تاريخ النشر۱۴ آب ۲۰۲۰ ساعة ۴:۴۸
رقم : 472455
المباهلة هي الحوار بين الأديان والمذاهب والأفكار

المباهلة ليست ليوم خاص بل يمكن أن تتكرَّر للحلحلةكلّ خلافات و تجنب الفتن لتصل الى الوحدة و التقريب

تنا-خاص
جاءت المباهلة لتظهر أهميَّة الحوار في الإسلام، والاسلام دين حوار، وأن لا مكان عنده للعنف والتوتر في مواجهة الآخر المختلف معه، وأنّه عند أيّ اختلاف، وبعد أن تستنفد النّقاشات العلمية الهادئة ولا تصل إلى نتيجة، وحتى لا يصل الأمر إلى خلافٍ يتحوَّل إلى نزاع، يدعونا الله إلى تأكيد الجامع المشترك، وترك أمر الخلاف إليه، هو يتكفَّل بالكاذب والجاحد بالحقيقة. وفي هذا، قوله سبحانه: {إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}
قال الحافظ الكنجي الشافعي: (لما نزلت هذه الاية: ندع أبناءنا وأبناءكم... دعا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: اللهم هؤلاء أهلى.
قال الحافظ الكنجي الشافعي: (لما نزلت هذه الاية: ندع أبناءنا وأبناءكم... دعا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: اللهم هؤلاء أهلى.
ولذلك، يمكن القول إنّ المباهلة لا تقف عند هذه الحادثة، بل يمكن أن تتكرَّر عند كلّ خلاف فكريّ أو دينيّ أو مذهبيّ أو سياسيّ أو أيّ خلاف. إنّنا أحوج ما نكون إلى هذا الأسلوب في إدارة كلّ الصّراعات الجارية بين الأديان والمذاهب والأفكار، حتى لا يتصاعد التوتّر في النفوس، وتتفجَّر الصّراعات والفتن، وبذلك، تعيش التنوعات فيما بينها في أجواء السّلام والأمان والتعاون.

اما قصة المباهلة في التاريخ الاسلامي  : فقد جاء في ذلك التأريخ، أنّ وفداً من نصارى نجران قدم، وعلى رأسه أسقف نجران، إلى المدينة، ملبّياً دعوة رسول الله(ص) له. ونجران آنذاك كانت تمثِّل مركز الديانة المسيحية في الجزيرة العربيّة، وقد ضمّ الوفد أكثر من ستّين شخصاً من كبار رجالاتها.

وكان هدف رسول الله(ص) من تلك الدعوة، فتح باب الحوار مع أهل الكتاب، والذي ورد في قوله سبحانه وتعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا الله وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله}.

وقد استقبلهم رسول الله(ص) في مسجده في المدينة المنوّرة بصلبانهم، رغم موقف الإسلام من صلب السيّد المسيح(ع). وهو لم يجد حرجاً في أن يدخلوا إلى المسجد، وهذا ما يعزّز الرأي الفقهي الذي يقول بجواز دخول النصارى وأهل الكتاب إلى المسجد.

وأكثر من ذلك، تذكر السّيرة النبوية، أنّه لما حضر وقت صلاتهم، استأذنوا رسول الله أن يصلّوا بصلاتهم في مسجده، وأن يدقّوا النّواقيس فيه، فأذن لهم، فقال أصحاب رسول الله(ص): أفي مسجدك يصلّون فيه بغير صلاتك؟! فقال لهم: "دعوهم".. فأخلوا لهم طرفاً من المسجد، وأدوا صلاتهم فيه على مرأى ومشهد من المسلمين، وفي ذلك دلالة واضحة على سماحة الإسلام، وعلى اعترافه بحقّ معتنقي الأديان الأخرى في التّعبير عن اعتقاداتهم بكلّ حريّة.

نعم، كان للإسلام موقف حاسم من الشّرك، لأنّ في الشرك إساءة إلى ذات الله وإنسانيّة الإنسان، عندما يدعو إلى عبادة حجر أو كوكب أو بشر...

بعدها، بدأ الحوار، وقد ابتدأه رسول الله(ص) بالحديث عن أنَّ الإسلام لم يأت ليلغي الدّيانات التي سبقته، بل جاء ليكمّلها ويتمّها، فقد جاء مصدّقاً لما بين يديه من التّوراة والإنجيل، وأنه يدعو إلى الإيمان بكلّ الأنبياء والرسل، ولا يفرّق في ذلك بين رسله، فكلٌّ أدّى دوره في مرحلته، وهو ينزّه الأنبياء عن أيّ صفات من صفات الألوهيّة، فهو يؤمن ببشريّته كما ببشريَّة الأنبياء، وقال لهم ما قاله القرآن عنه: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ}، وهذا ما ينطبق على شخصية السيد المسيح(ع)، والذي قال عن نفسه: {إِنِّي عَبْدُ اللهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّ} {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}...

وقال سبحانه: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً للهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيع}...

ثم أشار إلى موقف السيِّد المسيح(ع) يوم القيامة، مما نسبه إليه بعض الأتباع: {وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ}.

عندها، تدخَّل أسقف نجران، رئيس الوفد، قائلاً: لكنَّه ابن الله، ودليلنا واضح، فهو وجد لا كبقيَّة البشر بدون أب، وهذا ما تعتقدون به كذلك!

فردَّ النبيّ(ص)، وهو المنبئ بالوحي بما قاله الله سبحانه: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، فلو أنَّ ولادته من دون أبٍ تستوجب كونه ابناً لله، لاستحقّ ذلك آدم أكثر، لأنّه وجد بدون أب وأمّ.

هنا قال الأسقف: لكن كيف تفسّرون أنّه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويعلم ما في الأرض، ويعلم ما يدّخره الناس في بيوتهم، أليس هذا من صفات الألوهيّة؟

هنا أشار رسول الله(ص) بما أشار إليه الله سبحانه، أنّ هذه معاجز، وأنّ كلّ معاجز الأنبياء إنما هي بإذن الله وقدرته: {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي
إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ الله وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

ثم أنهى النبيّ(ص) الحوار بتقديم أدلّة دامغة على صدق نبوَّته(ص)، وأنّ اسمه ورد في الإنجيل، وهو ما أشار إليه الله سبحانه عندما قال: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}.

ومع ذلك كلّه، ومع صلابة الحجج والمنطق الذي جاء به رسول الله، ظلّ الأسقف ومن معه على موقفهم، من دون أن يفكّروا فيما قاله النبيّ(ص)، ويردّوا على منطقه بمنطق مماثل، مكتفين بما عندهم: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ}.


ولأنّ الحوار لم يصل إلى نتيجة حاسمة، حيث بقي نصارى نجران على موقفهم من إنكار وتعنّت، نزلت الآية التي تلوناها في بداية الحديث، لتدعو إلى المباهلة التي لم تكن معروفة في السابق، فيقول: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ}، وهي تدعو إلى أن يجتمع الفريقان؛ فريق رسول الله(ص)، وفريق نصارى نجران، على أن يدعو كلّ منهما الله أن يطرد الآخر من رحمته، وأن ينزل عليه عذابه إن كان يعرف الحقّ ويجحده.

هنا، عرض رسول الله(ص) على الوفد ما أنزل الله عليه، وقال لهم: ائتوا أنتم بأعزِّ النّاس عندكم، وأنا سوف آتي بأعزِّ الناس لديَّ، ولنتباهل، فإن كنت صادقاً، أُنزلت اللّعنة عليكم، وإن كنت كاذباً، أُنزلت اللّعنة علينا. فقبلوا بها، وانصرفوا انتظاراً للصباح.

هنا، تذكر السيرة أنَّ أسقفهم جمعهم قبل أن يأتي وقت المباهلة، وقال لهم: إن باهَلَنا بناس من غير أهل بيته، بجمع غفير من أصحابه وأتباعه، فهذا يعني أنه يريد بثّ الرعب والخوف في النفوس، وليس في أمره حقيقة، أمّا إذا باهَلَنا بأهل بيته وأقرب الناس إليه، فلا تباهلوه، فإنّه صادق فيما يقول، فهو لا يعرِّض أعزّ الناس عنده للعذاب والطرد من رحمة الله إن كان كاذباً.

فلما أصبحوا، جاء رسول الله(ص) وهو يحتضن الحسن(ع)، ويجرّ الحسين بيده، وخلفه فاطمة، وخلفها عليّ(ع).
هزَّ هذا المشهد نصارى نجران، وأسقط ما في أيديهم، فلو لم يكن رسول الله(ص) واثقاً مما جاء به، لما جاء بأعزّ الناس لديه، فهم يعرفون موقع فاطمة والحسن والحسين وعليّ(ع) في قلب رسول الله(ص) وعند الله.

قال أحد الشعراء:
تعالوا ندع أنفسنا جميعاً ** وأهلينا الأقارب والبنينا
فنجعل لعنة الله ابتهالاً ** على أهل العناد الكاذبينا

وهم الذين نزلت فيهم الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِير}، حتى قال أحد أعضاء الوفد: "إني لأرى وُجُوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة". وقرروا أن لا يدخلوا في المباهلة، وأن يعقدوا اتفاقية الصّلح مع المسلمين، لتنظم العلاقة بينهم وبين المسلمين، وعادوا إلى ديارهم آمنين.

ولقد جاءت هذه الحادثة، لتظهر، وبما لا يقبل الشكّ، موقع أهل البيت من رسول الله(ص)، فهم، وبإشارة رسول الله(ص)، أعزّ الناس على قلبه، ولم يشكّ أحد في كون الآية نزلت بحقّهم، وهي بيّنت بالخصوص موقع الحسن والحسين(ع)، وأنهما ابنا رسول الله(ص)، في مقابل من قال إنّ أبناء الزّهراء(ع) ليسوا أبناء رسول الله(ص)، ولتبيّن أنّ الزّهراء(ع) تختصر في شخصيّتها نساء المسلمين، عندما ذكرت الآية "ونساءنا"، في إشارة إلى السيّدة الزهراء(ع)، وأنّ عليّاً هو نفس رسول الله(ص)، وهذا يعني أنّه نتاج روحه وعقله وتربيته، وأنّه في كلّ ما يعبّر هو، يعبِّر عن رسول الله(ص).

وهي جاءت لتظهر أهميَّة الحوار في الإسلام، وأنّه دين حوار، وأن لا مكان عنده للعنف والتوتر في مواجهة الآخر المختلف معه، وأنّه عند أيّ اختلاف، وبعد أن تستنفد النّقاشات العلمية الهادئة ولا تصل إلى نتيجة، وحتى لا يصل الأمر إلى خلافٍ يتحوَّل إلى نزاع، يدعونا الله إلى تأكيد الجامع المشترك، وترك أمر الخلاف إليه، هو يتكفَّل بالكاذب والجاحد بالحقيقة. وفي هذا، قوله سبحانه: {إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}، وحيث الحساب {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}.



اعداد وتدوين
علي اكبر بامشاد
http://www.taghribnews.com/vdcgnx9tnak9ut4.,rra.html
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني