نسخة قابلة للطباعة

نسخة الويب

المحلية » مقالات » الأديان و المذاهب

ضد التقليد - القسم الاول -

تنا

۳ Feb ۲۰۱۲ الساعة ۱۶:۲۲

انها الظاهرة التي حالت دائما بين الانسان والايمان، لانها تحول، قبل ذلك، بينه وبين التفكر الذي يعمل على تنشيط العقل ليتخذ قراره بكامل ارادته بعيدا عن الفرض والاكراه، او الطمع والخوف.


نـزار حيدر

عل من افضل ما يمكن قراءته من مفاهيم ورؤى في ذكرى المولد النبوي الشريف وذكرى مولد الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) (١٧ ربيع الاول) هو مفردة (التقليد) الذي انتج، على مر التاريخ، الفرق والحركات التدميرية.

والتقليد ظاهرة (انسانية) فهي لم تقتصر على المسلمين فقط او على اتباع الديانات فحسب، وانما هي ظاهرة ابتلي بها الانسان منذ امد بعيد، ولقد تحدث القرآن الكريم عنها، والتي شجبها بكل الاشكال، في عدد من الايات الكريمة مثل قوله تعالى:

{واذا قيل لهم تعالوا الى ما انزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه اباءنا}.

{واذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها اباءنا}.

{قالوا اجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه اباءنا وتكون لكما الكبرياء في الارض وما نحن لكما بمؤمنين}.

{قالوا وجدنا اباءنا لها عابدين}.

{قالوا بل وجدنا اباءنا كذلك يفعلون}.

{واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه اباءنا}.

{بل قالوا انا وجدنا اباءنا على امة وانا على اثارهم مهتدون}.

{وكذلك ما ارسلنا من قبلك في قرية من نذير الا قال مترفوها انا وجدنا اباءنا على امة وانا على اثارهم مقتدون}.

اما شجب القرآن الكريم لهذه الظاهرة المرضية، فقد ورد في العديد من الايات، كقوله تعالى:

{ اولو كان اباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} { اولو كان اباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون}.

انها الظاهرة التي حالت دائما بين الانسان والايمان، لانها تحول، قبل ذلك، بينه وبين التفكر الذي يعمل على تنشيط العقل ليتخذ قراره بكامل ارادته بعيدا عن الفرض والاكراه، او الطمع والخوف.

وعلى الرغم من ان الاسلام الذي بعثه الله تعالى للبشرية من اجل القضاء على هذه الظاهرة المرضية، في سبيل تحقيق التطور والتقدم والتجديد، الا ان الكثير ممن آمن بالاسلام، كذلك، ابتلي بهذا المرض، ما تسبب بظهور الفرق والحركات (الاسلامية) التدميرية التي انتجت التحجر والتخلف، او على الاقل التوقف عند نقطة من دون ادنى تطور، حتى اذا تراكم هذا التخلف انتج كل هذا التقهقر، وعلى مختلف الاصعدة، والذي ابتلي به المسلمون وبلدانهم.

وبقراءة متانية للتاريخ، سنلحظ بان عهد الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام (٨٠ ــ ١٤٨ للهجرة) تحديدا كان من اكثر العصور (الاسلامية) التي شهد هذا النوع من الامراض المستعصية، ولذلك فهو عليه السلام اهتم بعلاجه بشكل ملفت للنظر، ليس بالقوة والاكراه والعنف والارهاب، ابدا، وانما بالحوار والمنطق والمجادلة بالتي هي احسن، على اعتبار ان الامراض الاجتماعية التي سببها الانحراف في التفكير والقصور في تنشيط العقل، لا يمكن معالجتها الا بالعقل المتنور والتفكير السليم، والا فانها ستتجذر وتترسخ اكثر فاكثر اذا ما واجهها المرء بالعنف والقهر، ولهذا السبب لم يلجأ الامام الصادق عليه السلام الى اي نوع من انواع القهر الفكري لتصحيح مسارات الانحرافات الفكرية في المجتمع، وانما لجأ عليه السلام الى الحوار والمناظرة العامة والعلنية، وهو الذي اشتهر بها اكثر من بقية ائمة اهل البيت عليهم السلام، بسبب الفسحة (الامنية) التي عاشها عليه السلام والتي امتدت فترة انهيار الدول الاموية وقيام الدولة العباسية، ما جعلهما مشغولين بانفسهما ومع بعضهما البعض اكثر من انشغالهما بعدوهما المشترك، التشيع وائمته، ائمة اهل البيت عليهم السلام، ما مكن الامام من نشر اسس مدرسته على نطاق واسع جدا.

ولم يات اهتمامه عليه السلام بنقض التقليد من فراغ ابدا، وانما بسبب خطورة هذا المرض في المجتمع، فالتقليد يقضي على حرية الفكر وعلى حرية التعبير، وان مجتمعا ليست فيه هذه الحرية لهو مجتمع ميت لا يمكنه النهوض والتطور ابدا، فالتقليد ضد التطور، والذي هو سنة الحياة، ولان الامام عليه السلام كان ينشد ترسيخ مقومات ودعائم النهوض الحضاري في الامة، لذلك بذل كل ما بوسعه من اجل تصحيح مسار (التفكير العقلي والمنطقي) في الامة، ولهذا السبب نراه عليه السلام يوظف العقل في اثبات رؤاه الرسالية للحياة بعيدا عن الخرافة والتجهيل والطلاسم وما شابهها.

وانما يلجأ الناس الى التقليد على طريقة القاعدة التي تقول (ضعها براس العالم واخرج انت منها سالما) لانه سهل المرام وفي متناول اليد، فهو لا يحتاج الى اي جهد، بل انه جهد العاجز، كما انه يمنح المرء فسحة كبيرة وواسعة للسبات العميق والنوم والشهيق، وهو الامر الذي يميل اليه الناس عادة، اما عكس التقليد فبحاجة الى جهد عقلي ومعرفي كبير، كما انه بحاجة الى البحث والاستقصاء والمقارنة والتثبت والقراءة والمطالعة والدرس، وليس كل الناس قادرون على مثل هذا، ولذلك تراهم يختارون التقليد على عدمه، ليريحوا ويستريحوا، واذا عرفنا ان سلطات الجور عادة ما تشجع على مثل هذا النهج، لتثبيت سلطتهم الجائرة، فسنعرف لماذا تنتشر هذه الظاهرة في المجتمعات التي تحكمها الانظمة الشمولية والديكتاتورية، فيما لا تعرف المجتمعات الحرة هذا النوع من المناهج.

وليس عبثا ان جعل الله تعالى معجزة الاسلام ونبيه الكريم، القرآن الكريم، والذي يعني في جوهره العقل، فان اية معجزة اخرى ستكون آنية يحددها الزمن الممتد بعمر الرسول، اما القران الكريم، اي العقل، فانها المعجزة الخالدة التي لا يحدها زمان ومكان ابدا، فهي لم تتحدد بعمر الرسول الكريم، كما انها لم تتحدد بالجزيرة العربية التي نزل فيها، فالعقل هو المعجزة الخالدة التي لا يمكن ان يحدها شئ، شريطة ان تتحرر من كل انواع الاصر والاغلال، لينشط بطريقة تمكنه من الانتاج بشكل سليم.

لقد سأل امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام رسول الله (ص) عن سنته، فقال:

المعرفة راس مالي، والعقل اصل ديني، والحب اساسي، والشوق مركبي، وذكر الله انيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والفقر فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة.

العقل، اذن، اصل الدين، فمن لا عقل له لا اصل له، ومن لا اصل له لا دين له، ولذلك يمكن ان نبني على هذا التعريف قاعدة ذهبية تقول، ان من لا عقل له لا دين له، وان صام وصلى وحج البيت العتيق، ولذلك ورد عن رسول الله (ص) قوله {اول العبادة، اي الدين، المعرفة به} اما امير المؤمنين عليه السلام فيقول {لا خير في عبادة، اي دين، لا علم فيها}.

ومن وصية للامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم، قوله {يا هشام ما قسم بين العباد افضل من العقل، نوم العاقل افضل من سهر الجاهل، وما بعث الله نبيا الا عاقلا حتى يكون عقله افضل من جميع جهد المجتهدين، وما ادى العبد فريضة من فرائض الله حتى عقل عنه}.

ولان العقل والتعصب على طرفي نقيض لا يجمع، فلذلك نهى الاسلام عن التعصب، فقال عز وجل في محكم كتابه الكريم {اذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية} اما رسول الله (ص) فقد قال {من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله يوم القيامة مع اعراب الجاهلية} فيما قال الامام الصادق عليه السلام {من تعصب عصبه الله عز وجل بعصابة من نار}.

مما تقدم يتضح لنا جليا بان الاسلام رفض التقليد لانه يلغي العقل، واذا الغى الانسان عقله تعصب، واذا تعصب تحجر، واذا تحجر يقتل من يختلف معه، ولذلك فان كل فرق وحركات الموت التي شهدها تاريخ المسلمين، اساسها التقليد الذي الغى عقول زعمائها، ما دفعهم الى التعصب فالتحجر فالقتل على الهوية او بسبب اختلاف الاخر مع منهجها وطريقة تفكيرها.

وان جذر المشكلة يعود الى طغيان العاطفة، فهي اذا طغت تسيطر على العقل فتطفئ شعلته، وتطغى على الواقع فتضيعه، وهي تحكم على الفكر بالجمود، وعندها يتقهقر العقل ويتراجع التفكر والتفكير الحر، فيسيطر التقليد على حياتنا.

انها مشكلتنا اليوم في العالم العربي والاسلامي، فاذا دققنا النظر في اصل مشكلة حركات واحزاب الموت، كالحزب الوهابي المحمي باموال وسلطة اسرة آل سعود الفاسدة في الجزيرة العربية، فسنلحظ ان جذرها يعود الى التقليد الذي الغى العقل، فتعصبوا فتحجروا، ليرفضوا كل اختلاف في وجهات النظر، معتبرين الخلاف معهم مروق عن الدين يستحق صاحبه القتل والهتك والتدمير، وهذا ما يدعو اليه الحزب الوهابي المتعصب الذي الغى العقل واعتمد التقليد، فبات السلف من وجهة نظره كل شئ، رافضا التجديد والاجتهاد والتطوير في مناهج البحث، للوصول الى مقاصد الشريعة المحمدية السمحاء.