليست مجرد آلة رصد أو كاميرا في ركن المتجر أو أمام بناية سكنية، بل في الحقيقة إن مفهومها أوسع من ذلك بكثير. فهي التطبيق الذي تستخدمه للبحث عن طريقك فيدل جهات أخرى على مسارك وحركتك، وعين صغيرة مثبتة على جهاز اللابتوب تسجّل محادثاتك مع أصدقائك وتنقلها كاملة إلى جهات غير معلومة لك. وهي في الوقت نفسه أجهزة رصد وتحليل لكل ما يخصك مع تفاصيل تُدخلها بعفوية عند التسجيل لخدمة أو موقع إلكتروني لتتراكم هذه المعلومات ويتم تبادلها بين جهات سيادية ومؤسسات تسويقية مختلفة.

ومن المؤكد أن تلك التفسيرات المهمة لمصطلح المراقبة السائلة، تستدعي عدداً من المواقف وثيقة الصلة بعصر ما بعد الحداثة، والتي تعرضنا لها في مراجعة كتاب ملف غوغل، فقد تطرقنا إلى الحديث عن تجسس الشركة الأميركية العملاقة على شبكات الإنترنت اللاسلكية في الشوارع، وكيف أن إدارة الشركة قد عملت على مراقبة سلوك مستخدمي الشبكة العنكبوتية بطرق غير مشروعة، حتى تتاح لها فرصة توقع تصرفاتهم وسلوكياتهم ومن ثم توقع خطواتهم المستقبلية، وهو نوع من أنواع المراقبة السائلة التي يحاول الكتاب الذي بين أيدينا أن يتعمق في فهم سماتها وخصائصها.
 
الشكل الجديد للمراقبة
في بداية الكتاب يطرح المؤلفان رؤيتهما عن المراقبة وتطورها عبر الأزمان والعصور، حيث يؤكدان أن المراقبة الجامدة الصلبة التي كانت تميّز العصور السابقة سرعان ما تعرضت للذوبان والاختفاء التام في عصرنا الحالي.

ويضرب المؤلفان المثال على المراقبة الصلبة التي يقصدانها، بواحد من أهم نماذج المراقبة، وهو نموذج البانوبتيكون، وهو عبارة عن أسلوب استحدثه المفكر الإنجليزي جيرمي بنتام في القرن الثامن عشر، وكان الغرض منه مراقبة جميع السجناء في السجن بأقل تكلفة وأعلى فعالية يمكن تحقيقها.

كان البانوبتيكون يعتمد بالأساس على فكرة المركزية، بحيث تتم إقامة برج مرتفع في وسط السجن، بينما تنتظم زنازين السجناء في شكل دائري، ويتم تسليط أضواء الكشافات القوية على الزنازين لمراقبتها، ومن هنا ينشأ إحساس عام عند كل المسجونين بأنهم خاضعون للمراقبة اللصيقة، وإن أعين السجان تنظر إلى كل منهم في ترقب حذر.

يؤكد المؤلفان أن المراقبة في عالم اليوم، لم تعد بذلك الشكل المادي الصارم، بل ولم يعد هناك سجان واحد يتابع تحركاتك، بل لقد استطاع المراقبون أن يستغلوك في مراقبة نفسك بواسطة وسائل وطرق لا تدري عنها شيئاً.

ويضرب باومان نموذجاً للمراقبة السائلة التي يقصدها، بعملية السفر والتنقل من مكان إلى آخر، ففي الحقيقة وأثناء عملية السفر يقوم المسافر بالمرور على عشرات الأجهزة الأمنية المختلفة التي تكشف عليه وتنقب عما يوجد داخل جيوبه، وفي حذائه وحقائب سفره. كما أنه وأثناء استخدام بطاقة هويته وبطاقته البنكية وتذكرة السفر، يتعين عليه منح الكثير من المعلومات والبيانات الخاصة به للكثير من الأجهزة الرقابية التي يمر عليها، سواء داخل حدود دولته أو خارجها، كل ذلك يقدمه الفرد عن طيب خاطر وبابتسامة عريضة تملأ وجهه كله.

من تلك النقطة تحديداً، يطرح المؤلفان تساؤلاً حول العلاقة ما بين السلطة والمراقبة والتكنولوجيا، ففي الوقت الذي يلوم فيه الكثير من الباحثين التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارهما سبباً في تفكك الروابط الاجتماعية الحقيقية وهشاشتها، فإن باومان ينظر إلى الموضوع بطريقة أخرى، حيث يرى أن السلطة التي تبحث عن الانتشار والتمدد في عصر السيولة، قد استعانت بالأدوات التقنية لمساعدتها في فرض الرقابة على المجتمعات المتفككة أصلاً. ومن هنا فإن عالم الاجتماع البولندي لا يرى في التكنولوجيا سبباً في تفكيك المجتمع، بل يعتقد أن تفكك الروابط المجتمعية هي التي أتاحت الفرصة لانتشار التقنيات الحديثة، تلك التي استخدمتها السلطة فيما بعد لفرض الرقابة اللصيقة على المجتمع.
 
المراقبة والتشيؤ
من الأمور المهمة التي يلاحظها باومان في دراسته عن المراقبة، أن الوسائل التقنية الحديثة، قد أجبرت الإنسان على تعريف نفسه كشيء وليس كإنسان، فمثلاً تنحصر البيانات التي تُعرّف كل شخص في لون العين ولون الشعر والطول والوزن وبصمة أصابع اليد وغير ذلك من الوسائل الأخرى المعروفة.

ومن هنا فإن تعريف الشخص قد صار مجرد مجموعة من البيانات التوصيفية العمومية التي قد تكون في الغالب فاقدة الصلة بصاحبها، كما أنها في نفس الوقت قد أهملت بالكلية أي معيار قيمي أو أخلاقي يعتقده الفرد أو يؤمن به، ومن هنا صار الإنسان بحكم مراقبته وتعريفه بتلك الطريقة شيئاً أكثر منه إنساناً.
 
من الأخ الأكبر إلى المراقبة السائلة
في ستينيات القرن العشرين، كتب الصحافي والروائي البريطاني المعروف جورج أورويل روايته الخالدة المعنونة بـ"1984"، والتي توقع فيها المصير البائس الذي ينتظره العالم في حال وصل المد الشيوعي إلى الغرب، وتمكن الاتحاد السوفياتي من فرض نفوذه المطلق على أوروبا.

في هذه الرواية عرض أورويل لواحد من أهم أمثلة المراقبة وأكثرها شهرة على مر العصور، وهو نموذج الأخ الكبير، الذي كان يقصد به الدولة المستبدة أو الحزب الحاكم أو الطاغية. في الرواية، كان الأخ الكبير يفرض على المواطنين رقابة صارمة خارج منازلهم وداخلها كذلك، كما كان يفرض رأيه عليهم في كل شؤون حياتهم، بدءاً من الأفكار والرؤى السياسية والفلسفية ونهايةً بطريقة ممارستهم للجنس.

يرى زيغمونت باومان أن ذلك النموذج، برغم شهرته الواسعة ومسارعة العديد من الفصائل الثورية حول العالم لاستدعائه والتنديد به وإسقاطه على واقعهم في خطاباتهم الثورية المتكررة، إلا أنه قد أصبح فعلياً نموذجاً قديماً لا يتماشى مع عصر الحداثة السائلة التي نعيش فيه حالياً.

فبحسب تعبير باومان "أُسدل الستار على عصر الارتباط المتبادل الذي شهد المواجهة بين المديرين والخاضعين للإدارة، وأما العرض الجديد فهو دراما جديدة أكثر مراوغة، إذ تنتقل السلطة بسرعة الإشارة الإلكترونية".

ما يقصده باومان في كلامه، أن السرعة المفرطة الذي يتصف بها عصرنا، قد أجبرت نموذج الأخ الكبير على التفكك من تلقاء نفسه، حيث تم استبداله بشكل جديد أكثر خفة ومرونة ويميل إلى المرح والبساطة بدلاً من الخشونة والعنف في التعامل.

وهناك نقطة أخرى، يفسّر باومان عن طريقها سبب اختفاء نموذج الأخ الكبير، وهي أن مبادئ البانوبتيكون أو الأخ الأكبر كانت قد ظهرت في مجتمعات توجد فيها أشكال طبقية هرمية مميزة، وكان شكل المراقبة الصارم يهدف بالأساس إلى الحفاظ على السلطة التراتبية وما تم النظر إليه على كونه فوارق طبيعية بين الأفراد وبعضهم البعض، حيث كان يتم استخدام طرق المراقبة الصلبة في جميع الأماكن التي يستهدف فيها الحفاظ على الفوارق الصلبة، فاستخدمت مثلاً في المدارس والبيوت والمصانع والسجون. ولكن لما تغير شكل الحياة في تلك المجتمعات وفقدت الطبقات تراتبيتها المائزة، وأصبح الأفراد داخل المجتمع أكثر تقبلاً للسيولة والتداخل والتماهي، فإنه لم يعد من المناسب حينذاك أن يحتفظ المراقب بشكله النمطي التقليدي، فجاء تبديل شكله وأسلوبه في سياق تغيّر وتبدّل نمط الحياة عموماً.
 
وسائل المراقبة المتطورة: هل تتسبب في دمار البشرية؟
 من الأمور التي يلفت إليها باومان أنظار القراء، خبر قرأه في عام 2011، عن تطوير طائرات صغيرة الحجم، تصلح للاستخدام في أعمال المراقبة والتجسس على الأفراد عبر شرفات ونوافذ منازلهم. وبحسب باومان، فإن الخبر الصحافي يتوقع أن يستمر تطوير تلك الطائرات حتى تصل لى حجم حشرة صغيرة جداً، بحيث لا يمكن الانتباه إليها أبداً من قِبل المُراقَبين.

باومان الذي انتبه لهذا الخبر واهتم به كثيراً، يعرب في بداية تعليقه عليه، عن تفهمه للسبب الذي لم يجعل الناس تنتبه إليه أو تلتفت إليه، وهو ببساطة أنه مجرد خبر واحد صغير وسط طوفان "تسونامي المعلومات" الذي يحيط بنا ويضربنا يومياً.

يرى باومان أن ذلك الخبر يُنذر باقتراب حدوث اختراق جديد لخصوصياتنا، وإنه من المتوقع أن يُحدث إنتاج طائرات من ذلك النوع، حدثاً فارقاً جديداً في تاريخ البشرية عموماً والتطور العسكري على وجه الخصوص، فبتلك الطريقة سيكون في وسع الأميركيين القضاء على أعدائهم من دون اشتباك حقيقي، وذلك من خلال أسراب من تلك الطائرات التي يتم توجيهها عن بُعد.

الخطورة هنا، ستنشأ من تزايد الإغراء بإمكانية إثارة الكثير من النزاعات والحروب، بفضل الغياب شبه الكامل للأضرار التابعة والتكاليف السياسية المحتملة، وهكذا من الممكن أن تقود تكنولوجيا المراقبة إلى المزيد من الدمار والخراب حول العالم.
 
كيف تحدث المراقبة الذاتية عبر الشبكة؟
من الأمور التي يُفصل باومان الحديث عنها في كتابه، الكيفية التي نصبح نحن بواسطتها رقباء على أنفسنا من خلال شبكة المعلومات الدولية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث يشرح عالم الاجتماع البولندي، أن القلق الذي أصبح يداهم الأفراد اليوم لم يعد متعلقاً بكيفية حجب خصوصياتهم عن أنظار المراقبين، كما كان الوضع في السابق. بل على العكس تماماً، فقد صار القلق ينتاب الفرد من احتمالية "إغلاق المخارج التي يمكن من خلالها إفشاء الخصوصية، فعندها ستتحول مناطق الخصوصية إلى مواقع للحبس، حيث يُحكم بالعذاب على صاحب الفضاء الخاص، وُكتب عليه أن يُعاني عواقب أفعاله وحده من دون مساعدة من أحد، ويُجبر على حياة تتسم بغياب المنصتين الشغوفين بانتزاع الأسرار وإخراجها من وراء الأسوار الحصينة للخصوصية، من أجل إفشائها للجميع، وجعلها ملكية مشتركة للجميع...".

ومن هنا، فإن باومان يؤكد على أن جاذبية مواقع التواصل الاجتماعي، تتركز في ما يحدث من خلالها من تبادل للمعلومات الخاصة ونشر للصور الشخصية، حيث صار الهدف الرئيس هو حصد أكبر قدر من تسجيلات الإعجاب أو التعليقات أو إتاحة المعلومات للنشر في نطاق أوسع، وهو أمر صار يشهد إقبالاً ملحوظاً، حيث تؤكد الإحصائيات أن 61% من المراهقين في إنجلترا قد أنشأوا حسابات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك وتويتر وإنستغرام، بينما توجد بعض البلدان الأسيوية مثل كوريا الجنوبية، قد تفشى فيها التواصل الرقمي بطريقة مذهلة، حتى صار هو الطريق الأمثل للتواصل.
 
الإغواء والقهر
يرى باومان أن الحال الذي انتهى إليه الأفراد من حيث كشفهم لأسرارهم بأنفسهم على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، يكشف عن ثنائية جدلية، وهي العلاقة ما بين الإغواء الناتج عن كشف السر والقهر الذي كان يتعرض له الفرد فيما سبق للكشف عن السر ذاته.

في هذا السياق، يؤكد باومان أن تلك الثنائية قد جرى استخدامها بشكل فعال في علم إدارة الأعمال الذي ظهر في الفترة الأخيرة، فبموجب ذلك العلم الذي يصفه باومان بـ"الثورة الإدارية في ثوبها الجديد"، فإنه ما كان يُنظر له في الماضي على أنه واجب المديرين، فقد تم تبديله وتغييره عبر نُظم ولوائح الإدارة الحديثة، ليؤول في نهاية الأمر إلى مرؤوسيهم، وذلك من خلال حزمة من المكافآت والمنح المعتمدة على الإغواء بفكرة المشاركة في السلطة بدلاً من الخضوع المُطلق لها. وبالتأكيد فإن ذلك قد ساهم في تحقيق مزيد من الرقابة الذاتية على الموظفين، وهو الأمر الذي انعكس أثره بشكل إيجابي على كفاءة العمل بشكل عام.
 
الأمن والمراقبة
يلاحظ باومان أن الحاجة إلى المراقبة قد ظهرت مع بدء ظهور المدن الحديثة، فالمدينة التي لا يعرف الناس فيها بعضهم البعض، قد صارت في حاجة إلى الحماية وتوفير قدر معيّن من الأمن والطمأنينة.
ولما كانت الحماية -من منظور الفرد-هي الوسيلة التي يأمن بها من الآخر الذي يجهل عنه كل شيء، فإن المراقبة قد ولدت بالأساس لتدعيم الأمن وتوفير الوسائل المناسبة لتحقيقه، وهكذا صارت المراقبة سلاح اليقظة الدائمة التي لا يمكن أن نتخلى عنه أبداً.

ويرى باومان أن المراقبة قد شهدت فيما بعد انفصالاً عن الأمن. ففي عصر الحداثة السائلة استطاع الغرب أن يصل إلى درجة متقدمة نسبياً من درجات التعايش الآمن. إلا أنه برغم ذلك، استمرت المراقبة في فرض وجودها القوي في تلك المجتمعات، وكأنها تحولت إلى نوع من أنواع الإدمان الذي لا يستطيع معه الناس أن يتخلوا عن الخمر مهما شربوا منه، ومهما عرفوا ما له من آثار سيئة ومميتة.

ولذلك فإن باومان يرى أن هناك مفارقة مضحكة في واقعنا التعس، ففي ظل توافر كل أجهزة المراقبة الموجودة في عالم اليوم، يتزايد الشعور الدائم بالقلق وانعدام الأمن.

ويحاول الكاتب بعد ذلك، أن يستكشف بعضاً من الجوانب الفلسفية الغامضة المتعلقة باهتمام البشرية بفكرة المراقبة، فيقول إن مركز الرغبة البشرية الفطرية الأصلية في العلو ومراقبة كل شيء ومعرفته والإحاطة بتفاصيله ودقائقه، تنشأ من السعي الدائم وراء الراحة المطلقة. فالإنسان يعيش في رحلة البحث المتواصل عن عالم اليوتوبيا، ذلك الذي لا توجد فيه مفاجآت ولا أسرار سيئة ولا ينتشر فيه القلق أو الخوف من المستقبل المجهول غير المتوقع.

ومن هنا يوضح باومان إمكانية فهم الدوافع التي قد تحرص من أجلها ربة المنزل على إقرار النظام في بيتها، وذلك عندما تضع أدوات المطبخ في المطبخ وأدوات الحمام في الحمام وأدوات غرفة المعيشة في الغرفة، وذلك أن النظام والترتيب هما محاولة فطرية لتلاشي المفاجأة، وما قد ينشأ عنها من عواقب وخيمة.

ويرى باومان أن السلطة تحاول أن تسير على نفس درب ربة المنزل، ولكن ومع اتساع نفوذها وقوتها، فإنها تحاول ضمان المستقبل المجهول بشكل أكثر احترافية من تصرفات ربة المنزل البسيطة. وهنا تظهر أهمية المراقبة، لأنها أضحت وسيلة يمكن أن تبني عليها السلطة التوقعات الخاصة بالأفعال المستقبلية التي من الممكن أن تحدث.

ولكن هل يمكن أن تساعد المراقبة في الوصول إلى العالم المثالي فعلاً؟

يؤكد باومان، في خاتمة كتابه، أن كل الجهود البشرية المبذولة في هذا الاتجاه، لن تتمخض عن ناتج إيجابي في النهاية، ويقول "إن القلق ينتابنا لأننا في رغبتنا النهمة في الراحة، لا نشبع أبداً ما حيينا، فتلك الرغبة التي تثيرها غريزة الموت وتغرسها لا يمكن إشباعها إلا بالموت".
 
Share/Save/Bookmark