تاريخ النشر۳۱ كانون الأول ۲۰۱۹ ساعة ۲۱:۰۴
رقم : 446494
في ذكرى مولد السيّدة زينب (ع)

السيّدة زينب(ع) تمثل المرأة المسلمة الصابرة الواعية المتحدّية للطغات

تنا
وضعت الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام وليدتها المباركة التي لم تولد مثلها امرأة في الإسلام إيماناً وشرفاً وطهارةً وعفةً وجهاداً، وقد استقبلها أهل البيت وسائر الصحابة بمزيد من الابتهاج والفرح والسرور، وأجرى الإمام أمير المؤمنين على وليدته المراسيم الشرعية، فأذّن في أذنها اليمنى، وأقام في اليسرى. لقد كان أول صوت قرع سمعها هو: (الله أكبر، لا إله إلا الله)، وهذه الكلمات أنشودة الأنبياء، وجوهر القيم العظيمة في الأكوان. وانطبعت هذه الأنشودة في أعماق قلب حفيدة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فصارت عنصراً من عناصرها، ومقوماً من مقوماتها.
السيّدة زينب(ع)  تمثل المرأة المسلمة الصابرة الواعية المتحدّية للطغات
انطلقت السيّدة زينب من مدينة الرسول (ص) الى كربلاء، و من ثم الى الكوفة  وقفة المرأة المثالية وفي الشّام وعظت الناس و الطغات  و.....  وردت السحر على الساحر..  حتى اصبحت بطلة كربلاء و حتى اصبحت خالدة في التاريخ .

نريد في مولد السيّدة زينب (ع)، أن نعيش معنى المرأة المسلمة في أرقى نماذجها، فهي ليست موضوعاً للبكاء، وإن كان في حياتها ما يبكي، ولكنّها موضوع للانفتاح على أصالة المرأة المسلمة عندما تتجسّد إسلاماً ولا تبتعد عن إنسانيّتها في حركة هذا التجسد.

فزينب (ع) في ولادتها عاشت مع رسول الله (ص) في حنانه وعاطفته لأبناء عليّ وفاطمة (ع)، وكانت أنفاسه تتنفّس في أنفاسها، كما كانت تتنفّس في أنفاس أخويها الإمامين الحسنين (ع)، وعاشت طفولتها الأولى في أحضانه وفي أجوائه، كما عاشت في بيت هو بيت رسول الله (ص) في معنى الحبّ والرّعاية والرسالة والتقوى، لأنّ بيت عليّ وفاطمة (ع) كان بيته، ولأنّه كانه يعيش في عمق عقل عليّ وفاطمة، وفي نبضات قلبيهما، وفي تطلّعات روحيهما لأنهما صناعته، فلقد صنع لهما العقل بعقله، وصنع لهما القلب بقلبه، وصنع لهما خطّ السّير بسيره، ولذلك اندمج عليّ وفاطمة برسول الله (ص).

 في ذكرى ولادة السيّدة زينب (ع)، علينا أن نرتفع إلى هذا المستوى الذي يمثّل هذه المرأة المسلمة الصّابرة الواعية المتحدّية القويّة التي أعطتنا شرعيّة أن تقف المرأة المسلمة لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في مجتمع الرجال، ولتتحرّك من الموقع السياسي فيما إذا كان للواقع السياسي معنى هناك.

وإنما أخذت زينب (ع) الشرعيّة في موقفها هذا من الخطّ الإسلامي الأصيل الذي تجسَّد في أمّها فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين (ع)، عندما وقفت خطيبة في مسجد رسول الله (ص)، وعندما راحت تتحدّث مع رجال المهاجرين والأنصار.

إنها أعطت شرعيّة ذلك للمرأة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في الخطّ الأخلاقي للإسلام، وفي الجانب الاجتماعيّ والثقافيّ والسياسيّ، ولم يكن كلام زينب اضطراراً، ولكنّه كان اختياراً، من خلال ما كانت تشعر بأنّه مسؤوليّتها الشرعيّة بأن تقف ضدّ الظالم هنا والطاغية هناك، وضدّ المنحرفين بين هذا وذاك.

و كانت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في فجر الصبا آيةً في ذكائها وعبقرياتها؛ فقد حفظت القرآن الكريم، كما حفظت أحاديث جدّها الرّسول (صلّى الله عليه وآله)، فيما يتعلّق بأحكام الدين وقواعد التربية وأصول الأخلاق.

وقد روت خطبة اُمّها التي ألقتها على السيّدات من نساء المسلمين، حينما عُدنها في مرضها الذي توفّيت فيه، كما روت عنها كوكبة من الأحاديث.
قد بُهر الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) من شدّة ذكائها، فقد قالت له: "أتحبّنا يا أبتاه؟"، فأسرع الإمام قائلاً: "وكيف لا اُحبّكم وأنتم ثمرة فؤادي؟".

فأجابته بأدب واحترام: "يا أبتاه، إنَّ الحبّ لله تعالى، والشّفقة لنا.

وعجب الإمام (عليه السّلام) من فطنتها، فقد أجابته جواب العالم المنيب إلى الله تعالى.

وكان من فضلها واعتصامها بالله تعالى، أنّها قالت: "مَنْ أراد أن لا يكون الخلق شفعاءه إلى الله فليحمده؛ ألم تسمع إلى قوله: سمع الله لمَنْ حمده؟ فخف الله لقدرته عليك، واستحِ منه لقربه منك".

وممّا يدلّ على مزيد فضلها، أنّها كانت تنوب عن أخيها الإمام الحسين (عليه السّلام) في حال غيابه، فيرجع إليها المسلمون في المسائل الشرعيَّة. ونظراً إلى سعة معارفها، كان الإمام زين العابدين (عليه السّلام) يروي عنها، وكذلك كان يروي عنها عبد الله بن جعفر، والسيّدة فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السّلام).

ولمّا كانت في الكوفة في أيّام أبيها، كان لها مجلس خاصّ تزدحم عليها السيّدات، فكانت تلقي عليهنَّ محاضرات في تفسير القرآن الكريم، كما كانت المرجع الأعلى للسيّدات من نساء المسلمين، فكنّ يأخذنَ منها أحكام الدّين وتعاليمه وآدابه.

ويكفي للتّدليل على فضلها، أنّ ابن عباس حبر الأمّة، كان يسألها عن بعض المسائل التي لا يهتدي لحلّها، كما روى عنها كوكبة من الأخبار، وكان يعتزّ بالرواية عنها، ويقول: "حدّثتنا عقيلتنا زينب بنت عليّ".

وقد روى عنها الخطاب التأريخي الّذي ألقته اُمّها سيّدة النساء فاطمة (عليها السّلام) في جامع أبيها (صلّى الله عليه وآله).

وقد نابت عن ابن أخيها الإمام زين العابدين (عليه السّلام) في أيام مرضه، فكانت تجيب عمّا يرد عليه من المسائل الشرعيَّة، وقد قال (عليه السّلام) في حقّها: "إنّها عالمة غير معلّمة".

وكانت ألمع خطيبة في الإسلام؛ فقد هزّت العواطف، وقلبت الرأي العام، وجنّدته للثّورة على الحكم الأموي، وذلك في خطبها التأريخيّة الخالدة التي ألقتها في الكوفة ودمشق، وهي تدلّل على مدى ثرواتها الثقافيّة والأدبيّة.

لقد نشأت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في بيت الوحي، ومركز العلم والفضل، فنهلت من نمير علوم جدِّها وأبيها وأخويها، فكانت من أجلِّ العالمات، ومن أكثرهنَّ إحاطةً بشؤون الشّريعة وأحكام الدّين.

من أبرز الصفات النفسيّة الماثلة في شخصيّة سيدة النساء زينب (عليها السّلام)، هي العزّة والكرامة؛ فقد كانت من سيّدات نساء الدنيا في هذه الظاهرة الفذّة، فقد حُملت بعد مقتل أخيها من كربلاء إلى الكوفة سبيّة، ومعها بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قد نُهب جميع ما عليهنَّ من حُليّ وما عندهنّ من أمتعة، وقد أضرّ الجوع بأطفال أهل البيت وعقائلهم، فترفّعت العقيلة أن تطلب من اُولئك الممسوخين - من شرطة ابن مرجانة - شيئاً من الطّعام لهم.

ولمّا انتهى موكب السّبايا إلى الكوفة، وعلمت النّساء أنّ السبايا من أهل بيت النبوّة، سارعنَ إلى تقديم الطعام إلى الأطفال الذين ذوت أجسامهم من الجوع، فانبرت السيّدة زينب لمخاطبة نساء أهل الكوفة قائلةً: الصدقة محرّمة علينا أهل البيت.

ولمّا سمع أطفال أهل البيت (عليهم السّلام) من عمّتهم ذلك، ألقوا ما في أيديهم وأفواههم من الطعام، وأخذ بعضهم يقول لبعض: إنَّ عمّتنا تقول: الصدقة حرام علينا أهل البيت.

أيّ تربية فذّة تربّى عليها أطفال أهل البيت (عليهم السّلام)؟! إنّها تربية الأنبياء والصدّيقين التي تسمو بالإنسان فترفعه إلى مستوى رفيع يكون من أفضل خلق الله.

ولمّا سُيّرت سبايا أهل البيت (عليهم السّلام) من الكوفة إلى الشّام، لم تطلب السيدة زينب طيلة الطريق أيّ شيء من الإسعافات إلى الأطفال والنّساء مع شدّة الحاجة إليها؛ فقد أنفت أن تطلب أيّ مساعدة من اُولئك الجفاة الأنذال الذين رافقوا الموكب.

لقد ورثت عقيلة بني هاشم من جدِّها وأبيها العزّة والكرامة، والشّرف والإباء، فلم تخضع لأيّ أحدٍ مهما قست الأيام وتلبَّدت الظروف، إنّها لم تخضع إلّا إلى الله تعالى.

ولم يشاهد الناس في جميع مراحل التأريخ أشجع ولا أربط جأشاً ولا أقوى جناناً من الأسرة النبويّة الكريمة؛ فالإمام أمير المؤمنين (سلام الله عليه)، عميد العترة الطاهرة، كان من أشجع خلق الله، وهو القائل: "لو تضافرت العرب على قتالي، لما ولّيت عنها".

وقد خاض أعنف المعارك وأشدّها قسوةً، فجندل الأبطال، وألحق بجيوش الشِّرك أفدح الخسائر، وقد قام الإسلام عبل الذّراع، مفتول السّاعد بجهاده وجهوده، فهو معجزة الإسلام الكبرى، وكان ولده أبو الأحرار الإمام الحسين (عليه السّلام) مضرب المثل في بسالته وشجاعته؛ فقد حيّر الألباب، وأذهل العقول بشجاعته وصلابته وقوّة بأسه.

فقد وقفت يوم العاشر من المحرَّم موقفاً لم يقفه أيّ أحدٍ من أبطال العالم؛ فإنّه لم ينهار أمام تلك النكبات المذهلة التي تعصف بالحلم والصبر، فكان يزداد انطلاقاً وبشراً كلّما ازداد الموقف بلاءً ومحنةً. فإنّه بعدما صُرعَ أصحابه وأهل بيته، زحف عليه الجيش بأسره - وكان عدده فيما يقول الرّواة ثلاثين ألفاً - فحمل عليهم وحده، وقد طارت أفئدتهم من الخوف والرّعب، فانهزموا أمامه كالمعزى إذا شدَّ عليها الذّئب - على حدّ تعبير بعض الرّواة - وبقي صامداً كالجبل، يتلقّى الطعنات والسّهام من كلِّ جانب، لم يوهن له ركن، ولم تضعف له عزيمة...

وتمثّلت هذه البطولة العلويّة بجميع صورها وألوانها عند حفيدة الرّسول وعقيلة بني هاشم السيّدة زينب (سلام الله عليها)؛ فإنّها لمّا مثلت أمام الإرهابيّ المجرم سليل الأدعياء ابن مرجانة، احتقرته واستهانت به، فاندفع الأثيم يظهر الشَّماتة بلسانه الألكن قائلاً: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم، وكذّب اُحدوثتكم.

فانبرت حفيدة الرّسول بشجاعة وصلابة قائلة: الحمد لله الّذي أكرمنا بنبيّه، وطهّرنا من الرّجس تطهيراً، إنّما يُفتَضح الفاسق ويُكذَّب الفاجر، وهو غيرنا يابن مرجانة...

لقد قالت هذا القول الصّارم الذي هو أمضّ من السّلاح، وهي و من بنات  آل محمّد في قيد الأسر، وقد رفعت فوق رؤوسهنَّ رؤوس حماتهنَّ، وشهرت عليهنَّ سيوف الملحدين. لقد أنزلت العقيلة - بهذه الكلمات - الطّاغية من عرشه إلى قبره، وعرّفته أمام خدمه وعبيده أنّه المفتضح والمنهزم، وأنَّ أخاها هو المنتصر...

و علينا في ذكرى مولد زينب (ع)،ان نكبر كثيراً، ونعي كثيراً، ونحصل على أكثر من درس .

والسلام  الله عليك يا معصومة بالعصمة المكتسبة، و العالمة غير المعلمة.


اعداد وتدوين
علي اكبر بامشاد

 
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني