تاريخ النشر۹ شباط ۲۰۲۰ ساعة ۲۲:۴۰
رقم : 450749
في الذكرى 41 للانتصارا للثورة الاسلامية

الثورة الإسلامية، عوامل إنتصارها و معطياتها

تنا - خاص
يعتمد تاريخ كلّ اُمة، على ذاكرتها، التي يعتمد عليها أبناؤها، وهذا التاريخ لا يصوغه إلا العظماء الذين وقفوا حياتهم لخدمة مجتمعاتهم ونهضتها، ولذا كان التعرّف على سيرة هؤلاء العظماء ضرورياً لاستلهام الدروس والعبر منها، ولاسيّما في المراحل المفصلية من حياة الاُمم والشعوب.
الثورة الإسلامية، عوامل إنتصارها و معطياتها
 انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية في 11 شباط 1979، حدثاً تاريخياً تخطى بآثاره حدود الجغرافيا الإيرانية. ، وفي الذكرى 41 للثورة الاسلامية في ايران ،في صناعة تحوُّل في بنية النظام الإيراني، وهو ما أدى للعديد من النتائج، أعطت الثورة الإسلامية لإيران الهوية. فقد جاءت الثورة واضحة المبادئ والقيم والأهداف. الأمر الذي يتماشى مع ثقافة الشعب الإيراني وحضارته العريقة.
فالدور الذي لعبه نظام الشاه في جعل إيران تابعة للغرب، كسره ، انتصار الثورة والذي أعاد إحياء تاريخ الشعب الإيراني المليء بالأمجاد الاسلامية والاستقلال والسيادة. 

ساهمت الثورة الإسلامية في بناء إيران دولة المؤسسات. أنهت الثورة الاسلامية تاريخاً من حكم الشاه الديكتاتوري للبلاد. وجعلت من إيران دولة مؤسسات متعددة الأجهزة والمهام، تتمتع بالديمقراطية وحكم الشعب الذي يختار الرئيس وأعضاء المجلس.

ونجحت الثورة الإسلامية في أن تُقدم إيران كنموذج جديد في ممارسة الحكم وإدارة الدولة، ضمن الإطار الإسلامي. 

أنتجت الثورة الإسلامية إيران دولة التطور والبحث العلمي. فقد ساهم التحوُّل البنيوي في النظام الإيراني، بتأمين الأرضية اللازمة لتحقيق الاكتفاء الذاتي للشعب الإيراني. كما انتقلت إيران من دولة تحتاج إلى الدعم في قطاع الصناعة إلى دولة مُصدرة للصناعات. بالإضافة إلى مرحلة التطور في البحث العلمي على الصُعد كافة وصولاً إلى الطاقة النووية. كثيرة هي الإنجازات التي حققتها الثورة الإسلامية على صعيد إيران الدولة، وهو ما لا يتسع التقرير لذكره. لكن هذه التحولات البنيوية، كان لها الكثير من الآثار المرحلية حينها والإستراتيجية التي امتدت إلى يومنا هذا. 

الثورة الإسلامية الإيرانية: نتائج التحوُّل وعالمية النموذج نتائج التحول الذي حققته الثورة الإسلامية على الصعيد الخاص بإيران كدولة، ألقى بآثاره على المنطقة والعالم. الأسباب عديدة، تتعلق من جهة بأيديولوجية الثورة الاسلامية بحد ذاتها ومبادئها الإنسانية الإسلامية الطابع، ومن جهة أخرى، تتعلق بالأداء الذي لعبته الجمهورية الإسلامية من خلال سياستها الإقليمية والدولية، ما انعكس دوراً نموذجياً أثبتته التجربة. فيما يخص البُعدين،منها : شكلت الثورة الاسلامية بحد ذاتها على الصعيد الأيديولوجي والتطبيقي نموذجاً تحررياً ينطلق من مبادئ راسخة تتصف بالعالمية والصلاح لكل زمان ومكان.

يكفي العودة لمبادئ الثورة، لملاحظة قيمها الإنسانية ذات الطابع الإسلامي، الأمر الذي يجعلها تتميز بأيديولوجية عابرة للمذاهب والطوائف والقوميات والانتماءات والجغرافيا. ما جعلها نموذجاً لحركات التحرر التي سُرعان ما تأثرت بها. 

أنهت الثورة الإسلامية بانتصارها مساراً تاريخياً امتد لفترة من الزمن، طغى عليه الرضوخ للقيم الغربية والتبعية للغرب والارتهان له على الأصعدة الثقافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية. وبالتالي صنعت الثورة منذ انتصارها مساراً جديداً حيث ساهمت شعاراتها في بناء ثقافة جديدة تؤمن برفض الهيمنة والاستعمار وسياسات الاستكبار ما أسس لنهضة الشعوب للدفاع عن مصالحها. 

مع مرور الزمن، أدى صمود النظام الإيراني الذي أنتجته الثورة الإسلامية، وسياساته الخارجية على الصعيدين الإقليمي والدولي، الى تشكيل نواة التحرر في المنطقة، ما بات يُعرف اليوم بمحور المقاومة. كما لم تكن السياسة الخارجية الإيرانية بعيدة عن تعزيز النفوذ والدور المشترك للأطراف الدولية المُمانعة للهيمنة الأمريكية. فكان محور الممانعة إحدى النتائج.

ساهم الخطاب الإنساني لقادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا سيما قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي، في تقديم النموذج الإسلامي بصورته الصحيحة. وهو ما أدى من جهة إلى تصدير الرؤية الإسلامية للعلاقة مع الآخر بصورتها الصحيحة الأمر الذي لقي احترام كافة شعوب العالم ، وساهم من جهة أخرى في إعادة الحق المسلوب للأمة الإسلامية عبر تقديم النموذج الإسلامي للحكم بصورته الصحيحة. ما شكل انقلاباً على سياسات الغرب التي ساهمت ولفترة طويلة في تشويه سمعة الإسلام وبالتالي الأديان كافة. 

لم تكن الثورة الإسلامية حدثاً تاريخياً بقدر ما ساهمت في التأسيس لمنعطفٍ تاريخي. قد نُعاني من أساليب تقديم هذا النموذج، ومدى القدرة على تقديمه بصورته الإنسانية الحقيقة. لكن التجربة، والتي باتت غنية، أصبحت كفيلة للخروج من لغة إثبات النوايا إلى لغة قراءة الأفعال والواقع.
فإذا كانت السياسات الخاصة بإيران الدولة شأناً داخلياً، فيمكن القول وبعد 41 عاماً من عمر الثورة الإسلامية، أن السياسات الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، شكَّلت نموذجاً يُقتدى به، للدولة القادرة على تعزيز مصالح أمنها القومي، دون التدخل أو حتى معارضة مصالح الشعوب الأخرى. هكذا قدَّم الإمام الخميني (رض) مشروعه الإنساني الخالد ضمن إطاره العالمي المُستكمل لمسيرة الأنبياء والرسل. فكانت الثورة الإسلامية الإيرانية، عالمية التجربة والنموذج.  

إنَّ تاريخ كلّ اُمة، هو ذاكرتها، التي يعتمد عليها أبناؤها،وهذا التاريخ لا يصوغه إلا العظماء الذين وقفوا حياتهم لخدمة مجتمعاتهم ونهضتها، ولذا كان التعرّف على سيرة هؤلاء العظماء ضرورياً لاستلهام الدروس والعبر منها، ولاسيّما في المراحل المفصلية من حياة الاُمم والشعوب، والتاريخ الإسلامي حافل بتلك النماذج والاُسوة ، و في مقدَّمتهم الرسول الأعظم (ص) والمعصومون الأطهار (ع) وأصحابهم الأخيار والعلماء الأفذاذ والشهداء الأبرار، والقائمة تطول، حتى عصرنا الراهن، الذي يتألق فيه إسم مفجِّر الثورة الإسلامية ورائد صحوتها ومؤسس جمهوريتها الإمام الخميني(ره) الذي استطاع أن يقود ثورة تحمل لواء الإسلام الأصيل ليدكّ بها حصون الاستكبار العالمي، وليسقط نظاماً فاسداً ديکتاتورين عميلاً للغرب.

إنَّ الرجال الربانيين أمثال الإمام الخميني(ره) وخليفته الإمام الخامنئي (دام ظله) من أولئك الصفوة الذين تجلَّت في روحهما خصال أوليائه فلم يحنيا رأسهما لعاصفة التحديات ولم يخشيا أحداً إلا الله، وقد تجسَّدت في شخصيتهما الإسلام المحمدي الأصيل ، فهم القادة الحقيقيون الذين يقاومون زيف الاعوجاج وزيغ الباطل ويصنعون صروح المجد بوعي الحكمة، فيصبحون كواكب في سماء المعالي، فيضيئون الزمان والمكان بجوهرة الحق والعدالة، ويؤمون البشرية نحو خالق الكون.

لقد کان الإمام الخميني(ره) أکبر شخصيةعلمية،سياسية، جهادية وإجتماعية في عصرنا الحاضر حيث استطاع ان يعرِّف الإسلام المحمدي الأصيل للعالم الإسلامي ويطبِّقه في المجتمع الإيراني،وبحق إنّه(ره) أعطى للأمة الإسلامية درساً بأنَّ  التمسك بتعاليم الإسلام الحنيف هو سلاح الاُمة الذي لا يستطيع أي سلاح أن يقهره، حيث تمكَّن به أن يؤسس نظاماً إسلامياً نموذجياً.

وبعد فقدان الإمام الخميني (ره) جاء دورتلميذه الوفي بمبادئه الإمام الخامنئي (دام ظله)، إستمراراً لنفس الخط الذي رسمه الإمام(ره) وبفكره السليم ونهجه القويم، وبقيادة حكيمة أيقظ ضمير الاُمة، وأعاد للثورة الإسلامية شعاعها المنير فبقيت قناديل الثورة مشتعلة وازدات إنارة وضياءً في العالم.

إنَّ الاُمة الإسلامية في عصرنا الحاضر، بحاجة ماسَّة  أكثر من أي وقت مضى إلى دراسة سيرة هذين الشخصيتين لتستلهم منهما روح الجهاد في سبيل الله، وتقتدي بهما لتستکمل صحوتها الإسلامية و ثوراتها ضد الظلم والطغيان والإستکبار.

ومن هذا المنطلق وعلی ضوء تلك الأهداف والقيم التي تمثَّلت بهذين القائدين إخترنا قبسات من تاريخ الثورة الإسلامية لمبارکة النيَّرة والمنيرة لطريق السائرين علی خط المقاومة ضد الظلم والعدوان لنعرضها بثوب جديد للاُمة الإسلامية لتنتفع بها في مختلف معارك الحياة (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَليمٍ ) .


الإمام الخميني(ره) والثورة الإسلامية

لاشک ان الحديث عن الثورة الإسلامية لا ينک عن الحديث عن شخصية الإمام الخميني(ره)  وفهو مقرون به  وقد إبتدأ الإمام الخميني (ره) جهاده ضد الظلم والإستبداد النظام الملکي البهلوي في عنفوان شبابه، وواصله طوال فترة الدراسة بأساليب مختلفة، ولاسيَّما مقارعته للمفاسد الاجتماعية والانحرافات الفكرية والأخلاقية، ففي عام 1943م، ومن خلال تأليفه ونشره لكتاب (كشف الأسرار) قام سماحته بفضح جرائم فترة العشرين عاماً من حكومة رضا شاه وتصدى الرد على شبهات المنحرفين دفاعاً عن الإسلام وعلماء الدين، كما أثار في كتابه هذا فكرة الحكومة الإسلامية، وضرورة النهوض لإقامتها.

وانطلق الإمام الخميني(ره) في نضاله العلني ضد الشاه عام 1962م، وذلك حينما وقف بقوة ضد لائحة (مجالس الأقاليم والمدن)، والتي كان محورها محاربة الإسلام، فالمصادقة على هذه اللائحة من قِبل الحكومة آنذاك كانت تعني حذف الإسلام كشرط في المرشحين والناخبين، وكذلك إقرار اليمين الدستورية بالكتاب السماوي بدلاً من (القرآن المجيد)، بيد أنّ سماحته هبّ لمعارضة هذه اللائحة، ودعا المراجع والحوزات العلمية وأبناء الشعب للنهوض دون هذه المبادرات المشئومة، وعلى إثر برقيات التهديد التي بعثها إلى رئيس الوزراء وقتئذ، وخطاباته التي فضحت الحكومة، وبياناته القاصمة، وتأييد المراجع لمواقفه، انطلقت المسيرات الشعبية الحاشدة في كلٍّ من مدينة (قم) و(طهران) وسائر المدن الأخرى، مما اضطُرت السلطة إلى إلغاء اللائحة والتراجع عن مواقفها.

ودفعت مواصلة السلطة لارتكاب إحدى حماقاتها التي تمثّلت في مهاجمة الحوزة العلمية (المدرسة الفيضية) بمدينة (قم) في الحادي والعشرين من آذار عام 1963م، وما هي إلاّ فترة وجيزة حتى انتشر خطاب وبيانات الإمام الخميني (ره) حول هذه الفاجعة في مختلف أنحاء إيران، وفي عصر العاشر من محرّم الحرام عام 1383 للهجرة (3/6/1963م) فضح سماحته عبر خطاب حماسي غاضب، العلاقات السرّية القائمة بين سلطة الشاه و(إسرائيل) ومصالحهما المشتركة، وفي الساعة الثالثة من بعد منتصف ليل اليوم التالي، حاصرت القوات الشاه الخاصة بيت الإمام الخميني(ره)، وتم اعتقاله وإرساله مكبّلاً إلى (طهران).

وانتشر خبر الاعتقال بسرعة خاطفة في مختلف أنحاء إيران وبمجرّد أن سمعت الجماهير نبأ اعتقال الإمام(ره) نزلت إلى الشوارع منذ الساعات الأولى لفجر الخامس من حزيران 1963م، وراحت تعبّر عن استنكارها لعمل الحكومة في تظاهرات حاشدة، أعظمها تظاهرة قم المقدسة، التي شهدت أكبر هذه الاستنكارات، والتي هاجمتها قوات النظام بالأسلحة الثقيلة، وكان نتيجتها سقوط العديد من المتظاهرين مضرّجين بدمائهم.

ومع إعلان سلطة الشاه الأحكام العرفية في (طهران)، اشتد قمع تظاهرات أبناء الشعب في تلك الأيام، حيث قتلت وجرحت قوات الحكومة العسكرية الآلاف من أبناء الشعب الايراني الأبرياء. وكانت مذبحة الخامس من حزيران 1963م بدرجة من القسوة والوحشية تناقلت أخبارها وسائل الإعلام العالمية والمحلية.

وأخيراً، ونتيجة لضغط الرأي العام واستنكار العلماء وأبناء الشعب في داخل البلاد وخارجها، اضطرت الحكومة الشاهنشاهية إلى إطلاق سراح الإمام بعد عشرة أشهر تقريباً.

لکن الإمام الخميني(ره) استمر يواصل جهاده عبر خطاباته الفاضحة للنظام شاه المقبور، وبياناته المثيرة للوعي، وفي هذه الأثناء، صدرت مصادقة الحكومة على لائحة (الحصانة القضائية) التي تنص على منح المستشارين العسكريين والسياسيين الأمريكيين الحصانة القضائية، فأثار غضب قائد الثورة وسخطه. فما أن اطلع الإمام الخميني (ره) على هذه الخيانة؛ حتى بدأ بتحركاته الواسعة، وقام بإرسال مبعوثيه إلى مختلف أنحاء إيران، وهو يعلن لأبناء الشعب عن عزمه على إلقاء خطاب في العشرين من جمادى الآخرة عام 1383هـ.  وفعلاً لقد ألقى الإمام خطابه الشهير في اليوم المحدَّد، دون أن يعبأ بتهديد النظام ووعيده، فانتقد لائحة الحصانة القضائية، وفي بيانه بشدة على الرئيس الأمريكي وقتئذ.وإذا بمرتزقة نظام الشاه مرة اُخرى حاصرت بيت الإمام الخميني في مدينة قم، وذلك في طليعة يوم الثالث من تشرين الثاني عام 1964م،وبعد اعتقاله ، سيق مباشرة إلى مطار (مهر آباد) بطهران، ومن هناك تمَّ نفيه أوَّلاً إلى مدينة (أنقرة عاصمةتركيا)، ومن ثمَّ إلى مدينة (بورساي) التركية، وقامت قوات الأمن الإيراني والتركي المكلّفة بمراقبة الإمام(ره) بمنعه من ممارسة أي نشاط سياسي أو اجتماعي.

إستغرقت إقامة الإمام الخميني (ره) في منفاه  بتركيا أحد عشر شهراً، وخلال هذه الفترة، عمل نظام الشاه بقسوة لم يسبق لها مثيل على تصفية بقايا المقاومة في إيران، وقد منحت الإقامة الجبرية في تركيا للإمام الخميني فرصة اغتنمها في تدوين كتابه الفقهي (تحرير الوسيلة)، حيث تطرّق فيه لأول مرة آنذاك إلى الأحكام المتعلقة بالجهاد، والدفاع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسائل المعاصرة.

وفي يوم 5/10/1965م نُقل الإمام(ره) برفقة ابنه السيد مصطفى(ره)، من تركيا إلى منفاه الثاني بالعراق، ليقيم في مدينة (النجف الأشرف)، ومن منفاه في (النجف) كان الإمامالخميني (ره)، إضافة إلى انشغاله بتدريس الفقه لمرحلة (البحث الخارج) وعرضه للمبادئ النظرية للحكومة الإِسلامية، التي عنونت بمبحث (ولاية الفقيه)، كان يتابع بدقة الأحداث السياسية التي تشهدها إيران والعالم الإسلامي، رغم كل الصعوبات الموجودة، وكان حريصاً على إيجاد قنوات الاتصال مع الثوريين في إيران، ومع عوائل شهداء انتفاضة الخامس من حزيران، والسجناء السياسيين بشتى السبل، وقد وفّر وجود الإمام(ره) في العراق الفرصة لأن يكون على اتصال مباشر بالمؤمنين والطلبة المسلمين الموجودين خارج البلاد بنحو أفضل من السابق، وكان لذلك دور كبير في نشر أفكاره وأهداف النهضة على المستوى العالمي، فأثناء اعتداءات الكيان الصهيوني والحروب العربية الإسرائيلية، بذل الإمام الخميني (ره) جهوداً كبيرة في الدفاع عن نهضة المسلمين الفلسطينيين ودول خط المواجهة، من خلال اللقاءات المتعددة التي كان يجريها مع زعماء الفصائل الفلسطينية المناضلة، وقيامه بإرسال المبعوثين إلى لبنان، وإصدار فتواه التاريخية المهمة التي اعتبرت تقديم الدعم العسكري والاقتصادي لثورة الشعب الفلسطيني والبلدان التي تتعرض للاعتداءات الصهيونية، واجباً شرعياً، وكان ذلك من جملة النشاطات التي تصدر ولأول مرة من أحد مراجع الشيعة الكبار.

وفي الوقت الذي كان الشاه يعيش ذروة جبروته وقمَّتها، وكان يحضّر للاحتفال بمرور ألفين وخمسمائة عام على تأسيس الإمبراطورية الشاهنشاهية، وكان منهمكاً في إيجاد نظام الحزب الواحد في البلاد، حزب (رستاخيز) كانت خطابات الإمام(ره) ونداءاته تشحذ الهمم وتبعث الأمل في مثل هذه الظروف، وتزيد من عزم المناضلين ومقاومتهم، الذين كانوا يتعرضون في غياهب السجون إلى أشد أنواع التعذيب الوحشي على أيدي أفراد (السافاك).

في تاريخ23/10/1977م إستشهدآية الله السيد مصطفى الخميني النجل الأكبر للإمام (ره)  علی يد أزلام نظام الشاه، وكانت مراسم العزاء التي أقيمت في إيران، بمثابة نقطة الانطلاق لانتفاضة الحوزات العلمية ثانية، وانتفاض المجتمع الإيراني المؤمن، وقد وصف الإمام الراحل (ره) هذا الحادث المؤلم بأنَّه من الألطاف الإلهية الخفية.

وفي غضون ذلك، بادر نظام الشاه إلى الانتقام من الإمام الخميني والشعب، بنشره مقالاً في إحدى الصحف اليومية الرسمية للبلاد، يسيء إلى الإمام الخميني (ره)،فأثار المقال استنكاراً واسعاً بين صفوف أبناء الشعب، وقاد إلى اندلاع انتفاضة التاسع عشر من شهر دى (1356هـ. ش = 9/1/1978م) في مدينة (قم)، والتي قُتل فيها العديد من طلاب العلوم الدينية، وعمّت مختلف أنحاء البلاد في فترة قياسية، في كلٍّ من مدينة (تبـريز) و(يزد) و(جهرم) و(شيراز) و(أصفهان) و(طهران).

وطوال هذه الفترة، كانت نداءات الإمام الخميني (ره) المتتالية، وأشرطة التسجيل المتضمنة لخطاباته ، التي كان يدعو الناس فيها إلى الثبات والاستقامة ومواصلة النضال والثورة حتى انهيار أركان السلطة وتشكيل الحكومة الإسلامية، كانت تسجَّل وتوزَّع على مساحة واسعة من إيران من قِبل أنصار الإمام وأتباعه.

وفي اللقاء الذي جمع وزيرَي خارجية إيران والعراق (انذاك) في نيويورك، قرر الطرفان إخراج الإمام (ره) من العراق، وفي 24/9/1978م حاصرت القوات البعثية منزل الإمام الخميني في (النجف الأشرف)، وأبلغت الإمام بأنّ دوام إقامته في العراق مشروط بإيقاف نشاطاته السياسية، والتخلي عن النضال. وأصرّ الإمام على مواقفه، ولم يركن للضغوطات البعثية، مما دفعه إلى ترك (النجف الأشرف) في 24/10/1978م، بعد ثلاثة عشر عاماً من النفي، متوجهاً إلى الكويت، إلاّ أنّ الحكومة الكويتية - وبطلب من نظام الشاه - منعت الإمام (ره) من دخول أراضيها، وبعد أن تشاور الإمام الخميني مع ابنه المرحوم حجة الإسلام والمسلمين السيد أحمد الخميني (ره) قرّر الهجرة إلى باريس.

وصل سماحته باريس في 26/ 10/ 1978م، وفي اليوم التالي انتقل للإقامة في منزل أحد الإيرانيين
بـ (نوفل لوشاتو) من ضواحي باريس. وفي غضون ذلك، قام مبعوث قصر (الإليزيه) بإبلاغ الإمام طلب الرئيس الفرنسي (جيسكار ديستان)، بضرورة اجتناب أي نوع من النشاط السياسي، فكان رد الإمام حازماً، إذ صرّح بأنّ هذا النوع من المضايقات يتعارض مع ادعاءات الديمقراطية، وأنَّه لن يتخلى عن أهدافه حتَّى ولو اضطره ذلك إلى التنقل من مطار إلى آخر ومن بلد إلى آخر.

فاستمر الإمام الخميني(ره) بنشاطه السياسي من نوفل لوشاتو فترة الأربعة أشهر من إقامته فيها، وأضحت حوارات الإمام ولقاءاته المختلفة مع حشود الزوار الذين كانوا يتدفقون على (نوفل لوشاتو) من مختلف أنحاء العالم، سبباً في أن يتعرف العالم أكثر فأكثر على أفكار الإمام وآرائه بشأن الحكومة الإسلامية والأهداف القادمة للثورة.
 
                                       عودة الإمام الخميني إلی الوطن وإنتصار الثورة الإسلامية

 أعلن الإمام الخميني(ره) قائد الثورة الإسلامية للشعب من باريس عن تشكيل مجلس قيادة الثورة وتعيين أعضائه، وقرّر الشاه بدوره الخروج من البلاد في تاريخ 16/1/1979م، تحت ذريعة المرض والحاجة إلى الراحة، ولقد أثار خبر فرار الشاه من البلاد، موجة من البهجة والسرور بين صفوف أبناء الشعب، وزاد من عزيمتهم على مواصلة النضال حتى إسقاط النظام، كما أوجد قرار الإمام في عودته إلى الوطن موجةً من الفرح والأمل في قلوب أبناء الشعب، ممَّا قاد أعداء الثورة إلى ارتكاب حماقات ذليلة، حيث قام نظام الشاه بتعيين رئيس وزراء  بختيارـ وبعد التشاور والتنسيق مع الحكومة الأميركية ـ بإغلاق مطارات البلاد بوجه الرحلات الخارجية.

وتدفقت حشود أبناء الشعب إلى العاصمة الإيرانية (طهران) من شتى أنحاء البلاد، لتلتحق بالتظاهرات المليونية التي قام بها أبناء مدينة (طهران)، والتي كانت تطالب بفتح المطارات لقدوم الإمام ،وانصاع نظام الشاه لمطالب الشعب، واضطربختيارلفتح مطار (مهر آباد) بطهران، ووصل مفجر الثورة الإسلامية إلى أرض الوطن في الأول من شباط عام 1979م، بعد أربعة عشر عاماً من النفي،وكان استقبال الشعب الإيراني المنقطع النظير للإمام الخميني (ره) بدرجة من العظمة أجبرت وكالات الأنباء الغربية على الاعتراف به، حتى أنّ بعضها قدّرت عدد المستقبلين ما بين أربعة ملايين إلى ستة ملايين شخص فنزل الإمام من الطائرة وتوجه مباشرة مع الحشود الكبيرة من الشعب إلى مراقد الشهداء في بهشت زهراء (جنة الزهراء). وأعلن في نفس اليوم وفي كلمته الأولى في أرض الوطن عن تشكيل الحكومة المؤقتة، رغم وجود حكومة الشاه، والتي ما زالت تمارس مهامها، وفي 5/2/1979م، وبتعيين رئيس الوزراء، كُلّفت الحكومة المؤقتة بالتحضير لإجراء الاستفتاء العام وإقامة الانتخابات.

وفي الثامن من شباط 1979م، بايع عناصر القوة الجوية الإمام الخميني (ره) في محل إقامته في المدرسة العلوية بطهران. وفي التاسع من شباط، وحيث عزمت قوات الخاصة الشاهنشاهي  إلى قمع انتفاضة منتسبي أهم قاعدة جوية بطهران، أخذ أبناء الشعب ينزلون إلى الشوارع لحماية القوات الثورية، وفي العاشر من شباط عام 1979م، راحت مراكز الشرطة والمؤسسات الحكومية تسقط الواحدة تلو الأخرى بأيدي أبناء الشعب.

ولكي يتسنى لحكومة الشاه تنفيذ الانقلاب العسكري الذي تمَّ التخطيط له بمساعدة المستشارين الأميركيين المقيمين بطهران، أصدر الحاكم العسكري لطهران بياناً أعلن فيه عن زيادة عدد ساعات منع التجوال ابتداءاً من الساعة الرابعة عصراً.

وفي غضون ذلك، كان ردّ فعل الإمام(ره) أن دعا أبناء مدينة (طهران)، خلال بيان أصدره، للنزول إلى الشوارع وإحباط المؤامرة الوشيكة الوقوع، وإلغاء الأحكام العرفية عملياً. ونزلت الجموع، من النساء والرجال الصغار والكبار، إلى الشوارع وراحت تقيم الخنادق، وما أن أخذت تتحرك أُولى دبابات الشاه وحاملات الجنود من معسكراتها، حتى بادر أبناء الشعب إلى إيقافها وتعطيل عملها، وبذلك تمَّ القضاء على آخر القوات التابعة لنظام الشاه.
وفي فجر الحادي عشر من شباط 1979م (22/ بهمن/ 1357هـ. ش)، أشرقت أرض إيران بانتصار الثورة الإسلامية المباركة.
 
                                        تشكيل الحكومة الإسلامية ومكتسباتها

لم يمضِ سوى شهرين على انتصار الثورة، حتى أعلن الشعب الإيراني، في واحدة من أكثر الاستفتاءات حريةً في تاريخ إيران، عن تأييده بنسبة 98.2 بالمئة لإقامة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، وتلت ذلك الانتخابات السياسية تدوين الدستور والمصادقة عليه، وإقامة انتخابات الدورة الأولى لمجلس الشورى الإسلامي.كما استطاع الإمام الخميني (ره) في السنوات التي أعقبت انتصار الثورة الإسلامية، رغم المؤامرات المتلاحقة لأعداء الإسلام، وفي مقدّمتهم أميركا،  استطاع الإمام عبر توجيهاته وقراراته، بتشكيل المؤسسات الثورية والمراكز الحيوية، کجهاد البناء  و(لجنة الإمام الخميني للإغاثة) و(مؤسسة 15 خرداد) و(مؤسسة الإسكان) و(مؤسسة الشهيد) و(مؤسسة المستضعفين) ومؤسسة (نهضة محو الأمية) و... التي شملت بخدماتها أقصى نقاط إيران وأكثر القرى والأرياف المحرومة، هي من جملة الإنجازات التي تحققت في حياة الإمام الراحل (ره). كما أنّ تشكيل كلٍّ من (لجان الثورة الإسلامية) و(قوات حرس الثورة الإسلامية)، وإعادة تنظيم (جيش الجمهورية الإسلامية في إيران)، ودور هذه الكيانات في المحافظة على الأمن، وردّ العدوان ، وإحباط مؤامرات الأعداء، تعدّ من الإنجازات الكبيرة والباهرة للثورة الإسلامية.
ومن جملة الأمور التي تحققت بتأكيد الإمام الخميني (ره)  ومتابعته لها شخصياً، التحول الذي شهدته الحوزات العلمية الدينية، وإعادة النظر في مناهج المدارس والجامعات،  وإنشاء الجامعات ومراكز التعليم العالي في المناطق المحرومة.

ومن المواقف المهمة الأخرى التي صدرت عن الإمام الخميني (ره) في الأشهر الأخيرة من عمره المبارك، والتي تستحق التأمل، الرسالة التي بعثها إلى (غورباتشوف)، آخر رؤساء الاتحاد السوفيتي السابق، ففي هذه الرسالة التي بعث بها في 1/1/1989م أشار الإمام، ضمن تحليله للتحولات التي شهدها الاتحاد السوفيتي، إلى عجز النظام الماركسي الإلحادي عن إدارة المجتمع، وأعلن بأنّ مشكلة الاتحاد السوفيتي الأساسية تكمن في عدم إيمان قادته بالله.
وبعد عشرة أعوام من تجربة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، بعث الإمام الراحل (ره) بتاريخ 24/4/1989م رسالة إلى رئيس الجمهورية وقتئذ (سماحة الامام الخامنئي) أوكل فيها إلى لجنة من أصحاب الرأي والخبراء مسؤولية دراسة وتدوين التعديلات اللازمة في الدستور على أساس محاور حدّدها في الرسالة، منها عدم إشتراط المرجعية في قيادة الثورة ،وکل ذلك بدافع إصلاح وتكميل تشكيلات النظام الإسلامي وتعبيد الطريق أمام الشخص اللائق والأصلح لقيادة الثورة والحكومة الإسلامية من بعده.
إنّ مثل هذا القرار ونظائره يشير بوضوح إلى أي حدّ كان هاجس ترسيخ وتقوية أركان الحكومة الإسلامية يشغل فكر الإمام (ره)، وكيف أنه كان ينتهز كل فرصة ليمهّد الأرضية ويعبّد الطريق أمام تطبيق الأحكام الإسلامية واستمرار حكومة ولاية الفقيه وتعيين مصداقه الأصلح على أحسن وجه.
 
رحيل الإمام إلى الملكوت الأعلى
الإمام في أيامه الأخيرة
لقد كان الإمام (ره) في أيامه الأخيرة مثالاً للصبر على الشدائد والسكينة والطمأنينة في استقبال الموت، وذلك ما نتلمّسه من خلال ما قاله مقرّبون له ممن كانوا معه في تلك الأيام واللحظات الأخيرة من عمره  فهذا آية الله الخامنئي يقول : « لم يغفل الإمام وإلى آخر لحظة عن ذكر الله والدعاء والصلاة، وقد ذكر الحاج السيد أحمد أن الإمام بدأ يصلي منذ ضحى اليوم الأخير من حياته دون انقطاع ولم نكن نعرف أي صلاة يقيمها، لكنه سأل بعد فترة من الانشغال بالصلاة: «هل حان وقت صلاة الظهر؟» أجابوا: نعم، فأقام صلاتي الظهر والعصر.وكان يردد التسبيحات الأربعة: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبـر) إلى أن أغمي عليه (الإغماء الأخير) .


الساعة العاشرة والثلث من ليل يوم الثلاثاء(13 خرداد سنة 1368هـ.ش) = 4/ حزيران/ 1989م كانت لحظة الانتقال إلى العالم الآخر، وتوقف عن العمل قلبٌ أحيا ملايين القلوب بنور الله، والمعنويات، وقد صُوِّرت أيام مرض الإمام، والعملية الجراحية، ولحظة لقاء الحق بواسطة آلة تصوير خفية وضعت من قبل عشاق الإمام في المستشفى، وعندما بُثّت الصور عن حالات الإمام المعنوية، وهدوئه في تلك الأيام والساعات، أحدث ذلك ثورة في القلوب لا يمكن إدراكها إلا بالتواجد في ذلك المكان، الشفاه كانت دائماً تتحرك بذكر الله، في آخر ليلة من حياته، وبعد خضوعه لعدة عمليات جراحية صعبة وطويلة، في سن 87 سنة([6])، وفي حال أن عدة إبر مصل كانت موصولةً بيده؛ كان يصلي صلاة الليل، ويقرأ القرآن، في الساعات الأخيرة كان لديه طمأنينة، وهدوء ملكوتي، وكان يذكر دائماً الشهادة بوحدانية الله ورسالة النبي(ص)، وبهذه الحالة ارتفعت روحه إلى الملكوت الأعلى، وترك رحيله في القلوب حرقة لا تلتئم.
عندما انتشر خبر الرحيل، كأن زلزالاً عظيماً قد حدث،و تفجرت الأحزان، وبكت إيران كلها، لا بل بکی كل من عرف الإمام الخميني (ره) في العالم، وسمع كلامه،  لم يكن أي قلم، أو بيان قادراً على وصف آثار الحادثة.
إن ملحمة كثرة الجموع وعظمة وحماس وحضور الناس في يوم دخول الإمام الخميني إلى الوطن في 12 بهمن 1357هـ.ش (1 شباط 1979م)، تكرّرت بشكل أعظم في مراسم تشييع الإمام وهي تعتبر بحق من عجائب التاريخ.
وقد قدرت وسائل الإعلام الرسمية العالمية جموع المستقبلين سنة (1357هـ.ش، 1979م) بستة ملايين شخص، وجموع الحاضرين في مراسم التشييع بتسعة ملايين شخص.
 
الإرث الخالد للإمام الخميني (ره)
ينبغي على الأمة التي عاشت في ظل بركات ثورة الإمام(ره)، ونهلت من معين فكره، واكتسبت العزة بخطه، أن تتحمل إرثه المبارك وفاءً لهذه الشخصية الفريدة والنسمة المباركة من خلال مايلي:
أولاً- الوفاء لشخصه: من خلال وسائل عديدة أهمها تركيز البعد العاطفي في العلاقة بيننا وبين شخص الإمام بعد رحيله، ونجعل منه بهذا الرابط امتداداً حقيقياً للحسين (ع) وقضيته، فيبقى خالداً كجده
الحسين (ع) بفكره وعطائه وثورته.

ثانياً- الوفاء لخطّه ومدرسته: لقد تميّز خط الإمام (ره) بالأصالة الإسلامية، واستقاء الفكرة والمنهج، وتحديد الهدف والطريق، وغيرها من القرآن والسنة خالصاً من كل شائبة، غير متأثر بأي شيء آخر غيرها، وعلى الأسس والقواعد الشرعية في التعامل مع مصادر الشرع والفكر الإسلامي.
مدرسة الإمام كانت وما زالت مدرسة عملية وواقعية مع كل ما تطرحه من أهداف، وآمال كبيرة والاهتمام بهذا التراث، ودراسته ونشره والعمل به يعتبر من أكبر مصاديق الوفاء للإمام والاستمرار على نهجه، فينبغي على الملتزمين بفكره أن يحيوا هذا التراث بشتى السبل، ويحافظوا على شعارات خط الإمام حية فاعلة، ويجسدوا مبادئه القويمة في سلوكهم وممارساتهم، ويصرفوا الجهد الأكبر والطاقة العظمى في إطار هذا الأمر المهم.
ثالثاً- الوفاء لأعماله وإنجازاته:  نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، يعتبر ثمرة دماء الشهداء، وتضحيات المجاهدين تحت ظلّ توجيهات الإمام الخميني (ره) وهو خلاصة وعصارة أعمال الإمام وإنجازاته. ووفاءً لروح الإمام (ره) ولدماء الشهداء الأبرار ينبغي العمل على الحفاظ على ذلك الانجاز العظيم بكل الوسائل الممكنة والمتاحة.
 
انتخاب خليفة الإمام(ره)
لقد كانت مسألة وجود خليفة للإمام (ره)يقود مسيرة الثورة إلى أهدافها المنشودة بكل أمانة وإخلاص من مصاديق بُعد النظر،والفكر الاستراتيجي الذي كان يتحلّى به الإمام
الخميني (ره)، فعمل على تخريج عدد كبير من الفقهاء والمفكرين من مدرسته، ليؤدوا رسالتهم ودورهم المبارك، وقد أثبتت الأيام أنهم بحق صمام أمان هذه الأمة، وروّاد طلائعها وحصون مبادئها، يشغل الواحد منهم مساحة كبيرة من وعي الأمة، ويحتضن شريحة واسعة من أبنائها، ومن أبرز هذه الفئة المباركة، سماحة الامام الخامنئي(دام ظله)

لقدحدد الدستور طريقة تشخيص ولي الفقيه والقائد واختياره، إذ أوكل هذا الأمر المهم إلى مجلس الخبراء، الذي ضمَّ أربعة وسبعين مجتهداً من أهل الخبرة آنذاک، فبعد يوم من رحيل الإمام وهو اليوم الرابع عشر من خرداد سنة 1368هـ. ش، 4 حزيران 1989م، اجتمع أعضاءمجلس الخبراء، وبعدماقرأ الامام الخامنئي(دام ظله) وصية الإمام الخميني (ره) التي طالت أكثر من ساعتين، بدأ البحث وتبادل الآراء لاختيار خليفة للإمام(ره)، وقائد للثورة الإسلامية، وبعد عدة ساعات اجتمعت كلمتهم بأغلبية ساحقة على تأييد سماحة  الإمام الخامنئي(دام ظله) كفقيه ولي جدير لتولي مسئولية ولاية الفقيه بعد فقدان الإمام (ره)، وقيادة نظام الجمهورية الإسلامية،(رئيس الجمهورية في ذلك الوقت).  وقد أصدر مجلس الخبراء في ختام اجتماعه الطارئ بياناً تاريخياً مهماً هذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم بعد تقديم مجلس الخبراء للتعازي برحيل إمام الأمة وقائد الجمهورية الإسلامية في إيران ومؤسسها، ومع الإدراك العميق لمسؤوليته التاريخية، وبالنظر للموقع الرفيع والحساس لمنصب القيادة في نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، ومع الاهتمام البالغ الذي أولاه سماحة إمام الأمة ومؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران (رضوان الله تعالى عليه) في نداءاته وبياناته المتكررة، وخاصة أوامره وإرشاداته بشأن القيادة، وبالنظر للأسس المتعلقة بالدستور، ومع الإحساس الكامل بمؤامرات الخناسين وأعداء الإسلام في الداخل والخارج تجاه مستقبل النظام الإسلامي المقدس، ومن أجل الاستعداد اللازم لمواجهة أية حادثة، وبالنظر للظروف الداخلية والخارجية، وباستلهام المضامين الربانية الرفيعة لوصية سماحة إمام الأمة الإلهية السياسية المهمة جداً، فإن مجلس الخبراء انتخب في اجتماعه الطارئ، المنعقد بتاريخ 14/3/68 هــ. ش سماحةالامام الخامنئي لقيادة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران بأكثرية أربعة أخماس الأعضاء الحاضرين، 60 صوتاً مؤيداً من 74 عضواً حاضراً.

وبهذا الإنتخاب يئس أعداء الثورة والإستکبار العالمي الذين كانوا يعدون أنفسهم لزمان موت الإمام الخميني(ره).، ورحيل الإمام (ره) لم يكن نهاية طريقه. وحيث صرَّح الإمام الراحل(ره) بنفسه في وصيته: «وليعلموا أنه بذهاب خادم سوف لن يحصل خلل في السد الحديدي للشعب، فإنّ هناك خداماً أسمى وأفضل يخدمون الآن،.. ».
 ولعلَّه أراد الإمام(ره) أن يشير إلی قوله تعالی:«ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها» .وقد حدَّد الإمام(ره) معنی هذه الآية في رسالته التي أرسلها إلی الامام الخامنئي(دام ظله) وخاطبه بقوله: «إنني أعتبرك أحد الأركان القوية للجمهورية الإسلامية، وأخاً عالماً بالمسائل الفقهية وملتزماً بها وحامياً للمباني الفقهية المرتبطة بالولاية المطلقة للفقيه، ومن الأفراد النادرين من بين الأصدقاء الملتزمين بالإسلام والمباني الإسلامية، وكالشمس تسطع بالنور»، (21/1/66 هـ.ش).
 
الإمام الخامنئي(دام ظله).. استمرارٌ للمسيرة
لقدتصدى الإمام الخامنئي(دام ظله)  بانتخاب أهل الخبرة لمقام القيادة والولاية الشرعية، وأصبحت مهمة الدفاع عن الجمهورية الإسلامية منوطةً به، وموكولة إلى قيادته، وحكمته في إدارة الثورة والدولة والاُمة،وقد بدأ عصر الإمام الخميني (ره) بشكل أوسع مما سبق، حيث أثبت الإمام الخامنئي (دام ظله) بقيادته الحكيمة، وقدرته السياسية والإدارية، وبمنهجه الشامل، بقاء الإمام (ره) بشخصه وفكره وليس هذا بغريب فلقد كان(دام ظله) في طول مسيرته التلميذ الوفي لأستاذه عاملاً بآرائه مقتدياً بسيرته ناهجاً خطه، وقد عاهد ربَّه والأمة، بعد اختياره لتولي هذا المقام، على البقاء أميناً على هذه المبادئ، وليس هذا بغريب فلقد كان التلميذ الوفي لأستاذه ، عاملاً بآرائه مقتدياً بسيرته، وقد عاهد ربَّه والاُمة، بعد اختياره لتولي هذا المقام، على البقاء أميناً على هذه المبادئ، ومدافعاً عن الإرث الخالد للإمام الخميني (ره) وهو نظام الجمهورية الإسلامية.
ولقد تکلم سماحة الإمام الخامنئي (دام ظله)  بعد اختياره لقيادة الجمهورية الإسلامية قائلاً: «إنّ الخطوط الرئيسة للثورة هي تلك التي رسمها الإمام، أمّا الأعداء السذّج الطامعون ذوو القلوب العمياء والذين ظنّوا أنه برحيل الإمام، يبدأ عصر جديد بمعالم جديدة متميزة عن عصر الإمام الخميني(ره) فهم مخطئون. إنّ الإمام الخميني حقيقة حية دائماً، اسمه لواء هذه الثورة، وطريقه طريق هذه الثورة وأهدافه أهداف هذه الثورة».

ومن هذا المنطلق ينبغي على السائرين على خط الإمام (ره) أن يسخّروا جميع إمكانياتهم وقدراتهم، ويضعوها تحت تصرفه حتى يتمكن من النجاح في أداء مهمته الخطيرة، فإن الإيمان بولاية الفقيه يجعل من الائتمام بالقائد الإمام الخامنئي(دام ظله) واجباً على كل مسلم غيور.
 
ثورةالإمام (ره)واهدافها في كلام الإمام الخامنئي (مد ظله)
يصف الإمام الخامنئي أهداف الإمام الراحل من ثورته الإصلاحية الکبری قائلاً «الأهداف الكبرى التي عرضها الإمام الراحل  هي: مكافحة الاستكبار العالمي، والحفاظ على الاعتدال الأكيد على منهج »لا شرقية ولا غربية« والإصرار الكبير على الاستقلال الحقيقي والشامل للشعب - الاكتفاء الذاتي بالمعنى التام للكلمة - التشديد الأكيد واللامتناهي على حفظ المبادئ الدينية والشرعية والفقهية الإسلامية، وتحقيق الوحدة والتضامن، والاهتمام بالشعوب المسلمة والمظلومة في العالم، وإعزاز الإسلام والشعوب المسلمة وعدم الفزع من القوى العالمية الكبرى، وتوفير القسط والعدل في المجتمع الإسلامي، والدعم السخي الدائم للمستضعفين والمحرومين والطبقات الضعيفة من المجتمع وضرورة الاهتمام بها. كلنا كان شاهداً على أن الإمام واصل مسيرته في هذه الخطوط بكل إصرار وبلا أي تردد. وعلينا متابعة سبيله وأعماله الصالحة ومسيرته الدؤوبة».
ويقول الإمام الخامنئي في کلمة بمناسبة ذکری رحيل الإمام يلخِّص فيها کافة مشروع الإمام الإصلاحي فيقول:« يتلخص محور كافة المبادئ والقواعد في مشروع إمامنا الكبير في أمرين: الإسلام والشعب،و حتى الإيمان بالشعب استقاه إمامنا الكبير من الإسلام. الإسلام هو الذي يشدد على حق الشعوب وأهمية أصواتها وتأثير جهادها وتواجدها. لذلك جعل الإمام الجليل الإسلام والشعب محور مشروعه... جعل المحور عظمة الإسلام والشعب، واقتدار الإسلام، واقتدار الشعب، وصلابة الإسلام، وصلابة الجماهير».
 
                                      تبني قضايا الاُمة الإسلامية والمستضعفين في العالم
بما أن الثورة الاسلامية قام بها شعب مسلم من أجل عزته وكرامته، ودفاعاً عن مبادئه وعقيدته الإسلامية المستهدفة، وأنّ قائد الثورة يعتبر من كبار فقهاء المسلمين في العصر الحديث، فمن الطبيعي والمنطقي أن تتحمل الثورة وقيادتها مسؤولية الدفاع عن هموم الأمة ومشاكلها، ومنها تحرير القدس القضية الکبری للمسلمين .

القدس تلک المدينة المقدسة في جميع الأديان  وفيها المسجد الأقصى المبارک وهو القبلة الأولى للمسلمين وثالث الحرمين الشريفين في الإسلام، وهو الآن لا زال تحت الإحتلال الکيان الغاصب لفلسطين.

ولقد وجَّه الإمام الخميني (ره) أنظار المسلمين نحو مشكلة اعتبرها أمَّ المشاكل وأمَّ القضايا بل القضية المركزية الأهم، ألا وهي القضية الفلسطينية والقدس، حيث اعتبر الإمام (ره) أن هذه القضية ليست مجرد صراع حول أرض من أراضي المسلمين بل هي رمز لمواجهة الاستكبار العالمي للإسلام والمستضعفين فينبغي أن تحتل الحيز الأكبر والمرتبة الأولى من بين قضايا الأمة والشعوب، وكذلك الحكام.

وفي سبيل هذه القضية ولكونها محورية تهم جميع المسلمين، ويمكن لها أن تساهم بشكل كبير في توحيد المسلمين، أعلن (ره) أخر جمعة من كل رمضان يوم القدس العالمي بعد أشهر قليلة من قيام الجمهورية الإسلامية أي في تموز من العام 1979م.

إن الهدف من إعلان آخر جمعة من رمضان المبارك يوماً للقدس، ليس الوقوف عند حد الشعارات والهتافات، بل لأجل أن تتحد الشعوب والدول الإسلامية أكثر من أي وقت مضى لتستعد للجهاد لأخذ حق الشعب الفلسطيني، وإلحاق الهزيمة بالعدو الصهيوني ،وإزالة هذه البقعة السوداء من خارطة العالم الإسلامي .

لقد عاشت فلسطين ومقدساتها في قلب الإمام«قده»  ، وكانت معه في محطات حياته كلها، وكان «رضوان الله عليه» يؤكد بأقواله وأفعاله ومواقفه العلاقة بين الجمهورية الإسلامية في إيران وفلسطين، كبلدين إسلاميين، وشعبين مسلمين، وكانت أمنيته أن ترجع فلسطين إلى مكانها في العالم الإسلامي ، وكان أمله الصلاة في مسجدها الأقصى ، لذلك سعى جاهداً لتحريض المسلمين في كل مكان وتوعيتهم للقضاء على الصهيونية لتحرير فلسطين،  ولهذا فمن أولى واجباتنا كمسلمين أن نعمل ، ونتعاون ونتَّحد لإنقاذ القدس من براثن الصهيونية، ولتحقيق هذا الهدف لا بد من تلبية نداء الإمام الخميني «قده» لإحياء يوم القدس العالمي، حيث يقول الإمام (رضوان الله عليه): «الذين لا يشاركون في يوم القدس مخالفون للإسلام وموافقون لإسرائيل»، ويقول «قده»: «ينبغي إحياء يوم القدس بين المسلمين»، ولا بد من الالتزام بدعوة الإمام لبناء جيش العشرين مليون الذي أطلق عليه «جيش القدس».

وهكذا نجد المواقف المشابهة والمشرفة للجمهورية الإسلامية من قضية لبنان وأفغانستان والعراق وغيرهما من القضايا الكبرى للعالم الإسلامي،في مواجهة العدو المشترك الذي يواجه المسلمون وهو الاستكبار وعلی رأسهم أمريکا والکيان الغاصب الصهيوني.



اعداد وتدوين
علي اكبر بامشاد

 
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني