تاريخ النشر۲۴ شباط ۲۰۲۰ ساعة ۲۳:۱۴
رقم : 452662
رجب شهر الله لا بدّ وأن نعمره بالمشاعر الروحيّة الطيّبة والزكية

رجب شهرُ الله العظيم، ، شهر رجب الأصبّ.. برنامج روحيّ وأخلاقيّ

تنا
وسمّي بالشّهر الأصبّ، حيث تصب فيه الرحمة على العباد صبّاً، وهو شهر الله تعالى، فعن الرّسول(ص): "ألا إنَّ رجبَ شهرُ اللهِ، وشعبانُ شهري، ورمضانُ شهرُ أمّتي. فمنْ صامَ يوماً منْ رجب إيماناً واحتساباً، استوجبَ رضوانَ اللهِ الأكبرَ، وأسكُنَ الفردوسَ الأعلى".
رجب شهرُ الله العظيم، ، شهر رجب الأصبّ.. برنامج روحيّ وأخلاقيّ
محمد عبدالله فضل الله

شهر رجب، هو الشهر السابع من شهور السنة القمرية (الهجرية)، وهو من الأشهر الحرم، قال تعالى: {إِنَّعِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}[التّوبة/ 36].

وطبيعي أن تكون الأشهر الحرم من الأوقات الكريمة على الله تعالى، حيث تستدعي من العبد أن يتحلى بالمسوؤلية في تأكيد تجارته الرابحة مع الله.

وسمّي بالشّهر الأصبّ، حيث تصب فيه الرحمة على العباد صبّاً، وهو شهر الله تعالى، فعن الرّسول(ص):  "ألا إنَّ رجبَ شهرُ اللهِ، وشعبانُ شهري، ورمضانُ شهرُ أمّتي. فمنْ صامَ يوماً منْ رجب إيماناً واحتساباً، استوجبَ رضوانَ اللهِ الأكبرَ، وأسكُنَ الفردوسَ الأعلى".

ما هي الصورة التي لا بدّ وأن نكون عليها ونحن في ضيافة شهر الله؟! البعض من الناس تراهم ينظفون بيوتهم وأثاث المنزل، ويحضرون كلّ المستلزمات الخاصّة، إذا علموا بقدوم حبيب لهم أو نزول ضيف عليهم، تراهم يهتمّون لذلك أشدّ الاهتمام، فكيف إذا كان شهر الله تعالى؟ فلا بدّ من أن نعدّ أنفسنا روحياً وخلقياً، حتى نكون فعلاً من عباد الله الذين يقبلون على ربهم بقلوب نظيفة صافية طاهرة، وعقول منفتحة، ومشاعر لا تحمل إلا الرحمة والمحبة للآخرين. ومن برنامج الإعداد لشهر رجب:

فضل الشّهر وأعماله

ومما جاء في كتب الأدعية في فضل شهر رجب وأعماله من الصوم والاستغفار والتسبيح وطلب التوبة وغير ذلك:

"اِعلم أنَّ هذا الشهرَ وشهرَ شعبان وشهرَ رمضانَ، هي أشهرٌ مُتناهِيةُ الشَّرف، والأحاديثُ في فضلِها كثيرةٌ، بل رُوي عن النبيّ(ص) أنَّهُ قال: «إنَّ رجب شهرُ الله العظيم، لا يقاربُهُ شهرٌ من الشهور حرمةً وفضلاً، والقتالُ مَعَ الكفّارِ فيه حرامٌ، أَلا إنَّ رجبَ شهرُ اللهِ، وشعبانَ شهري، ورمضانَ شهرُ أُمّتي. أَلا فَمَن صام مِن رجب يوماً، استوجب رضوانَ اللهِ الأكبر، وابتعد عنه غضبُ اللهِ، وأُغلِق عنه بابٌ من أبواب النار». طبعاً كلّ ذلك مع الإيمان والورع والصدق.

وعن موسى بنِ جعفر(ع) قال: «من صام يوماً من رجب تباعدتْ عنه النارُ مسيرَ سنةٍ ومَن صامَ ثلاثةَ أيّامٍ وَجَبَتْ له الجنّةُ».
وقال أيضاً: «رجب نهرٌ في الجنّةِ أشدُّ بياضاً من اللبنِ وأحلى من العسلِ، مَن صامَ يوماً من رجب، سقاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ من ذلك النهر».

وعن الصادق (صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيهِ) أنّه قال: «قال رسول الله(ص): رجب شهرُ الاستغفار لأُمَّتي، فأكثروا فيه الاستغفارَ فإنّه غفورٌ رحيم. ويُسمّى رجب الأَصَبّ، لأنّ الرحمةَ على أُمّتي تصبُّ فيه صَبّاً، فاستكثروا من قول: أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَسْأَلُهُ التَّوْبَةَ».
وروى ابن بابويه بسند معتبر عن سالم قال: «دخلتُ على الصّادق (عليه السلام) في رجب، وقد بَقِيَتْ منه أيامٌ، فلمّا نظر إليّ قال لي: يا سالم، هل صمتَ في هذا الشهر شَيْئاً؟ قلت: لا واللهِ يابنَ رسول الله، فقال لي: فقد فاتك من الثواب ما لم يعلم مبلغَه إِلا اللهُ عزَّ وجلَّ. إنَّ هذا شهرٌ قد فضَّلَه اللهُ وعظَّمَ حُرمتَهُ وأوجبَ للصائمينَ فيه كرامتَه. قال: فقلت له: يا ابنَ رسول الله، فإن صمتُ ممّا بقي منه شَيْئاً؛ هل أنا أفوزُ ببعض ثوابِ الصائمينَ فيه؟ فقال: يا سالم، مَنْ صام يوماً من آخرِ هذا الشهرِ كان ذلك أماناً من شدّةِ سَكَرَاتِ الموت، وأماناً له من هولِ المطّلع وعذابِ القبر، ومَن صامَ يومينِ مِن آخرِ الشّهْرِ، كانَ له بذلك جوازٌ على الصّراط، ومَن صامَ ثلاثةَ أيام مِن آخر هذا الشهر، أَمِنَ مِن يومِ الفَزَعِ الأكبرِ من أهواله وشدائده، وأُعطي براءةً من النار. واعلم أنّه قد ورد لصوم شهرِ رجب فضلٌ كثيرٌ، ورُوي أنّ مَن لم يقدر على ذلك، يُسَبِّح اللهَ في كلِّ يوم مِائَة مرّة بهذا التسبيح لينالَ أجرَ الصيام فيه:

 سُبْحانَ الإِله الجَلِيلِ، سُبْحانَ مَنْ لا يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ إِلاّ لَهُ، سُبْحانَ الأَعَزِّ الأَكْرَمِ، سُبْحانَ مَنْ لَبِسَ العِزَّ وَهُوَ لَهُ أَهْلٌ".
فلتكن قلوبنا في هذه الأيام مشغولة بذكر الله، ولنصفّها من كلّ غلّ وحقد وحسد، ولنجعلها تلهج بالخير والرّحمة والمحبة، حتى تعود طاهرة نقية. ولنسأل أنفسنا: هل نعيش التآلف بيننا؟ فلتكن أوقاتنا فيه فرصة لتركيز التآلف والمحبة، وإشاعة أجواء التراحم والتواصل والتكافل.

ولا بد لكلّ واحد منا من أن يتناسى الخلافات، ويترفع فوق الأنانيات، وليكن فكره وشعوره في توحيد النّاس حول البرّ والخير والتعاون.

زاد روحيّ

إن صوم شهر رجب الحرام مما يزيدنا قوة روحية إضافية في هجرنا لنزواتنا وشهواتنا، التي تحبط أعمالنا، بحيث يشكل الصوم مناسبة حتى نعود إلى الله عودة محمودة، فيها كلّ العهد على التزام الحقّ، والإقلاع عن المحرَّمات التي تفسد أخلاقنا وتوقعنا في شباك الشّيطان،  كما أن الاستغفار والتسبيح مما يليّن القلوب، ويجعلها تلهج بذكر الله؛ هذا الذكر وهذا التسبيح اللذان يرفعان عن الإنسان الغشاوة، ويجعلانه يستشعر الأنس بالقرب من الله تعالى، وطلب التوبة يعكس أيضاً مدى إرادة المرء في الانقطاع لله، والابتعاد عن أماكن سخطه، فهو لذلك يظهر مقدار جديّته وعزيمته في نبذ كلّ مظاهر الفساد والانحراف.

كثير منّا يكتسب الذنوب ويعيش الغفلة، فيأتي الصوم حتى يدرّب نفس الإنسان على الصبر والإحساس بالآخرين، ويهذب المشاعر حتى تتوجه إلى الله وحده، فتعيش الأنس به، وتترفع عن الصغائر وتهجر الرذائل. فلنجرب في صومنا في رجب هجران الذّنوب، وتهذيب مشاعرنا، وتقوية إرادتنا، وتدريب أنفسنا على التزام الحقّ في الموقف والسلوك، فإذا صمنا، فلتصم جوارحنا ومشاعرنا عن الانحراف، ولنتذوّق ثمرة الصّيام في عودتنا إلى الله تعالى.

أعمال الخير

أما التصدق وفعل الخيرات وإعانة الفقير والمحتاج، فمن الأعمال التي تزيد الإنسان سمواً روحياً، وتجعله يشعر بروحانية عالية تفتح آفاقه على مزيد من المشاركة في الشعور تجاه مجتمعه، وعلى أنه عضو فاعل فيه يتحمل واجباته، ويسعى كي يقوم بما عليه حتى ينفع غيره بكل صدق وإخلاص لله تعالى. فليقم كل واحد منا بالتصدق ولو بالقليل من الطّعام والمال والثياب على الفقراء والمحتاجين، حتى يشعر بأنّه ساهم ولو يسيراً بخدمة عيال الله، بما ينعكس راحة في نفسه، ومزيداً من الإخلاص والتقرّب إلى الله تعالى.

محاسبة النّفس

ومن الأمور التي يستحبّ الإكثار منها والتفرغ لها، مهما أمكن لها من مجال، محاسبة الذات، والتأمل في تصرفاتها، وما أسلفت من أعمال ومواقف، كي تعيد النظر فيها، وتصحّح ما اعوجّ منها وجعلها أكثر صحة وامتثالاً لأمر الله تعالى. فليفكر كل منا ماذا فعل في أيامه الماضية، وأين أخطأ وقصّر، وليحاسب نفسه على تقصيرها وغفلتها، ثم يعمد إلى تصحيح الخلل، ويعاهد ربّه ونفسه على التزام الاستقامة، وليقم بكلّ خطوة تؤكّد هذه الاستقامة، فلا يقول إلا كلمة الحقّ، ولا يتصرّف إلا بما يرضاه الله. فعندما نراقب الله في تصرفاتنا، ونتعوّد على خشيته، ونتحسّس مراقبته لنا، ونستحضره في كلّ وقت، فإننا لا بدّ وأن نهابه ونترجم الهيبة منه والخشية، إحساساً بالمسؤولية، فلا نطلق العنان لنزواتنا وأهوائنا.

زيارة الأرحام
كما ويستحبّ زيارة الأرحام والتواصي خيراً بهم وبالمؤمنين، والتزاور بين الناس، وتعزيز الروابط الاجتماعية والإنسانية، بما يرضاه الله تعالى من حسن التعاون والتّكافل والتعارف والتراحم. فلينظر كل واحد منا كيف هي علاقاته مع أرحامه؛ هل هي بما يرضاه الله؟ فالتواصل والتزاور بين الأرحام تيعطينا إحساساً عالياً بالرابط الإنساني والأخلاقي، وينعكس مزيداً من الروحانية والسكينة والألفة. فليقم كل واحد بما عليه من مسؤوليات، وليتناس كلّ الحزازيات، وليكن المبادر ألى صلة أرحامه وزيارتهم والسّؤال عن حالهم.

شهر الله لا بدّ وأن نعمره بالمشاعر الروحيّة الطيّبة والزكية التي تنظف صدورنا من الغل والعصبيات والأحقاد. إن الفرصة متاحة للجميع كي يحسنوا إحياء شهر الله بكلّ ما يحقق لهم ذواتهم الأصيلة التي تجذّر الإيمان في النفوس، وتجعله أكثر حضوراً وفاعلية وتأثيراً في الحياة الخاصة والعامّة.


/110
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني