تاريخ النشر۲۷ آب ۲۰۱۹ ساعة ۱۱:۳۳
رقم : 435446
كتب ياسر الخيرو:

إيران والنظام الأمني الاقليمي

خاص-تنا
يعد الخليج الفارسي من المناطق الجغرافية المميزة على مستوى العالم من ناحية أهميته الاقتصادية، السياسية والاستراتيجية.
إيران والنظام الأمني الاقليمي
إذ أدت المكانة الفريدة لمنطقة الخليج الفارسي وموقعه في اقتصاد العالم وأمنه إلى أن يصفه بعض المحللين الاستراتيجي بقلب العالم. وهذا ما دفع بلدان المنطقة والقوى الدولية تفكر ومنذ القدم بترتيبات أمنية في هذه المنطقة.
 
خلال العقود الماضية قامت القوى الأوروبية ومنها البرتغال وبريطانيا بنشر قواتها بصورة دائمة ومؤثرة في الخليج الفارسي، وبعد انسحاب البريطانيين من المنطقة مطلع العقد الثامن من القرن الماضي، سعت أمريكا أن تكون اللاعب الأبرز في المنطقة، لذلك عقدت مجموعة من الاتفاقات الأمنية مع دولها.
 
وحددت الولايات المتحدة الأمريكية سياستها في خليج الفارسي على أساس الاستراتيجية الثنائية بالاعتماد على العمودين التوأمين (إيران والسعودية) ، ثم تحولت إلى استراتيجية موازنة الضعف بين إيران  والعراق في الثمانينيات، ثم إلى الاحتواء المزدوج لإيران والعراق في التسعينيات.
 
وارتفعت وتيرة الانتشار الأمريكية في الخليج الفارسي منذ عام 1991، وعقدت أمريكا اتفاقيات ثنائية مع الدول الخليجية، فكان الغزو الأمريكي للعراق ضمن سياسة فرض الهيمنة الأمنية الأمريكية، مما أدى إلى تعزيز التأثير الأمريكي على المعادلات في الخليج الفارسي وأصبحت أمريكا لاعباً رئيسياً في الأمن الإقليمي.
 
وتشير تجربة العقود، بل القرون الماضية إلى أن النظام الأمني للخليج الفارسي كان دائماً يتبع رغبات القوى العظمى وميولها، ولكن هل أدى انتشار القوات الأجنبية في الخليج الفارسي إلى زرع الاستقرار المستدام في المنطقة؟ بنظرة سريعة إلى التاريخ نجد أن انتشار قوات البلدان الأجنبية في منطقة الخليج الفارسي لم يؤثر إيجابيا أبداً على الأمن فيها ولم يصب في صالح الأمن بهذه المنطقة الحساسة بل عرض الأمن فيها للخطر وحال دون تقارب بلدانها.
 
وفي هذا الصدد تعتبر إيران صاحبة أكبر ساحل مطل على الخليج الفارسي، وتملك إيران في هذه المنطقة كميات هائلة من النفط والغاز مما جعلها دائماً اللاعب الأهم في الترتيبات الأمنية بالمنطقة.
 
قبل انتصار الثورة الإسلامية، كانت إيران تبني مقاربتها الأمنية من خلال الائتلاف مع القوى الغربية وبصورة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة إلى التعاون مع العربية السعودية ضمن اطار استراتيجية العمودين التوأمين الأمنية الأمريكية في المنطقة.
 
وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، حاولت الأخيرة أن تتخذ سياسة أمنية مستقلة عن السياسات الأمريكية والسوفيتية، وحاولت إيران التشارك مع دول المنطقة من أجل إقامة نظام أمني إقليمي مستقل.
 
ترى إيران أن منطقة الخليج الفارسي تعاني من تحديات مثل الخلافات الدينية والقومية، الخلافات الحدودية، تهريب المخدرات، الجريمة المنظمة، نشاط الجماعات الإرهابية، انتشار القوات الأجنبية، نمو سباقات التسلح وأولوية الحسم العسكري في حل الخلافات، وتعتبر إيران أن كل هذه الأمور يمكن حلها عن طريق تدوين آليات شاملة.
 
تقوم المقاربة الأمنية الإقليمية الإيرانية على تجارب إيران في السنوات الماضية وتسعى لإقامة أمن مستدام. ويقوم النموذج الأمني المقترح من قبل إيران على الأمن الذاتي ويعتمد على سيطرة دول المنطقة على الأمن، حيث تطالب إيران بوقف التدخل الأمني الأجنبي في المنطقة وترى أن انتشار القوات الدولية يؤدي إلى تشديد التطرف ونشر الإرهاب والتنافس السلبي بين دول المنطقة وتراجع مستوى الثقة بينها.
 
وتشدد إيران على أن التعاون الأمني بين دول المنطقة يجب أن يقوم على أساس التعاون والثقة المتبادلة بين دول المنطقة لا على أساس النماذج الأمنية التي تفرض عليها من الخارج.
 
وفقاً لهذه النظرة يجب أن تصب المصالح الفردية للدول ضمن اطار المصالح الجماعية ومن دون تبعية للدول الأجنبية، ويجب أن تقتنع دول المنطقة بإمكانية تحقيق الأمن الإقليمي من دون التدخل الأجنبي.
 
ومن الواضح أن إيران تواجه مشاكل في إطار إقناع دول الخليج الفارسي برؤيتها الأمنية للمنطقة، وجانب كبير من هذه المشاكل يتعلق بالمسار التاريخي والتطورات الإقليمية الحالية. الخلافات السياسية، الانتشار الأمريكي في المنقطة، المقاربة الإيرانية للعراق بعد سقوط صدام، تنامي نفوذ محور الممانعة في المنطقة وازدياد القوة الإيرانية وتغيير معادلات إقليمية لصالح إيران بالإضافة إلى شكوك ما تزال تساور بعض دول المنطقة تجاه البرنامج النووي الإيراني رغم تأكيدات إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية حيال سلمية البرنامج النووي الإيراني. لذلك بالنظر إلى التحديات الكبيرة والاختلافات الأمنية في الشرق الأوسط وتدخل عوامل وطنية، إقليمية ودولية في انعدام الأمن والاستقرار في المنطقة، فإن فرض الأمن وفقاً لنموذج أمني قائم على التعاون الإقليمي يحتاج إلى عملية طويلة وتدريجية من بناء الثقة والمضي قدماً بالتنفيذ.
 
رغم ما مر، فإن هذه العوائق ليست بالمشاكل المستعصية ويمكن لمبادرات سلمية مثل اقتراح معاهدة عدم الاعتداء المقدم من إيران أن يكون خطوة جيدة في هذا المسار وفي معالجة شكوك دول المنطقة تجاه بعضها البعض، ويساهم في توطيد العلاقات بين الدول وتعزيز التواصل بينها وشفافية الأهداف والمصالح في مجال السياسة الخارجية للبلدان وبالتالي حل الخلافات تدريجياً وبناء الثقة.
 
وعلى الجانب الآخر توجد جهود واضحة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية من أجل عرقلة تعزيز العلاقات بين دول المنطقة ومنعها من إنشاء نظام أمني مشترك، وبالتالي تضمن مكاناً لها في الخليج الفارسي لنشر قواتها وقواعدها وهو ما يعيد المنطقة إلى المربع الأول ويجعلها ساحة لصراعات القوى الأجنبية ومسرحاً لأجنداتها.

ياسر الخيرو
 
 
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني