تاريخ النشر2021 6 March ساعة 13:36
رقم : 495512

أيها الحبر الأعظم... لا تنسوا فلسطين!

تنا
إنَّ بلادنا التي كانت على مدى التاريخ مهداً للأديان، وحديقةً للتنوع في المعتقدات والأفكار والفلسفات، تشهد تهديداً خطيراً لهذا التعدد، وهو تهديدٌ يتعاظم بفعل الكيان الصهيوني الذي يعتبر إثارة النزاعات الطائفية جزءاً أساسياً من سياساته العدوانية.
أيها الحبر الأعظم... لا تنسوا فلسطين!
أهلاً وسهلاً بك ضيفاً عزيزاً في بلادنا وأنت تزور العراق؛ هذا البلد الذي لا ينفصل في التاريخ والآلام والأمنيات عن سائر الدول حوله، لأنّ هذه الحدود التي قسمتنا إلى دول متعددة - مثل العراق وسورية ولبنان وفلسطين وغيرها شرقاً وغرباً - هي كما تعلمون حدودٌ حديثة، فرضها علينا المستعمر الأوروبي، بعد أن كنّا بلاداً مفتوحة إلى مطلع القرن العشرين، وذلك منذ ما قبل إبراهيم الخليل عليه السلام، الذي ولد في أور بالعراق حيث ستؤدون الصلاة، وقضى عمره مرتحلاً بين مدن بلادنا، إلى أن انتهت حياته المباركة في مدينة الخليل بفلسطين.

إنَّ هذه المسيرة الإبراهيمية لا تزال مثل الشريان الذي يصل بين بلادنا بعضها ببعض، وبين أرواح الناس الذين يعيشون فيها، ولذلك استمر حضور إبراهيم الخليل فينا، وبقي بالنسبة إلينا في هذا الشرق مثلاً أعلى في ممارسة الحياة ومحبة الناس والتقرب إلى الله.

وبناءً على ذلك يبدو لنا غريباً ومثيراً للريبة أن يقوم الكيان الإسرائيلي المغتصب لأرض فلسطين - وبالتنسيق مع بعض الأنظمة التي تفتقر إلى أقل مقومات إقامة العدالة ورعاية حقوق الإنسان - باستخدام اسم "الإبراهيمية" عنواناً للصفقات السياسية القائمة على إنكار حقوق الشعب الفلسطيني، وتصوير ذلك على أنَّه مفتاح للسلام والازدهار، وهي خدعةٌ مكشوفةٌ بالنسبة إلينا، لأنَّ "إسرائيل" التي تعمل على تسويق هذه الدعوة هي نفسها التي دأبت خلال أكثر من سبعين عاماً على شنّ الحروب، وأقامت دولتها في الأساس على سرقة الأرض من أهلها، وتشريدهم من بيوتهم وارتكاب المجازر الشنيعة في حقّهم، وحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية، وقدّمتْ ذلك كلّه للعالَم المسيحي خصوصاً على أنه رجوعٌ لليهود إلى "أرض الميعاد".

إنّ المسلمين والمسيحيين في بلادنا لم يكونوا يوماً ضد اليهود، وأنتم تعلمون أنه في عام 1219م، عندما زار القديس فرنسيس الإسيزي مصر، كان اليهود يتمتعون بكامل الحرية الفكرية والدينية عندنا، وقد توفي الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون في القاهرة عام 1204م وهو في قمة العطاء والتبجيل؛ وبالتالي فإن مشكلتنا في الشرق كمسلمين ومسيحيين ليست مع الدين اليهودي، ولكنَّ مشكلتنا الكبرى هي مع الصهيونية ودولتها الباطلة، القائمة على الاحتلال والعدوان والقتل والتشريد واغتصاب الحقوق، والتي لا تنفكّ عن إثارة النزاعات في دول المنطقة وتشجيع الطائفية والتطرف والإرهاب والحروب، ثمَّ تقوم فوق ذلك كلّه بتبرير سلوكها الإجرامي من خلال التوظيف والاستغلال السياسي للمفاهيم والرموز الدينية والإنسانية !

وكلُّ ذلك يفرض على المرجعيات الدينية والأخلاقية الكبرى في العالم أن يكون لها دورها المسؤول تجاه هذه الجريمة المزدوجة بحقّ الشعب الفلسطيني وبحقّ القيَم والمبادئ والأخلاق معاً، خاصةً مع فشل المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، في رفع الظلم الواقع على الفلسطينيين، وفي محاسبة "إسرائيل" على جرائمها، ولو على سبيل الإدانة اللفظية فقط !

الحبرَ الأعظم ضيفَنا الجليل:
إنَّ بلادنا التي كانت على مدى التاريخ مهداً للأديان، وحديقةً للتنوع في المعتقدات والأفكار والفلسفات، تشهد تهديداً خطيراً لهذا التعدد، وهو تهديدٌ يتعاظم بفعل الكيان الصهيوني الذي يعتبر إثارة النزاعات الطائفية جزءاً أساسياً من سياساته العدوانية، ونحن لا نلقي هذا الاتهام جُزافاً؛ ونكتفي هنا بشاهدين على ما نقول، أحدهما حديث وهو قيام الكيان الصهيوني بتقديم أشكال الدعم كافةً للجماعات التكفيرية في بلادنا، بما فيها الأسلحة والمعالجة الطبية؛ والشاهد الثاني قديمٌ لكنه ما زال مستمراً، وهو قيام الكيان الصهيوني بالتآمر لحمل المسيحيين على الهجرة من المشرق، بحيث بدأت بلادنا تشهد في الوقت نفسه - منذ مطلع القرن العشرين - تصاعداً لمؤشر وجود المستوطنين اليهود في فلسطين، في مقابل انخفاض نسبة عدد السكان المسيحيين فيها.

لقد ولد القديس بطرس - والذي يبجّله القرآن الكريم باعتباره أحد أولئك التلاميذ الحواريين - في قرية بيت صيدا بالجليل الأعلى شمال فلسطين، ومن فلسطين خرج حاملاً نور الهداية للعالم؛ وفلسطين هذه تتوقع من خليفة القديس بطرس - الذي هو أنتم - أن يكون مع قضيتها العادلة بكل وضوح، وأن يرفع صوت الحقّ فوق السطوح كما أمر السيد المسيح، وأيُّ حقٍّ أعظم من عودة المشردين إلى بيوتهم، ورفع نِير الاحتلال عن الوطن المسروق من أهله، وتخليص الأسرى بمن فيهم النساء والأطفال من سجون هذا الاحتلال ؟!

وعندما يتحقق هذا الرجاء الذي نصلّي له في جميع بلدان المنطقة، فإنَّ أبواب الحروب سوف تُغلق واحداً تلو الآخر، وسوف يستبشر الناس بالسَّلام الذي وعدهم به السيد المسيح، وسوف يعمّ الفرح في كل أرجاء الأرض، لأنَّ فلسطين هي الجرح الأكبر الذي ينزف منه العالم، وبدون معالجة هذا الجرح بشكل صحيح سوف تفقد الإنسانية قيَمها وأخلاقها وكرامتها لصالح اللصوص والمجرمين!

وما دمتم يا قداسة البابا تحملون اسم "السلام الإسيزي" ورسالته، نسبةً إلى قدوتكم القديس فرنسيس، فإننا نستذكر معكم تلك الصلاة المنسوبة إليه، والتي يقول فيها: (يا ربّ، اجعلني أداة لسلامك... حيث يوجد الخطأ والباطل؛ أن أنطقَ بالحقّ. وحيث يوجد اليأس؛ أن أُدخِلَ الرجاء والأمل. وحيث يوجد الحزن؛ أن أُدخل الفرح). ومما يؤسف له ويسبب أشدّ الألم أنَّ فلسطينَ التي ولد وعاش فيها السيد المسيح لا تعيش الفرح، وأنّ أهلها الحقيقيين على اختلاف أديانهم ومذاهبهم يعانون من ظلم الباطل، وأنَّ أصحاب الحقّ يكادون يفقدون الأمل في هذا العالم الذي يعيش ساستُه أبشعَ مظاهر النفاق عندما يتغنُّون بالمبادئ وحقوق الإنسان، ثم يسكتون عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي المستمرة، بعد أن أعطوا الذرائع لقيام دولته الباطلة على أرضنا المباركة.

ختاماً:
رغم كل الضغوط الخارجية التي تتعرض لها بلادنا، ورغم أزماتنا الداخلية العديدة، فإننا نؤمن بأنّ مشيئة الله سبحانه تقضي بانتصار الذين يؤمنون بالسلام والحقّ والعدالة والرحمة، وهي المعاني التي لا ينفصلُ أحدها عن الأخرى. وسوف نعمل جاهدين لكي نخلّص بلادنا من أولئك الذين يتشدقون في المحافل الدولية باسم السلام، وهم يرتكبون أشنع المجازر الوحشية بحقّ شبابنا ونسائنا وأطفالنا، الذين لا تمرّ بضعة أيام إلا ويُستشهد أحدهم على الحواجز العسكرية التي قطّعت بلاد السيد المسيح عليه السلام إلى أشلاء.

إننا نأمل أن يكون شرفُ تحرير فلسطين وإنصافِ أهلها وإعادة الحقوق المشروعة إليهم من نصيب هذه الأجيال، التي تشهد اشتدادَ وطأة المؤامرة العالمية على فلسطين، بحيث صار مجرد المناداة باسمها جريمةً في عُرف كثير من قادة العالم.

كما نأمل أن ينال هذا الشرف معنا كلُّ الأحرار والمؤمنين بكرامة الإنسان وبالسلام القائم على العدالة كاملةً غير منقوصة، وأنتم - يا قداسة البابا الجليل - من أوائل الناس الذين نتوقع منهم ذلك، نظراً إلى ما تمثلونه في أعين المؤمنين، وكذلك باعتبار القيمة الرمزية المهمة للكنيسة الكاثوليكية في العالم.

نرجو لكم حجّاً مليئاً بالهبات الروحية، ولقاءات مثمرة تعزز من التقارب والتعارف والتعاون والتراحم بين الناس على مختلف أديانهم ومذاهبهم، وأن نستقبلكم مرة أخرى في بلادنا في مسيرة حجّ متصلة من أور إلى القدس وبيت لحم والخليل إلى جبل الطور، وكل هذه البلاد وما حولها في أمن وسلام، من غير احتلال ولا حروب، والسلام لكم ولجميع الذين يصنعون السلام.

صحيفة الاخبار
http://www.taghribnews.com/vdcfytdj0w6d1ta.kiiw.html
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني