تاريخ النشر۲۵ آب ۲۰۱۹ ساعة ۲۳:۴۰
رقم : 435294
ذكرى المباهلة في الرابع والعشرين من شهر ذي الحجّة من السنة التاسعة للهجرة

قصَّة المباهلة.. وانفتاح الإسلام على الآخر

تنا
نستعيد في الرابع والعشرين من شهر ذي الحجّة من السنة التاسعة للهجرة حدثاً مهمّاً في التاريخ الإسلامي، أظهر مدى انفتاح الإسلام على الديانات السماوية الأخرى، وأسلوبه في التعامل مع من يختلفون معه، وهو اليوم الذي باهل فيه رسول الله (ص) نصارى نجران. ونجران كانت تمثّل آنذاك مركز الديانة المسيحيّة في الجزيرة العربيّة.
قصَّة المباهلة.. وانفتاح الإسلام على الآخر
العلامة السيّد علي فضل الله

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}. صدق الله العظيم.

نستعيد في الرابع والعشرين من شهر ذي الحجّة من السنة التاسعة للهجرة حدثاً مهمّاً في التاريخ الإسلامي، أظهر مدى انفتاح الإسلام على الديانات السماوية الأخرى، وأسلوبه في التعامل مع من يختلفون معه، وهو اليوم الذي باهل فيه رسول الله (ص) نصارى نجران. ونجران كانت تمثّل آنذاك مركز الديانة المسيحيّة في الجزيرة العربيّة.

ونحن نستعيد هذه الذِّكرى كاستعادتنا لكلِّ ذكرياتنا، لنأخذ من عبرها ودروسها، ولنصوِّب نظرتنا ومواقفنا إلى العلاقة مع الآخر، وخصوصاً مع أهل الكتاب.

نصارى نجران في المسجد

وكان رسول الله (ص) قد دعا رأس الكنيسة في نجران، حارثة بن علقمة، للقدوم إلى المدينة، التزاماً بقوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا الله وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ}.
يومها، استجاب أسقف نجران لدعوة رسول الله (ص)، وأرسل وفداً مؤلَّفاً من ستّين شخصاً من كبار رجالات الكنيسة، فاستقبلهم رسول الله (ص) في مسجده في المدينة المنوَّرة تكريماً لهم، وهو ما يعزِّز الرأي الفقهي الذي يقول أن لا مانع من دخول أهل الكتاب إلى المساجد.

وقد سمح لهم رسول الله (ص) آنذاك بالتَّعبير عن قناعاتهم وعمَّا يؤمنون، فلم يمانع أن يدخلوا المسجد وهم يحملون الصّلبان في أعناقهم، وأن يدقّوا النّواقيس فيه، علماً أنَّ رسول الله (ص) كان آنذاك في موقع السلطة والقوّة، ولو شاء أن يفرض أمراً لحصل.

الحوار بين الطّرفين

وقد جرى لقاء حواريّ بين رسول الله (ص) ونصارى نجران، حضره حشد كبير من المسلمين، ابتدأه رسول الله (ص) بالإشارة إلى أنّ ما جاء به لم يأت من فراغ، بل يندرج في سلسلة الرّسالات السماوية. وفي ذلك، قوله عزّ وجلّ: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}، وأنّ مثَله ومثَل الأنبياء مِن قبله كمثل رجل بنى بيتاً فأحسَنه وأجمله، إلا موضع لبنة مِن زاوية، فجعل الناس يطوفون بالبيت ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللّبنة؟ قال: "فأنا اللّبنة وأنا خاتم النبيّين".

وفي صفات الأنبياء، أسهب رسول الله (ص)، فأوضح أنّ الأنبياء الذين أرسلهم الله إلى الناس ليبلّغوا رسالة ربّهم، هم بشر لهم كلّ صفات البشرية، ولكن ما يميّزهم ويكرمهم، هو أنّه يوحَى إليهم. وهذا ما ينطبق على السيّد المسيح (ع)، فالسيد المسيح عبد لله ورسوله، وهو الّذي قال: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً}..{مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}.
هنا تدخّل رئيس وفد نصارى نجران قائلاً: لكنّه ابن الله، وإذا لم يكن ابن الله فهو ابن من؟ فتلا النبيّ (ص) قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}.

هو قدرة الله تجلّت في ولادته، وقد أوجده من أمّ دون أب، ومثله مثل آدم: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. فلو أنّ ولادته من دون أب تستوجب أن يكون ابناً لله، فآدم أولى بذلك، لأنّه خلق من دون أب وأمّ.

رسول أم إله؟!

عندها قال رئيس الوفد: إذا كنت تقول عن السيّد المسيح إنّه عبدٌ لله، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا بأمر الله، ولكن ألم يكن يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، وينبئ الناس بما يأكلون ويدخرون، فهل يستطيع أن يفعل ذلك إلا من تجلّت فيه صفات الألوهيّة؟

فقال رسول الله (ص) إنَّ ما جرى من السيد المسيح هو معاجز، شأنه في ذلك شأن الأنبياء، يظهرها الله على أيدي أنبيائه ورسله، حتى يؤمن النّاس بهم ويتّبعوهم ويثقوا بأنهم مبعوثون من عند الله، فهي ليست تعبيراً عن قدرات شخصيّة، بل هي قدرة الله التي يجريها على أيديهم. وقد حرص الله سبحانه تعالى في حديثه عن معجزات السيّد المسيح (ع) أن يذكر أنّها كانت بإذنه، ومن ذلك قوله سبحانه: {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ الله وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

الدَّعوة إلى المباهلة

وطال النقاش، واستمرَّ الحوار، ووفد نصارى نجران يسأل عمّا يجيش في صدره، والرَّسول (ص) يقدِّم لهم البراهين الدالَّة والشَّواهد الثّابتة، حتى بان أخيراً أن لا أحد في الوفد يريد أن يقرّ بالحقيقة التي دعا إليها رسول الله (ص)، وقد لا يكون ذلك لعدم إيمانهم بما قاله (ص) لهم، بل لصعوبة تغيير ما كانوا عليه وألفوه وبنوا حياتهم عليه.
بعدما رأى رسول الله (ص) عدم رغبتهم بالانصياع له، دعاهم إلى ما دعاه الله إليه، وهو المباهلة. والمباهلة تعني أن يجتمع الفريقان المختلفان، فيضرع كلّ منهما إلى الله لكي يميز الصّادق من الكاذب.

وهذا ما نزلت به الآية الكريمة على رسول الله (ص): {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ}.

وفوجئ نصارى نجران بطلب رسول الله (ص)، إذ لم يكن في حسابهم أن يخضعوا لهذا الامتحان، ولكن ما كان من خيار لهم إلا أن يوافقوا، لذا قالوا: أنصَفْتَ يا أبا القاسم، فإنََّ المباهلة آية معجّلة بيننا وبينك.

وانفضَّ الاجتماع، وذهب وفد نجران يتفكَّرون بما يصنعون، فقال رئيس الوفد: قد جاءكم الرّجل بالفصل من أمره وأمركم، فانظروا بمن يباهلكم، فإن باهلكم بالكثرة وذوي الشدَّة، وهذا صنع الملوك، باهلناه، وإن أتانا بنفرٍ قليلٍ من صحابته، أو من أهل بيته خاصَّة كما هي سجيّةُ الأنبياء، فلا نُباهله، فإنّه لا يقدّم أهل بيته وكبار صحابته إلا وهو صادق، وهذه لكم أمارة.

وفي الصباح، وبينما كانت الجموع تصطفّ، إذ بصوت يرتفع بالتّكبير، وإذا برسول الله (ص) قد قدم إلى المباهلة وهو يحتضن الحسين (ع)، وآخذاً بيد الحسن (ع)، وخلفه عليّ بن أبي طالب (ع) وفاطمة (ع)، وهؤلاء كانوا يمثّلونه في ما أشارت إليه آية المباهلة، فالحفيدان السبطان الحسن والحسين (ع) أشارت إليهما الآية بـ(أبناءنا)، وفاطمة (ع) أشارت إليها الآية بـ(نساءنا)، وعليّ (ع) بـ(أنفسنا).

تقدّم النبي (ص) إلى حيث نصارى نجران، وهو يقول لهم: "إذا دعوتُ فأمِّنُوا"، ثم يرفع يَدَيْه نحو السماء، ويدعو الله سبحانه قائلاً: "اللَّهمَّ هؤلاء أهل بيتي".

لما رأى نصارى نجران أنَّ هؤلاء الأربعة وحدهم ممن سيباهلُ بهم الرَّسول (ص)، وهم من أهل بيته، أشار إليهم رئيسهم: والله إني لأَرَى وجُوهاً لو سألُوا ربَّهم أن يُزيل الجبلَ عن مكانِه لأجابَهُمْ وأَزَالَهُ، فلا تباهلوهم.

وقرّروا أن لا يدخلوا في المباهلة، واتفقوا مع رسول الله (ص) على أن يبقوا على ما هم عليه، وعلى تنظيم العلاقة بينهم وبين الدولة الإسلامية، وجرى الاتفاق بينهم وبين رسول الله (ص) على أن يضمن لهم حرية المعتقد والعبادة من دون تعدّ أو ظلم، فلا يتدخّل في شؤونهم، ولا يفرض عليهم دينه، على أن ينضووا تحت لواء الدّولة الإسلاميّة، ويدفعوا الجزية التي هي ضريبة عليهم في مقابل الخمس والزّكاة التي يدفعها المسلمون.

ماذا نستفيد من الحدث؟!

لقد جاءت هذه الحادثة لتثبّت مسألتين؛ أوّلاً، طبيعة العلاقة التي يجب أن تحكم المسلمين بالمسيحيّين، وهي علاقة بناها الإسلام على المودَّة، عندما قال: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى}، وعلى الاحترام المتبادل، وعلى عدم الإكراه، فلا إكراه في الدّين.

ولتشير، ثانياً، إلى أنَّ المباهلة – بمقاصدها - يمكن اعتمادها كأسلوب في العلاقة بين المختلفين عندما لا يصل الحوار بينهم إلى نتيجة، ويبقى كلُّ على موقفه، فيوكل الأمر عند ذلك إلى الله. وهو أسلوب يساعد على التخفيف من التوتر، مع تأكيد القواسم المشتركة والعمل بموجبها، ويُترك حلّ الخلاف إلى الله، وهو ما قاله سبحانه: {إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.

وأخيراً، فإنَّ الحادثة أصَّلت موقع أهل البيت عند رسول الله (ص)، فقد بيَّنت أنَّ الحسن والحسين (ع) هما ابنا رسول الله، في مقابل من كان يقول إنَّ أبناء البنت ليسوا أبناءه، وأنَّ الزهراء (ع) في شخصها هي سيّدة نساء العالمين، وأنّ عليّاً (ع) هو نفس رسول الله، وأنّه المعبِّر عنه (ص)، وهم الذين نزلت فيهم الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}.

جعلنا الله من المهتدين بنهج رسول الله، ومن السائرين على هدى خطّ أهل البيت وخطّ المتطهّرين بطهرهم.

اعداد وتدوين
علي اكبر بامشاد

/110
 
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني