تاريخ النشر۲۵ حزيران ۲۰۱۹ ساعة ۱۲:۰۹
رقم : 426682

اسقاط إيران طائرة التجسس الأميركية وتداعياته

تنا-بيروت
العميــــــد د. امين محمد حطيــــط أستاذ جامعي – باحث استراتيجي
اسقاط إيران طائرة التجسس الأميركية وتداعياته
احتل يوم 20 حزيران/يونيو 2019 موقعا مميزا في مسار المواجهة بين اميركا و ايران ، بعد ان شهد عملا غير مسبوق بطبيعته وظروفه والنتائج التي ترتب عليه، ففيه اسقطت منظومة الدفاع الجوي الإيراني العاملة تحت اسم خرداد3 اهم طائرة تجسس أميركية تشكل في تقنيتها قلعة طائرة تنفذ منها أعمال المراقبة والرصد والتوجيه والتشويش والحرب الالكترونية، وتعتبر فخر الصناعة العسكرية الأميركية في مجالها. وتكمن اهمية الحدث في متعلقاته المتعددة من مادية وميدانية وعسكرية واستراتيجية مع ما يتصل بها في هذا المجال.
 
ودون ان نسهب في تفصيل ما ذكر نستعرض اهم معاني العملية الدفاعية الإيرانية ودلالاتها التي باتت محط درس وتحليل من قبل أعداء إيران واصدقائها ونتوقف بخاصة عند ما سجل على الصعيد الإيراني فنذكر:
 
أولا: اليقظة الإيرانية العملانية والميدانية يقظة يؤكدها نجاح إيران في تتبع الطائرة من لحظة إقلاعها من قاعدتها في الخليج الساعة 00.14 وحتى اسقاطها الساعة 0405 في المجال الجوي الإيراني وهنا سجل لإيران الدقة والاحتراف العسكري الذي مكنها من التحديد الدقيق لمكان الطائرة ومكنها من توجيه الإنذار لأكثر من مرة عندما خرقت الأجواء الإيرانية فوق البحر، ثم مكنها من اسقاط الطائرة عندما لم تستجب للإنذار ولم تخرج من الأجواء. 
 
ثانيا: الجهوزية الإيرانية القتالية العالية: حيث أكدت أيران انها جاهزة في الميدان لأي تطور وأنها قادرة على التعامل مع أي مصدر من مصادر الخطر مهما كانت تقنيته وتعقيدات مواجهته وهنا سيكون توقف كبير عند قدرة إيران على التعامل مع هذا الهدف الجوي المعقد بعد ان كان استعمل كل تقنيات التخفي والتمويه والتشويش فالطائرة اقفلت كل أجهزة التعرف عليها وأحاطت نفسها بهالة حاجبة تمنع الرادار العادي من التقاطها ورغم ذلك لم تستطع ان تتخفى عن العين الإيرانية ولم تستطع التفلت من القبضة الإيرانية.
 
ثالثا: جهوزية منظومة صنع القرار الإيراني وشجاعتها وتنظيمها. وهنا سيكون نقاش كبير في كل الأوساط داخل إيران وخارجها حول ذلك، فكثيرا ما يسجل في الدول تأخير في صدور القرار الدفاعي التنفيذي الميداني، ما يؤدي الى تعطيل فرص تنفيذه، وعادة يراهن المعتدي على تعقيدات استصدار القرار هذا او التردد او الخوف من صدوره ويوجه ضربته مطمئنا الى التفلت من الرد. اما في حالة طائرة "غلوبال هوك" الأميركية وعملية اسقاطها فقد تبين ان عملية صنع القرار الدفاعي الإيراني بسيطة سهلة واضحة أعطت القائد الميداني المحلي الطلاقة في اتخاذ القرار العملاني بسرعة ترجمة للقرار الاستراتيجي المركزي الذي مفاده " وجوب اقفال الأجواء الإيرانية بأحكام في وجه أي اعتداء " وهو قرار لا يتخذه الا قوي قادر واثق بنفسه وبمنظومته العسكرية في مختلف مستوياتها القيادية والتنفيذية وهذا الامر يشكل بحد ذاته عامل ردع دفاعي قوي إضافي يرفع من مستوى فعالية الدفاع.
 
رابعا: الجهوزية الإيرانية للتعامل مع   نتائج القرار الدفاعي مهما كانت وفي شتى المستويات. حيث لا يقدم على مواجهة اميركا الا من انس قوة في ذاته ووطن نفسه على التعامل مع النتائج مهما كانت طبيعتها وقسوتها. فإسقاط طائرة أميركية قد يشكل ذريعة كافية لشن اميركا حربا على إيران تنفذها بوحشية تدمرية يتناسب حجم التدمير فيها مع قدرات اميركا العسكرية العالية وطبيعة سلوكها المتفلت من أي قيد. ولا ننسى ان اميركا هي الدولة الأقوى في العالم عسكريا وان اميركا تتصرف خارج القانون الدولي العام وترى نفسها فوق القانون لا بل انها ترى ان القانون هوما تقرره هي لتلزم به الاخرين دون ان تلزم نفسها به. ورغم كل ذلك أقدمت إيران على اسقاط الطائرة الأميركية وأظهرت الجهوزية التامة للتعامل مع النتائج والتداعيات والتي في طليعتها احتمال الحرب وهنا سجلت صلابة وقوة الموقف الإيراني الذي لم يتأثر بالعملية اذ كما قال الامام الخامنئي قبل اسقاط الطائرة " مثلي لا يراسل مثله " رافضا تلقي او إرسال رسائل الى ترامب، رفضت إيران بعد العملية   التفاوض تحت الضغط ما جعل اميركا تتراجع عن عروض التفاوض والوساطات ثم تنكرها لتحفظ ماء الوجه.
 
هذه الأمور ستكون محلا لتحليل من يتابع الشأن الإيراني و بشكل خاص معسكر اعداء محور المقاومة ، و بشكل اخص الصقور فيه (مجوعة الباء على حد تسمية الوزير ظريف )  ، أي الفريق الذي لا يرى الا الحرب حلا في التعامل مع ايران ، حيث سيتوقف هذا الفريق عند حقيقة قاطعة  بان ايران اتخذت قرار الدفاع عن نفسها بشكل صارم و حازم يدور بين المركزية الاستراتيجية و اللا مركزية العملانية ، وامتلكت ايران  من القدرات ما يمكنها من وضع هذا القرار موضوع التنفيذ الموثوق نجاحه ، ثم ان ايران أظهرت من اليقظة و الجهوزية ما يجعل قرارها قرارا رادعا بعيدا عن الديماغوجية..
 
لقد اكدت إيران قوتها الفعلية، ومارست هذه القوة في موقعها المناسب، ما فرض على اميركا سلوكا لم يكن ينتظره او يتصوره الكثير من المعنيين بالأداء الأميركي، سلوك تميز بالتردد والارباك والتقلب في المواقف فتراوح بين الحديث عن الذهاب للحرب الى نقيض ذلك والإقرار بالخطأ ضمنا وصولا الى ما نسب الى ترامب أخيرا من "ان الحرب ليست في مصلحة اميركا". ارباك جعل المتكلين على اميركا لتحميهم يرتعبون من المستقبل.  وهنا نذكر بان اميركا تستند في عملها العسكري عادة على عنصرين: العنصر النفسي والعنصر المادي، وتستند في الأول الى هيبتها وسطوتها التي تحمل الاخر على الامتناع عن الهجوم عليها او مواجهتها دفاعيا إذا هجمت، لانها زرعت في قلبه الرعب ما قاده الى الانهيار الادراكي الذي يمنعه عن القتال، اما العنصر الثاني فتستند فيه الى قوتها العسكرية وفعالية أسلحتها المتطورة والمتقدمة على أسلحة الغير ما يجعلها تفتك بعدوها الذي يجازف في مواجهتها وتقودها الى الانهيار الميداني بعد ان تدمر سلاحه. فأميركا ترعب العالم بهذه القوة لهذا تتصرف على أساس انها فوق القانون وأنها لا تساءل امام أحد.
 
لكن اسقاط الطائرة التجسس الأميركية هذه، وفي ظرفه وطريقته نسف كل ما بنته اميركا وارست عليه أسس عملها العسكري، فلا الانهيار الإدراكي كان له محل في منع إيران من التصدي للعدوان ولا الانهيار الميداني كان مجديا في حماية الطائرة من السقوط وبرأينا هذا هو الأهم والأخطر في كل ما يتصل بشأن الطائرة وما ترتب على اسقاطها، ولأجل ذلك حدث الارباك الأميركي بعد ان وجدت اميركا نفسها مع مصالحها مكشوفة امام قوة دولية فاعلة اعدت للموقف مستلزماته قادت الى القول:
 
1) على اميركا ان تفهم ان ما كانت تسمعه من إيران حول جهوزها للدفاع ليس استعراضا بل حقيقة وبالتالي فان مواجهة إيران عسكريا لن يكون نزهة، لا بل ان مخاطر وخسائر مواجهتها عسكريا ستكون اعلى بكثير من خسائر التعايش مع إيران القوية المستقلة.
 
2) على حلفاء اميركا ان يفهموا ان اميركا لا تشكل مصدر حماية موثوق يتكل عليه، وسيكون على العقلاء منهم (ان وجدوا) ان يعلموا ان امن الخليج يحفظه اهل الخليج أنفسهم وفي طليعتهم إيران التي سعت وتسعى الى منظومة امن إقليمي خليجي يساهم فيه الجميع دون تدخل خارجي.
 
3) على المراهنين على حرب تدمر إيران، ان يفهموا ان هذه الحرب لن تقع بسهولة وان وقعت فان التدمير لن يكون محصورا بإيران بل سيكون شاملا للجميع وسيكون الأكثر ثروة أكثر خسارة وهنا ستحدث دول الخليج نفسها كما إسرائيل عن الخسائر التي ستنزل بهم في حرب كانوا يتمنونها.
 
4) اما الفاعلون من الأطراف الدولية، فسيجدون ان اسقاط الطائرة أحدث نقطة انعطاف في العلاقات الدولية، وبان هناك قوى صاعدة لا تتهيب القوة الأميركية وليس من المقبول بعد الان ان يكون التصرف مع اميركا على أساس ان قرارها قدر لا يرد وام مشيئتها واجبة الطاعة. 
 
على ضوء ما تقدم نفهم كلام ترامب بالأمس  بان "لا حاجة لأميركا في ان تبقى في الخليج " ، من باب  استيعابه لما حصل و هو يريد ان يقول  بان لا حاجة لأميركا بان تدخل في اختبارات مواجهة غير مضمونة النتائج ، و عليه نرى ان الحرب التي كثر الحديث عنها بين اميركا و ايران باتت مستبعدة اكثر من أي وقت مضى , وان الحوار الإيراني الأميركي الذي يريده ترامب لن يحصل مبدئيا في ولاية ترامب الحالية ، و بان صفقات و اتفاقات و مشاريع اقتسام المنطقة او الهيمنة عليها لن تمر بما فيها صفقة القرن ، و قد لا اغالي اذا قلت ان نتائج اسقاط طائرة التجسس الأميركية غلوبال هوك بصاروخ إيراني قد تكون بحجم نتائج حرب كاملة تمت في كل مراحلها في ساعات اقل من الأربع بعشر دقائق ثم انتهت لتستمر بعدها اميركا تبحث عن مخرج لمازقها بحثا سيترافق مع مواصلة حربها الاقتصادية المدعومة بحرب نفسية عجزت حتى الان عن لي الذراع الإيراني .
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني