تاريخ النشر۲۱ أيار ۲۰۱۹ ساعة ۷:۴۶
رقم : 421031
في ذكرى مولد الامام الحسن المجتبى (ع)

ملامح من سيرة سبط النبي الامام الحسن المجتبى (ع)

تنا
الامام الحسن بن علي بن أبي طالب المجتبی، ثاني أئمة اهل البيت عليهم السلام بعد رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم، وسيد شباب أهل الجنة باجماع المحدثين، واحد اثنين انحصرت بهما ذرية رسول الله (ص)، وأحد الاربعة الذين باهی بهم رسول الله (ص) نصاری نجران، ومن المطهَرين الذين أذهب الله عنهم الرجس ومن القربی الذين أمر الله سبحانه بمؤدتهم، وأحد الثقلين الذين من تمسك بهما نجا ومن تخلَف عنهما ضلَ وغوی.
ملامح من سيرة سبط النبي الامام الحسن المجتبى (ع)
 
  أبا محمد سبط النبي ابن الحسام المهند
 
  من ظهر علي وبطن البتول لحجر محمد
 
  استشرفت الأرض بطلعته وأعلنت يوم عيد
 
  أشرقت الشمس وانشق طوعه القمر مؤكد
 
تلألأت نجوم السماء فرحا بسبط أحمد
 
  أشرق ضحوة الهدى فتفتحت عين تعاني الكمد
 
  الزكي بدر من بيت النبوة وجهه متوقد
 
  يا أيها الحسن أنت لنا للسماء مصعد
 
  كثرت ذنوبنا فتوسلنا بك لله وأإياه نعبد
 
  رددت ملائكة السما من أحبك بالجنان يخلد
 
  أيها الناس اسمعوا من عاداه خسائر يتكبد
 
  و المصطفى من أحبه بالجنة له بيت مشيد
 مجاهد منعثر منشد
 
 وُلد الإمام أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب ثاني أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأَوّل السبطين ، في المدينة المنورة ، ليلة النصف من شهر رمضان المبارك من السنة الثالثة للهجرة .

جاءت به أمّه فاطمة إلى النبيّ صلى الله عليه واله، يوم السابع من مولده، في خرقة من حرير الجنّة كان جبرئيل عليه السلام نزل بها إلى رسول الله صلى الله عليه واله، فأخذه بيده، وأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثمّ قال لعليّ عليه السلام: "أيّ شيءٍ سمّيت ابني؟ قال: ما كنت لأسبقك بذلك، فقال: ولا أنا بسابق ربّي به، فهبط جبريل، فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يُقْرِئُكَ السلام ويقول لك: عليٌّ منك بمنزلة هارون من موسى ولكن لا نبيّ بعدك، فسمّ ابنك هذا باسم ولد هارون، فقال: وما كان اسم ابن هارون، يا جبريل؟ قال: شُبَّر، فقال صلى الله عليه واله: إنّ لساني عربيّ، فقال: سمّه الحسن"، فسمّاه حسناً، وكنّاه أبا محمّد، وفي اليوم السابع من ولادته، أمر النبيّ صلى الله عليه واله أن يُعقّ عنه بكبشين، وأن يُحلق رأسه، ويتصدّق بزنة الشعر فضّة، ثمّ طلى رأسه بيده المباركة بالطيب والخلوف .

وأُمّه هي سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بنت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) .

وُلد ونشأ ( عليه السلام ) في كنف جدّه النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وفي رعاية أبيه علي ، وأُمّه فاطمة ، وهو أَوّل ولَد يولد من سلالة الرسالة ؛ ليحفظ الله به وبأخيه الإمام الحسين ( عليه السلام ) نموّ تلك الشجرة الطيبة ، التي أصلها ثابت ، وفرعها في السماء .

 ورعاه جدّه العظيم ، بعينه وقلبه ، فهو قطعة من وجوده ، وومضة من روحه ، وصورة تحكيه ، أَورثه هيبته وسؤدده ، حتى فَرِقَ منه أعداؤه ، وأعظمه مخلصوه وأحبّاؤه ، وأَعظِم بإنسانٍ جدّه محمد ، وأبوه علي ، وأُمّه فاطمة ، وأيّ فخر بعد هذا المفتخر ، وأيّ مجدٍ بعده لإنسان .

فلهذا كان المقام المقدّس الذي حظيَ به الإمام الحسن ( عليه السلام ) على لسان جدّه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، والذي يدفعنا لمزيد مِن التأمّل في سيرته المباركة ، بكلّ ما تحتويه من جوانب عظيمة وكمال ذاته وحِكمته ، وسدادٍ رساليّ ، والذي نراه ينسجم تماماً مع وصف رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) له وموضعه منه ، فيما ورد عنه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في حقّه ( عليه السلام ) منها :
 
ويقول الرسول الأعظم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في الامام الحسن ( عليه السلام ) : ( لو كان العقل رجلاً لكان الحسن ( عليه السلام) ) .

وقد نصّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) على إمامة الحسن المجتبى ( عليه السلام ) بقوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( يا علي أنا وأنت وابناك الحسن والحسين ، وتسعة مِن وُلد الحسين أركان الدين ودعائم الإسلام ، مَن تبِعنا نجا ، ومَن تخلّف عنّا فإلى النار ) .

وكان أمير المؤمنين علی ابن ابیطالب ( عليه السلام ) يوجّه الأنظار إلى إمامة ولَده الحسن ( عليه السلام ) ومقامه السامي ، حيث كان ( عليه السلام ) يسأله عن المسائل المختلفة أمام مرأى ومسمع الملأ من أصحابه ، وقد تركّزت أسئلته على : الزهد والسداد ، والكرم والإخاء والمنَعة وغيرها ، وكان الإمام الحسن ( عليه السلام ) يجيب عليها بأجوبة مختصرة شافية  .

وكان الامام علي (ع)  يكلّف الإمام الحسن ( ع ) بالمهام الصعبة ، ويبعثه لحلّ الأزَمات ، ويُشركه في المواقف الحرجة ، فقد بعثه إلى أهل الكوفة لعزل الأشعري ، وأمره بإجابة عبد الله بن الزبير في الجَمَل ، وأمره بنقْض حُكم الحكَمَين ؛ لمخالفتهما القرآن .

عاش الإمام الحسن ( عليه السلام ) في عهد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) سبع سنوات من عمره الشريف ، وكانت تلك السنوات على قلّتها كافية لأن تجعل منه الصورة المصغرّة عن شخصية الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، حتى ليصبح جديراً بذلك الوسام العظيم ، الذي حباه به جدّه ، حينما قال له ـ حسبما روي ـ ( أشبهتَ خَلقي وخُلُقي ) .
فشِبهه ( عليه السلام ) لجدّه في الخَلق ، هو أمر واضح ، من ناحية التشابه بالملامح والمنطق ... أمّا شِبهه في الخُلُق يُعدّ وسام الجدارة لذلك المنصب الإلهي ، الذي هو وراثة وخلافة النبي الأعظم ( صلّى الله عليه وآلـه وسلّـم ) ، ثمّ وصيّه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، نعم من هنا نعرف السرّ والهدف الذي يرمي إليه النبي الأعظم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في تأكيداته المتكررة ، تصريحاً ، وتلويحاً على ذلك الدَور الذي ينتظر الإمام الحسن وأخاه ( عليهما السلام ) ، وإلى المهمّات الجليّة التي يتمّ إعدادهما لها ، حتى يصرّح ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بأنّهما ( عليهما السلام ) ( إمامان قاما أو قعَدا ) .
 
وممّا يدخل في الحياة السياسية للإمام الحسن ( عليه السلام ) في عهد جدّه النبي ( صلّى الله عليه وآلـه وسلّـم ) ، قضية المباهلة مع علماء نصارى نجران الذين ناظروا رسول الله في نبی الله عيسى ، فأقام عليهم الحجّة ، فلم يقبلوا... ثمّ اتّفقوا على المباهلة أمام الله ؛ ليجعلوا لعنة الله الخالدة على الكاذبين ، ففي اليوم  المحدّد خرج إليهم النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ومعه علي وفاطمة والحسنان ( عليهم السلام ) ، وأمام ذلك طلب نصارى نجران من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أن يعفيهم من المباهلة ...
 
وكان أعبد الناس في زمانه، وأعلمهم، وأفضلهم وكان أشبه الناس بالنبي، وكان أكرم أهل البيت في زمانه، وأحلم الناس..
 
فكان من كرمه: أنْ قدمت له جارية من جواريه طاقة ريحان، فقال لها: أنت حرة لوجه الله، ثم قال: هكذا أدبنا الله تعالى : ((وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها))..

تعتبر صفة الكرم والسخاء من أبرز الصفات التي تميَّز بها الإمام الحسن ( عليه السلام )فكان المال عنده غاية يسعى من خلالها إلى كسوة عريان أو إغاثة ملهوف أو وفاء دين غريم أو إشباع جوع جائع وإلخ .

هذا وعرف الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) بكريم أهل البيت فهو الذي قاسم الله أمواله ثلاث مرّات نصف يدفعه في سبيل الله و نصف يبقيه له بل وصل إلى أبعد من ذلك فقد أخرج ماله كلّه مرتين في سبيل الله ولا يبقي لنفسه شيء فهو كجدّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يعطي عطاء من لا يخاف الفقر وهو سليل الأسرة التي قال فيها ربّنا و تعالى( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(الحشر:9 )وآية أخرى تحكي لسان حالهم( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وأسيرا إنما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا )( الإنسان : 8 ـ 9 )فهذا هو الأصل الكريم لإمامنا الحسن ( عليه السلام ) الزكي من الشجرة الطيّبة التي تؤتي أُكلها كل حين فمن كريم طبعه ( عليه السلام ) أنّه لا ينتظر السائل حتّى يسأله ويرى ذل المسألة في وجهه بل يبادر إليه قبل المسألة فيعطيه .. .

أخرج الشيخان عن البراء، قال: رأيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والحسن على عاتقه، وهو يقول: اللهم إني أحبّه فأحبّه..
 
كان سيداً كريماً حليماً زاهداً ذا سكينة ووقار وحشمة، جواداً ممدوحاً، وسيأتي بسط شيء من ذلك..

أخرج أبو نعيم في الحلية أنه قال: إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمشِ إلى بيته، فمشى خمس وعشرين حجة..

وأخرج الحاكم عن عبد الله بن عمر قال: لقد حج الحسن خمساً وعشرين حجة ماشياً، وإن النجائب لتقاد بين يديه..

وأخرج أبو نعيم أنه خرج من ماله مرتين وقاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات حتى أنه كان ليعطي نعلاً ويمسك نعلاً ويعطي خفاً ويمسك خفاً..
وسمع رجلاً يسأل ربه عزّ وجل عشرة آلاف درهم فبعث بها إليه..
 
و روي عن الإمام زين العابدين عليه السلام – عن بعض المزايا العباديّة للإمام المجتبى عليه السلام، فمما ورد: "كان إذا توضأ ارتعدت مفاصله واصفرّ لونه، فقيل له في ذلك، فقال: حقّ على كلّ مَن وقف بين يدي ربّ العالمين أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله" وأكمل الإمام السجّاد عليه السلام حديثه حول تفاعل السبط المجتبى عليه السلام مع القرآن الكريم بقوله: "كان لا يقرأ من كتاب الله عزّ وجلّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ إلاّ قال: "أللهمّ لبيك".

وروى الشيخ الصدوق رحمه الله عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "قال أبي عن أبيه، كان الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ حجّ ماشياً وربما مشى حافياً، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر البعث بكى، وإذا ذكر الممرّ على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربّه، وكان إذا ذكر الجنّة والنار اضطرب اضطراب السليم (مَن لذعته الحيّة أو العقرب) وسأل الله الجنّة وتعوّذ به من النار".

كما عُرف عليه السلام بحلمه الكبير الذي كان كفيلاً بتغيير بعض مَن عاداه، كما في قصّة ذلك الشامي الذي رأى الإمام المجتبى عليه السلام راكباً فجعل يلعنه والإمام الحسن عليه السلام لا يردّ، فلما فرغ أقبل الإمام عليه السلام فسلّم عليه وضحك وقال عليه السلام له: "أيّها الشيخ أظنك غريباً، ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك. فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأنّ لنا موضعاً رحباً، وجاهاً عريضاً، ومالاً كثيراً"، فلمّا سمع الرجل كلامه بكى، ثمّ قال: "أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، والله أعلم حيث يضع رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ".

إذا مرّالامام الحسن (ع) تعلّقت قلوب الناس بالإمام الزكي عليه السلام الذي كان – كما وصفه واصل بن عطاء – عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك وكما وصفه غيره: لم يكن أحد أشبه برسول الله منه خَلقاً وخُلقاً ومن مظاهر حبّ الناس للإمام الحسن عليه السلام .

ما ذكر ابن كثير أنّه كان يبسط له في داره فإذا خرج انقطع الطريق فما يمرّ أحد من خلفه إجلالاً له.

ومن مظاهر حبّهم له أنّه نزل ذات مرّة في طريق الحج عن دابة فنزل كلّ الحجاج عن دوابّهم إجلالاً له.

وجاء عن أنس بن مالك، أنّه قال: دخل الحسن على النبيّ صلى الله عليه واله فأردت أن أميطه عنه، فقال: "ويحك يا أنس! دع ابني وثمرة فؤادي، فإنّ من آذى هذا آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله".

وكان الرسول صلى الله عليه وآله يُقبِّل الإمام الحسن عليه السلام في فمه، ويُقبِّل الإمام الحسين عليه السلام في نحره، وكأنّه يريد إثارة قضيّة مهمّة ترتبط بسبب استشهادهما عليمها السلام وإعلاماً منه عن تعاطفه معهما، وتأييده لهما في مواقفهما وقضاياهما.
 
لقد كان الإمام الحسن عليه السلام أحبّ الناس إلى النبيّ صلى الله عليه واله ، بل لقد بلغ من حبّه له ولأخيه، أنّه كان يقطع خطبته في المسجد، وينزل عن المنبر ليحضنهما.

فعن النبيّ صلى الله عليه واله، أنّه قال فيهما: "هما ريحانتاي من الدنيا"، وأنّه كان يقول لعليّ عليه السلام: "سلام عليك أبا الريحانتين، أوصيك بريحانتيّ من الدنيا خيراً".

وعن أنس بن مالك، أنّه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه واله، أيّ أهل بيتك أحبّ إليك؟ قال: "الحسن والحسين"، وكان يقول لفاطمة سلام الله عليها: "ادعي ابنيّ، فيشمّهما ويضمّهما إليه".
 
 
هذا بالإضافة إلى الحوادث الشهيرة التي كانت مناسبة لنزول الآيات القرآنيّة في فضل أهل البيت عليهم السلام، ممّا رواه المسلمون جميعاً، ومنها:
 
- آية التطهير: حيث نزلت على النبيّ صلى الله عليه واله في بيت أمّ سلمة، فدعا النبيّ عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فجلّلهم في الكساء، وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
 
- آية المباهلة: ومناسبتها أنّه وفد بعض أساقفة نصارى نجران على النبيّ صلى الله عليه واله، وناظروه في عيسى عليه السلام، فأقام عليهم الحجّة، فلم يقبلوا، ثمّ اتفقوا على المباهلة  أمام الله، على أن يجعلوا لعنة الله الخالدة، وعذابه المعجّل على الكاذبين.
ولقد سجّل القرآن الكريم هذا الحادث العظيم في تاريخ الرسالة الإسلاميّة، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾.
 
فلمّا رجعوا إلى منازلهم، قال رؤساؤهم "السيّد والعاقب والأهتم": إن باهلنا بقومه باهلناه، فإنّه ليس نبيّاً، وإن باهلنا بأهل بيته خاصّة لم نباهله، فإنّه لا يُقدم إلى أهل بيته إلّا وهو صادق، فخرج إليهم صلى الله عليه واله، ومعه عليّ وفاطمة والحسنان، فسألوا عنهم، فقيل لهم: هذا ابن عمّه، ووصيّه، عليّ بن أبي طالب، وهذه ابنته فاطمة، وهذان ابناه الحسن والحسين، ففرقوا، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه واله: نعطيك الرضا، فاعفنا من المباهلة، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه واله على الجزية وانصرفوا. قال الطبرسيّ: أجمع المفسّرون على أنّ المراد بأبنائنا الحسن والحسين عليه السلام".

وقال الزمخشريّ: وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء.

- سورة "هل أتى": روى الزمخشريّ في كشّافه، عن ابن عبّاس رضي الله عنه: أنّ الحسن والحسين مرضا، فعادهما رسول الله صلى الله عليه واله في ناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر عليّ وفاطمة وفضّة- جارية لهم- إن بَرِئا ممّا بهما، أن يصوموا ثلاثة أيّام، فشفيا وما معهم شيء، فاستقرض عليّ عليه السلام ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً، واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل،

فقال:

السلام عليكم، أهل بيت محمّد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فآثروه، وباتوا لم يذوقوا إلّا الماء، وأصبحوا صياماً، فلمّا أمسوا، ووضعوا الطعام بين أيديهم، وقف عليهم يتيم، فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك، فلمّا أصبحوا، أخذ عليّ عليه السلام  بيد الحسن والحسين، وأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه واله فلمّا أبصرهم، وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، قال: "ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم"، وقام، فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها، وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبريل، وقال: "خذها يا محمّد، هنّأك الله في أهل بيتك، فأقرأه السورة".
 
و من مواعظه:
 
وممّا وعظ به جنادة بن أبي أميّة، عندما دخل عليه قبيل وفاته، وقال له: عظني يا ابن رسول الله، قال: "نعم، استعدّ لسفرك، وحصّل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنّك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل همّ يومك، الذي لم يأتِ على يومك الذي أنت فيه، واعلم أنّك لا تكسب من المال شيئاً فوق قوتك إلّا كنت فيه خازناً لغيرك.

واعلم أنَّ في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة، خذ منها ما يكفيك، فإن كان ذلك حلالاً، كنت قد زهدت فيها، وإن كان حراماً، لم يكن فيه وزر، فأخذت كما أخذت من الميتة، وإن كان العتاب فإنّ العتاب يسير.

واعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً، وإذا أردت عزّاً بلا عشيرة، وهيبةً بلا سلطان، فاخرج من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعة الله عزَّ وجلَّ، وإذا نازعتك إلى صحبة الرِّجال حاجة، فاصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أردت منه معونة أعانك، وإن قلت صدَّق قولك، وإن صلت شد صول ، وإن مددت يدك بفضل مدَّها، وإن بدت عنك ثلمة سدَّها، وإن رأى منك حسنةً عدَّها، وإن سألته أعطاك، وإن سكتَّ عنه ابتداك، وإن نزلت إحدى الملمّات به ساءك.
 
مضامين عالية من كلامه الشريف
 
عرض الإمام الحسن (عليه السلام) أموراً كثيراً في العقيدة والسلوك والمثل العليا لاسيما في مجال تربية النفس والمجتمع وهذه مختارات من كلامه الشريف لاسيما في مكارم الاخلاق ومساوئها:

 التقوى: (وجعل التقوى منتهى رضاه، والتقوى باب كل توبة، ورأس كل حكمة، وشرف كل عمل).

 طلب الرزق: (لا تجاهد الطلب جهاد الغالب، ولا تتكل على القدر اتكال المستسلم، فأن ابتغاء الفضل من السنة والاجمال في الطلب من العفة، وليست العفة بدافعة رزقاً، ولا الحرص بجالب فضلاً، فان الرزق مقسوم واستعمال الحرص استعمال المآثم).

 التزام المساجد: (من أدام الاختلاف الى المسجد أصاب ثمان خصال: آية محكمة، وأخاً مستفاداً، وعلماً مستطرفاً، ورحمة منتظرة، وكلمة تدلّ على هدى، أو تردعه عن ردىً، وترك الذنوب حياءً أو خشية).

 محددات السياسة في رؤيته (عليه السلام): (هي أن ترعى حقوق الله وحقوق الأحياء وحقوق الاموات).

مكارم الأخلاق:

وقد  ورد ذلك في إجاباته على أسئلة أبيه أمير المؤمنين علي (عليه السلام) منها:

السداد: دفع المنكر بالمعروف.

الشرف: اصطناع العشيرة وحمل الجريرة (موافقة الإخوان).

المروءة: العفاف وإصلاح المرء ماله (إصلاح الرجل أمر دينه، وحسن قيامه على ماله، وإفشاء السلام والتحبّب إلى الناس).

السماحة: البذل في العسر واليسر.

الإخاء: الوفاء في الشدّة والرخاء.

الغنيمة: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا.

الحلم: كظم الغيظ وملك النفس.

الغنى: رضى النفس بما قسم الله وإن قلّ، فإنّما الغنى غنى النفس.

المنعة: شدّة البأس ومقارعة أشد الناس.

الصمت: ستر العيب وزين العرض، وفاعله في راحة، وجليسه آمن.

المجد: أن تعطي في الغرم، وأن تعفو عن الجرم.

العقل: حفظ القلب كلّ ما استرعيته (استوعيته) أو حفظ القلب لكلّ ما استتر فيه.

الثناء: إتيان الجميل وترك القبيح.

الحزم: طول الأناة والرفق بالولاة والاحتراس من الناس بسوء الناس.

الكرم: العطيّة قبل السؤال والتبرع بالمعروف والإطعام في المحلّ.

النجدة: الذبّ عن الجار والمحاماة في الكريهة والصبر عند الشدائد.

مساوئ الأخلاق:

الدنيئة: النظر في اليسير ومنع الحقير.
اللؤم: احتراز المرء نفسه (ماله) وبذله عرسه (عرضه).
الشحّ: أن ترى ما في يديك شرفاً وما أنفقته تلفاً.
الجبن: الجرأة على الصديق والنكول عن العدوّ.
الفقر: شره النفس في كلّ شيء.
الجرأة: موافقة الأقران.
الكلفة: كلامك فيما لا يعنيك.
الخُرْق: معاداتك إمامك ورفعك عليه كلامك.
السفه: اتباع الدناة ومصاحبة الغواة.
الغفلة: تركك المسجد وطاعتك المُفسِد.
الحرمان: تركك حظّك وقد عرض عليك.
شرّ الناس: من لا يعيش في عيشه أحد.
الكبر: به هلاك الدين وبه لُعِن إبليس.
الحرص: عدو النفس وبه أُخرج آدم من الجنّة.
الحسد: رائد السوء وبه قتل هابيل قابيل.


 و في الختام  :  للامام الحسن (ع) سيرة عطرة حُفّتْ بالمكاره والتحديات، لكنه (عليه السلام) جسّد قيم السماء ورسم لمن بعده طريقاً شجاعاً سمحاً عفيفاً وعزيزاً ويندر ان تجتمع هذه السمات المتقابلة في منهج واحد، فما أحرانا نحن المسلمين اليوم ان نتأسى بهذا التراث الكبير الذي حافظ على القرآن الكريم والسنة المطهرة في كل مواقفه واحاديثه وخطابه وعلى منهج أبيه أمير المؤمنين علي (عليه السلام) سار الامام الحسن المجتبى الكلمة الطيبة

سلام الله عليك  يوم ولدت ويوم جاهدت  ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا.



اعداد وتدوين
علي اكبر بامشاد
/110
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني