تاريخ النشر۱۷ آب ۲۰۱۹ ساعة ۹:۲۲
رقم : 434342
في ذكرى مولد الامام الهادي(ع)

الإمام الهادي (ع) عمر حافل بالعلم والجهادفي مواجهة الانحراف

تنا
عاش الإمام الهادي(ع) قياساً إلى العمر الطبيعي عمراً قصيراً، فقد كان عمره يوم وفاته إحدى وأربعين سنةً، وكان مولده(ع) في النصف من ذي الحجة سنة 212هـ في "صريا" من المدينة، وهي قريةٌ أسَّسها الإمام الكاظم(ع) على ثلاثة أميال من المدينة، وتُوفّي في سامرّاء.
الإمام الهادي (ع) عمر حافل بالعلم والجهادفي مواجهة الانحراف
العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

وقد عاش حياته هذه في نشاط دائم متحرّك في الثقافة الإسلاميّة، فقد كان يعلّم الناس، ويعلّم العلماء منهم، حتى ذُكِر أنَّ الذين رووا عنه علومه بلغوا ما يقارب المائة وخمسةٍ وثمانين راوياً، والراوي عادةً يمثّل موقعاً ثقافياً متقدماً في ذلك الوقت، وقد روى المؤرخون أنَّ من ثقاته: "أحمد بن حمزة بن اليسع، وصالح بن محمد الهمداني، ومحمد بن جزال الجمّال، ويعقوب بن يزيد الكاتب، وأبو الحسين بن هلال، وإبراهيم بن إسحاق، وخيران الخادم، والنضر بن محمد الهمداني. ومن وكلائه: جعفر بن سهل الصّقل.

ومن أصحابه: داود بن زيد، وأبو سليمان زنكان، والحسين بن محمد المدائني، وأحمد بن إسماعيل بن يقطين، وبشر بن بشّار النيشابوري الشاذانيّ، وسليم بن جعفر المروزيّ، والفتح بن يزيد الجرجانيّ، ومحمد بن سعيد بن كلثوم، ومعاوية بن حكيم الكوفيّ، وعليّ بن معد بن معبد البغداديّ، وأبو الحسن ابن رجا العبرتائي".

وتحرّك الامام الهادي(ع) في حياة النّاس بحيث يراقب ويتصدّى لكلِّ الانحرافات التي تعرّض لها الواقع الإسلاميّ، لأنَّ مسؤوليّة الأنبياء والأولياء والعلماء في كلِّ زمان ومكان، هي أن يدرسوا كلَّ الخطوط التي تتحرّك في الثقافة الإسلاميّة أو في الواقع الإسلامي، ليصلحوا الخطأ، وليقوّموا الانحراف بالأساليب التي وضعها الله تعالى في كتابه، بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن.

وقد واجه الإمام الهادي(ع) كثيراً من المشاكل الفكريّة التي كانت قد فرضت نفسها على الذهنيّة الإسلامية لتنحرف بها عن الصواب، فقد حدثت في زمنه مشكلة الذين يقولون بالجبر، وأنَّ الله تعالى أجبر عباده على أعمالهم، فليس للعباد اختيارٌ في ما يطيعون أو يعصون، فالطاعة من الله والمعصية منه.
وكان هناك اتجاه التفويض الذي يقول إنَّ الله تعالى فوّض الأمر إلى خلقه، فهو خلقهم وانعزل عنهم، أو فوّض الأمر إلى بعض خلقه، بمعنى أنَّ الله تعالى خلق الناس وجعل الأمر للأنبياء مثلاً، فلا يتدخّل في شؤون النّاس، ولكن تبقى قدرة الله وهيمنته وتدبيره للناس، بما لا يبعدهم عن رعايته وتدبيره وسلطته.

كان أصحاب هذين الاتجاهين بحسب الظاهر خارج المدينة، فأرسل الإمام الهادي(ع) رسالةً شارحاً لهم حقائق الأمور، ومبيِّناً لهم بالدليل من العقل والنقل بطلان الجبر والتفويض، ودعاهم إلى الاستقامة في خطِّ الله سبحانه وتعالى، كما واجه الغلاة الذين حاولوا أن يحرّكوا خرافاتهم في الذهنيّة العامة، وخصوصاً أنَّ كثيراً من الذهنيّات التي تعيش في المجتمع هي ذهنيّات طيّبة تقبل كلَّ شي‏ء، وهذا يحدث في كلِّ زمانٍ ومكان.

فيقول في هذه الرسالة: "من عليِّ بن محمد، سلامٌ عليكم وعلى من اتبع الهدى ورحمة الله وبركاته، فإنَّه ورد عليَّ كتابكم، وفهمتُ ما ذكرتم من اختلافكم في دينكم، وخوضكم في القدر، ومقالة مَنْ يقول منكم بالجبر ومَنْ يقول بالتفويض، وتفرُّقكم في ذلك وتقاطعكم وما ظهر من العداوة بينكم، ثم سألتموني عنه وبيانه لكم، وفهمت ذلك كلَّه..

فأمَّا الجبر الذي يلزم من دان به الخطأ، فهو قولُ من زعم أنَّ الله جلَّ وعزَّ أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها، ومن قال بهذا القول، فقد ظلم الله في حكمه وكذّبه وردَّ عليه قوله: {ولا يظلمُ ربُّك أحداً}[الكهف:49] وقوله: {ذلك بما قدّمَتْ يداكَ وأنَّ الله ليس بظلاّمٍ للعبيد}[الحج:10] وقوله: {إنَّ الله لا يظلمُ النّاسَ شيئاً ولكنَّ الناسَ أنفُسَهُم يظلمون}[يونس: 44] مع آي كثيرة في ذكر هذا. فمن زعم أنَّه مجبرٌ على المعاصي، فقد أحال بذنبه على الله وقد ظلمه في عقوبته، ومن ظلم اللهَ فقد كذّب كتابَه، ومن كذّب كتابه فقد لزم الكفر بإجماع الأمّة.. وأمَّا التفويض الذي أبطله الصادق(ع) وأخطأ مَنْ دان به وتقلّده فهو قول القائل: إنَّ الله جلَّ ذكره فوّض إلى العباد اختياراً أمره ونهيه وأهملهم، وفي هذا كلامٌ دقيق لمن يذهب إلى تحريره ودقته، وإلى هذا ذهبت الأئمة المهتدية من عترة الرسول(ص)، فإنَّهم قالوا: لو فوّض إليهم على جهة الإهمال، لكان لازماً له رضى ما اختاروه واستوجبوا منه الثواب، ولم يكن عليهم في ما جنوه العقاب إذا كان الإهمال واقعاً.. فمن زعم أنَّ الله تعالى فوّض أمره ونهيه إلى عباده، فقد أثبت عليه العجز وأوجب عليه قبول كلِّ ما عملوا من خيرٍ أو شرٍّ، وأبطل أمر الله ونهيه ووعده ووعيده، لعلّة ما زعم أنَّ الله فوّضها إليه، لأنَّ المفوَّض إليه يعمل بمشيئته، فإن شاء الكفر أو الإيمان كان غير مردود عليه ولا محظور، فمن دان بالتفويض على هذا المعنى، فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده ووعيده وأمره ونهيه، وهو من أهل هذه الآية: {أفتؤمنونَ ببعض الكتاب وتكفُرونَ ببعضٍ فما جزاءُ مَن يفعلُ ذلك منكم إلاَّ خِزيٌ في الحياة الدنيا ويومَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أشدِّ العذاب وما اللهُ بغافلٍ عمّا تعملون}[البقرة:85]، تعالى عما يدين به أهل التفويض علوّاً كبيراً.

لكن نقول: إنَّ الله جلَّ وعزَّ خلق الخلق بقدرته وملّكهم استطاعة تعبّدهم بها، فأمرهم ونهاهم بما أراد، فقبل منهم اتباع أمره ورضي بذلك لهم، ونهاهم عن معصيته، وذمَّ من عصاه، وعاقبه عليها، ولله الخِيَرَةُ في الأمر والنهي، يختار ما يريد ويأمر به وينهى عمّا يكره ويعاقب عليه بالاستطاعة التي ملّكها عبادَه لاتّباع أمره واجتناب معاصيه، لأنَّه ظاهر العدل والنصفة والحكمة البالغة، بالغ الحجّة بالإعذار والإنذار، وإليه الصفوة يصطفي من عباده مَن يشاء لتبليغ رسالته واحتجاجه على عباده، اصطفى محمداً(ص) وبعثه برسالاته إلى خلقه".

وفي زمن الإمام الهادي(ع) جاء مَن يدّعي بأنَّ الإمام هو الربُّ، وهو النبيّ، وأنَّ الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر هي معرفة الإمام، وقد استغلَّ أصحاب هذا الاتجاه حبَّ الناس لأهل البيت(ع)، وقدّموا أنفسهم على أنَّهم من المحبّين لهم، وبدأوا ينشرون هذه الأفكار، فكتب بعض الأصحاب إلى الإمام الهادي(ع): "جعلت فداك يا سيدي، إنَّ عليَّ بن حسكة أحد الغلاة يدّعي أنَّه من أوليائك، وأنَّك أنت الأوّل القديم، وأنَّه بابك ونبيّك، أمرته أن يدعو إلى ذلك، ويزعم أنَّ الصلاة والزكاة والحجَّ والصوم، كلُّ ذلك معرفتُك، ومعرفةُ من كان مثل ابن حسكة في ما يدّعي من البابيّة والنبوّة ـ أي أنَّه بابُ الإمام والنبيّ من قِبَلِه ـ فهو مؤمنٌ كامل سقط عنه الصلاة والصوم والحج ـ أي لم يعد مكلّفاً بالحجّ والصوم والصلاة ـ ومال إليه كثير، فإن رأيت أن تمُنَّ على مواليك ـ شيعتك ـ بجواب في ذلك تنجيهم من الهَلَكَة".


فكتب الإمام الهادي(ع): "كذب ابن حسكة عليه لعنة الله، وبحسبك أنّي لا أعرفه في مواليَّ، ما له؟ لعنه الله، فوالله ما بعث الله محمداً والأنبياء قبله إلا بالحنيفيّة والصلاة والزكاة والحج والصيام والولاية، وما دعا محمد(ص) إلاَّ إلى الله وحده لا شريك له، وكذلك نحن الأوصياء من وُلْده عَبيدُ الله، لا نشرك به شيئاً، وإن أطعناه رحمنا، وإنْ عصيناه عذّبنا، ما لنا على الله من حجّة، بل الحجّة لله علينا وعلى جميع خلقه، أبرأ إلى الله ممن يقول ذلك، وأنقض إلى الله من هذا القول، فاهجروهم لعنهم الله وألجئوهم إلى ضيق الطريق".

إنّ هذه الرسالة تؤكد القاعدة الإيمانية في خطِّ أئمة أهل البيت(ع) في نفي الغلوّ الذي يرتفع بهم إلى ما يقرب من درجة الألوهية بشكل مباشر من خلال تجسّد الله فيهم، أو بغير ذلك أو بشكل غير مباشر في اتصافهم بصفات الله، بحيث تكون العبادة لهم والرزق والحياة والموت منهم وما إلى ذلك.. لتكون لهم دعوى النبوّة عنهم، أو البابية لهم.. وهذا ما رفضه الإمام(ع) رفضاً قاطعاً، بتأكيد العبودية المطلقة لله، وبأنهم المأمورون بإطاعة أوامره ونواهيه، والمنهيون عن عصيانها، لأنّ المعصية تستتبع العقاب عليها، فلله الحجة عليهم كما هي الحجة على خلقه، وليس لهم على الله حجة من موقع العبودية، ثم كان الإعلان للبراءة من هؤلاء من خلال البراءة من هذا الفكر الكافر المنحرف، والتأكيد على هجرانهم وتضييق الأمر عليهم..وهذا ما ينبغي لنا أن ننفتح عليه ونؤكده أمام كلِّ الانحرافات التي تأخذ بالغلوّ أو بما يقرب منه في الاقتراب بهم إلى مواقع الألوهية، كما لو كانوا يقومون بدور الله في الخلق والرزق والإحياء والإماتة ولكن بإذنه.

وقد كان للإمام الهادي(ع) نشاط واسعٌ في تأكيد المفاهيم الإسلامية وتعليم النّاس الأحكام الشرعيّة، وتركيز قاعدة إيمانية ولائية شعبيّة ممتدّة في أكثر من بلد، فقد كان للإمام جهازٌ متحرّك متنوّع يغطي الكثير من أخبار الناس هنا وهناك، ويحمل تعاليمه إليهم بطريقة دقيقة جدّاً.. وقد جاء في بعض رسائله لوكلائه التي تحمل طابع التنظيم والتوجيه "نسخة الكتاب مع ابن راشد إلى جماعة الموالي الذين هم ببغداد، المقيمين بها والمدائن والسواد وما يليها: أحمَدُ اللهَ إليكم ما أنا عليه من عافيةٍ وحُسن عائدة، وأُصلّي على نبيِّه وآله أفضل صلواته وأكمل رحمته ورأفته، وإنّي أقمت أبا عليٍّ بن راشد مقام الحسين بن عبد ربّه، ومَن كان قبله من وكلائي وصار في منـزلته عندي، وولّيته ما كان يتولاّه غيره من وكلائي قبلكم ليقبض حقّي، وارتضيته لكم، وقدّمته في ذلك وهو أهلُه وموضعه.. فصيروا ـ رحمكم الله ـ إلى الدفع إليه ذلك وإليَّ، وألاّ تجعلوا له على أنفسكم علّة، فعليكم بالخروج عن ذلك، والتسرّع إلى طاعة الله وتحليل أموالكم والحقن لدمائكم، وتعاونوا على البرِّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثمِ والعدوان، واتقوا الله لعلكم ترحمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تموتُنَّ إلاّ وأنتم مسلمون، فقد أوجبت في طاعته طاعتي، والخروج إلى عصيانه الخروج إلى عصياني، فالزموا الطريق يأجركم الله ويزيدكم من فضله، فإنَّ الله بما عنده واسعٌ كريم، متطوِّل على عباده رحيم، نحن وأنتم في وديعة الله وحفظه، وكتبتُه بخطّي والحمد لله كثيراً".

إنّ التدقيق في هذه الرسالة يرينا أنَّ الإمام الهادي(ع) كان يملك جهازاً منظّماً من الوكلاء الذين كان يراقبهم ويعمل على تبديلهم بين وقت وآخر لأسباب مختلفة في ذلك، وأن هناك مسؤولية في جباية أموال الخمس التي يحتاجها للمسؤوليات الكبرى التي يتحملها في موقع الإمامة، وأنه يوصي أصحابه بالالتزام به والتعاون معه على البرِّ والتقوى، لا على الإثم والعدوان، ما قد يوحي بضرورة المراقبة لعمله بالرغم من كونه مرضيّاً عند الإمام، ليحددوا الموقف معه على أساس استقامته في خطِّ الطاعة لله، ليكون الالتزام في دائرة الانضباط في مسؤولية الوكالة والوقوف عند الطريق المستقيم.. وربما نستوحي من هذا الأسلوب في إدارة أمر الإمامة مع قاعدتها من خلال الوكلاء الشرعيين، أنه هو الأساس في نظام الوكلاء في المرجعيات الدينية كأساس للارتباط بين المرجعية وقاعدتها في قضايا الحقوق الشرعية والالتزامات الدينية في غياب السلطة الرسمية.

وقد استطاع هذا الجهاز السير في هذا الخطّ، فجعل للإمام شعبيّة كبيرة لدى المسلمين، ممن كان يعتقد بإمامته، وممن كان لا يعتقد بها، حتى خاف خلفاء بني العبّاس الذين عاصرهم(ع) على ملكهم منه، من خلال محبة الناس لأهل البيت(ع)، ومن ثقة الناس بهم وإحساسهم بقداستهم.

فعندما نقرأ تاريخ الإمام الهادي(ع)، فإنّنا نستوحي منه أنَّه كان محلَّ احترام الناس وتقديرهم في الحرمين ومكة والمدينة، ومن الطبيعي أن يكون هذا التقدير وهذا الاحترام بمستوى استثنائي، إذ لا بدَّ أن يكون ناشئاً من خلال القيادة الفكريّة والروحية والحركيّة التي كانت تدخل إلى كلِّ عقل وإلى كلّ قلب، لأنَّه ليس من الطبيعي أن يأخذ إنسانٌ هذا المستوى من الإكبار والتعظيم بدون أن يترك تأثيره في عقول النّاس وقلوبهم وحياتهم، مع ملاحظة أن أهل الحرمين لم يكونوا على رأي واحدٍ من المذهبية، بل كانوا يختلفون، حيث لم يُعهد أنَّ الناس في مكة والمدينة كانوا آنذاك إماميّين يتشيّعون لأهل البيت(ع)، بل كانوا مختلفين في آرائهم المذهبيّة، ومع ذلك تراهم يلتقون على احترام شخصيّة الإمام الهادي(ع).

وما يفسّر هذا النوع من الشعبيّة للإمام(ع)، الرسالة التي بعث بها أحد المسؤولين في المدينة إلى الخليفة العباسيّ (المتوكل)، ثم من خلال ردود الفعل عندما أُريد للإمام(ع) أن ينتقل من المدينة إلى بغداد أو إلى سامراء.. ففيما رواه المسعودي في مروج الذهب، قال: "كتب بريحة صاحب الصلاة بالحرمين إلى المتوكّل، إن كان له بالحرمين حاجة، فأخرج عليَّ بن محمد (الهادي) منها، فإنَّه قد دعا إلى نفسه واتّبعه خَلْقٌ كثير، وتابع بريحة الكتب في هذا المعنى، فوجّه المتوكّل بيحيى بن هرثمة، وكتب معه إلى أبي الحسن كتاباً جليلاً يعرّفه أنَّه قد اشتاق إليه ويسأله القدوم عليه، وأمر يحيى بالسير معه كما يحبّ، وكتب إلى يحيى يعرّفه ذلك".

من هذا نعرف أنَّ بريحة من بني العبّاس، وهو من عائلة الخلافة، ويكتب إلى المتوكّل أنّ الحرمين كادا أن يكونا تحت إمرة الإمام الهادي(ع)، ونحن نعرف أنَّ الإمام الهادي(ع) لم يكن في موقع الدعوة إلى الثورة ضدّ الخلافة العباسيّة، لعدم توفّر الظروف الموضوعية لذلك، والتي لم تكن تسمح بمثل هذا العمل، ولكنَّ هذا الرجل رأى أنَّ الناس تلتفُّ حول الإمام التفافاً يوحي أنَّ الناس يرون فيه ذلك، ويعتقدون أنَّه الشخص المفضّل والمؤهّل لإدارة أمور النّاس، من هنا، كانت هذه الرسالة التي تُشعر مركز السلطة بالخطر الذي تحسّسه (بريحة)، ما دعاه إلى متابعة الكتابة للمتوكّل في أمر الإمام الهادي(ع).

قداسةٌ عاشت في وجدان المسلمين

إنَّنا نرى أنَّه رغم خوف السلطة من أهل البيت(ع)، كانوا لا يستطيعون أن يُنكروا فضلهم والإحساس برفعتهم وقداستهم، ونضرب على ذلك عدّة أمثلة:

المثل الأوّل: يذكر المؤرّخون أنَّ المتوكل "مرض من خُراج (ما يخرج في البدن من القروح) خَرَج به فأشرف منه على الموت، فلم يَجْسُرْ أحدٌ أن يمسَّه بحديدةٍ، فنذرت أمُّه إنْ عُوفيَ أن تحمل إلى أبي الحسن عليّ بن محمد (الهادي) مالاً جليلاً من مالها، فلما عُوفِيَ المتوكّل بعد هذا النذر فبُشّرت أمُّ المتوكّل بعافيته، فحملت إلى أبي الحسن(ع) عشرة آلاف دينار تحت خَتْمِها، واستقلَّ المتوكّل من علّته.. فلما كان بعد أيّام، سعى البطحاني (أحد أعوان السلطة) بأبي الحسن(ع) إلى المتوكّل وقال: عنده سلاحٌ وأموال، فتقدّم المتوكّل إلى سعيد الحاجب أن يهجم ليلاً عليه، ويأخذ ما يجد عنده من الأموال والسلاح ويحمله إليه، وهنا يحدّث إبراهيم بن محمد بأنَّ سعيد الحاجب قال له: صرتُ إلى دار أبي الحسن(ع) بالليل، ومعي سُلّمٌ، فصعدتُ منه إلى السطح ونزلتُ من الدرجة إلى بعضها في الظُّلمة، فلم أدرِ كيف أصل إلى الدار، فناداني أبو الحسن(ع) من الدار: "يا سعيد، مكانك حتى يأتوك بشمعة"، فلم ألبث أن أتوني بشمعةٍ، فنزلت فوجدتُ عليه جُبّة صوف وقلنسوة منها وسجّادته على حصير بين يديه وهو مقبلٌ على القِبلة.

فقال لي: "دونك البيوت"، فدخلتها وفتشتها فلم أجد فيها شيئاً، ووجدت البدرة مختومةً بخاتم أمِّ المتوكّل، وكيساً مختوماً معها، فقال لي أبو الحسن(ع): "دونك المصلّى"، فرفعته فوجدتُ سيفاً في جفنٍ ملبوس. فأخذتُ ذلك وصرتُ إليه، فلما نظر (المتوكل) إلى خاتم أمِّه على البَدْرَةِ بعث إليها فخرجت إليه، فسألها عن البدرة، فأخبرني بعضُ خَدَمِ الخاصّة أنَّها قالت: كنت نذرتُ في علّتك إنْ عُوفيت أن أحمل إليه من مالي عشرة آلاف دينار، فحملتها إليه، وهذا خاتَمُك على الكيس ما حرّكه (لم يفتح الإمام(ع) الصرّة)، وفتح الكيس الآخر فإذا فيه أربعمائة دينار، فأمر أن يُضمَّ إلى البدرة بدرةٌ أخرى، وقال لي: احملْ ذلك إلى أبي الحسن، واردُد عليه السيف والكيس بما فيه. فحملت ذلك إليه واستحييت منه، فقلت له: يا سيدي، عزَّ عليَّ دخول دارك بغير إذنك، ولكني مأمور، فقال لي: {وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون}[الشعراء:227].

وهكذا نشاهد أنَّ أمَّ المتوكّل عندما مرض ولدها لم تجد أحداً في المجتمع الإسلاميّ تتقرّب وتتشفّع به إلى الله غير الإمام الهادي(ع)، ما يدلّنا على أنَّ قداسة الإمام الهادي(ع) كانت تعيش في وجدان المسلمين، حتى في داخل بيت الخلافة المناهضة لخطِّ الأئمة عليهم السلام. كما أننا نستفيد منها كيف كانت حياة الإمام الهادي(ع) في بيته من حيث خشونة ملبسه وتواضعه لله في موقع صلاته، وكيف كانت مكتبته مملوءة بالمصاحف وكتب العلم.

المثل الثاني : هو أنّ الشخص الذي أرسله المتوكّل إلى المدينة (وهو يحيى بن هرثمة)، ليأتي بالإمام منها إلى "سامراء" حتى يضعه تحت نظره وأمره بإكرامه وإعظامه، يحدّث فيقول: "فذهبت إلى المدينة، فلما دخلتها ضجَّ أهلها ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس بمثله خوفاً على عليّ (الهادي)، وقامت الدنيا على ساق (الجميع خرج مذهولاً)، لأنَّه كان محسناً إليهم، ملازماً للمسجد، لم يكن عنده ميلٌ إلى الدنيا.. قال يحيى: فجعلت أسكّنهم، وأحلف لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه، وأنَّه لا بأس عليه، ثم فتّشت منزله، فلم أجد فيه إلا مصاحف وأدعيةً وكُتُبَ العلم، فعظُم في عيني، وتولّيت خدمته بنفسي وأحسنت عشرته".

أمّا المثل الثالث: فهو أنَّ هذا الرجل نفسه (يحيى) يحدّث أيضاً ويقول: "فلما قدمت به بغداد، بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهريّ، وكان والياً على بغداد، فقال لي: يا يحيى، إنَّ هذا الرجل قد ولده رسول الله(ص) والمتوكّل مَن تعلم، فإن حرّضته عليه قتله، وكان رسولُ الله خصمَك يوم القيامة، فقلت له: والله ما وقعت منه إلاَّ على كلِّ أمرٍ جميل، ثم صرت به إلى سُرّ مَن رأى (سامرّاء)، فبدأت بوصيف التركي، فأخبرته بوصوله، فقال: لئن سقطت منه شعرةٌ لا يطالَبُ بها سواك، قال: فعجبتُ كيف وافق قولُه قولَ إسحاق، فلما دخلت على المتوكّل، سألني عنه، فأخبرته بحسن سيرته، وسلامة طريقه وورعه وزهادته، وأنّي فتشت داره فلم أجد غير المصاحف وكُتُبَ العلم، وأنَّ أهل المدينة خافوا عليه، فأكرمه المتوكّل وأحسن جائزته وأجزل برّه وأنزله معه سُرَّ من رأى".

ونستطيع أن نأخذ فكرةً عن احترام الناس للإمام(ع) من خلال قصّة يرويها محمد بن الحسن بن الأشتر العلويّ، قال: "كنت مع أبي بباب المتوكّل، وأنا صبيّ في جمعٍ من الناس، ما بين طالبيّ (هاشمي) إلى عباسيّ إلى جنديّ إلى غير ذلك، وكان إذا جاء أبو الحسن(ع) ترجّل الناس كلُّهم حتى يدخل. فقال بعضهم لبعض: لِمَ نترجّل لهذا الغلام، وما هو بأشرفنا ولا بأكبرنا ولا بأسنّنا ولا بأعلمنا؟ فقالوا: والله لا ترجّلنا له، فقال لهم أبو هاشم (الجعفريّ): والله لترجلنَّ له صَغاراً وذلةّ إذا رأيتموه، فما هو إلاّ أن أقبل وبصروا به، فترجّل له الناس كلُّهم، فقال لهم أبو هاشم: أليس زعمتم أنَّكم لا تترجّلون له؟ فقالوا: والله ما ملكنا أنفسنا حتى ترجّلنا".

إنَّ هذه الأمور والوقائع تدلُّ على أنَّ عظمة الإمام وهيبته وقداسته تجاوزت شيعته، وامتدّت حتى إلى المواقع التي قد تعاديه وتخاصمه وتظلمه، وهذا لا يتأتّى لأيِّ أحد، وإنَّما يحصل للذين انفتحوا على الله، فأدخل الله هيبتهم في نفوس النّاس حتى أعدائهم، وخدموا الناس بكلِّ ما عندهم من طاقة، حتى تعلّق الناس بهم من خلال ما قدّموه لهم، وأعطوا العلم حتى وصلوا إلى الدرجة التي يشعر فيها حتى العلماء بحاجتهم إليهم.

كان الأئمة(ع) يعيشون مع القاعدة في الساحة، لم يعِش أحدٌ منهم في برج عاجيّ، ولذلك كان الخلفاء يحملون العقدة ضدّهم من خلال هذا الامتداد الشعبي الذي يملكونه في الأمّة، لأنَّ أمثال هؤلاء الخلفاء لا يريدون لأيِّ رمز إسلاميّ كبير أن يحصل على هذه الثقة الممتدّة في الواقع الإسلاميّ، لا سيما إذا كان هذا الرمز ممن يعتقد فريقٌ من الأمة بإمامته، لأنَّ المسألة عندهم تحوّلت إلى خطر على الكرسي والمُلْك..

ولذلك، لو درسنا تاريخ أكثر الأئمة(ع)، لرأينا الجواسيس يحيطون بهم من كلِّ جانب، ممن قد يخبرون صدقاً وممن قد يفترون كذباً، ورأينا أنَّ الحاكمين آنذاك يعملون على التعسّف في تصرفاتهم معهم، فقد يسجنون إماماً هنا، وقد يحاصرونه في بيته هناك، وقد يستقدمونه من بلده إلى مركز سلطتهم ليكون تحت رقابتهم.
ولكن ذلك كلّه لم يمنع شيعتهم من الاتصال بهم والدخول في التنظيم الإداري لهم والاستفادة من علومهم واتباع تعاليمهم، بالرغم من كل الأوضاع الصعبة المحيطة بهم، كما أنّ ذلك لم يمنع الأئمة(ع) من التحرك في المجتمع والحصول على مواقع الثقة العميقة الواسعة فيه.


/110
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني