تاريخ النشر۱۵ نيسان ۲۰۱۹ ساعة ۱۲:۲۱
رقم : 414841

"ثنائية الجيش والدفاع الشعبي " تعمق مازق العدوان الأميركي

تنا-بيروت
العميـد الركن د. أميـن محمـد حطيـط أستاذ جامعي – باحـث استراتيجــي
"ثنائية الجيش والدفاع الشعبي " تعمق مازق العدوان الأميركي
بعد إيران ولبنان والعراق وسورية، ها هي فنزيلا تخطو خطوة مماثلة وتعتمد نظرية "الدفاع الشعبي " الرديف للجيش الرسمي، حيث أعلن الرئيس مادورو هذا القرار معتبرا "قوات الدفاع الشعبي في البلاد، ستصبح جزءًا من القوات المسلحة الفنزويلية". قرار جاء ليشكل ضربة قاسية لما تخطط له أميركا من غزو لفنزويلا، وتجعل كل سلوكيات التهويل والتهديد الأميركي جوفاء لا يكترث بها، فأميركا تعلم جيدا ما معنى ان يكون كل الشعب مقاوما وما معنى ان تواجه القوات المحتلة حركة مقاومة شعبية تنطلق ضد الاحتلال ولا تتوقف حتى زواله. وللوقوف على أهمية اعتماد هذه النظرية نعود إلى ما سبق واعتمدته الدول الاستعمارية من سياسة في مجال بناء الجيوش للدول الأخرى. وكيف جاءت هذه النظرية ردا عليها وأفشلتها.

 ففي سياق الإمساك بالدول في العالم الثالث اعتمد الغرب عامة وأميركا بشكل خاص سياسة الإمساك بالقدرات العسكرية والتحكم بالجيوش وبسياسة التسلح في تلك الدول. و كان واضحا ان جيوش دول العالم الثالث تلتزم بالاطار التنظيمي الذي تضعه لها احدى دول الغرب ، كما أنها تلتزم بالعقيدة القتالية و مستوى و مصدر التسليح و أنظمة القتال التي توضع لها من قبلها و كان ذلك يبعث الطمأنينة لدى  الغرب بان تلك الجيوش التي لا تملك مصادر تسليحها و التي تخضع مباشرة او مداورة لإملاءات الخبراء الأجانب ، ان تلك الجيوش لن تجازف في القيام باي مهمة عسكرية لا تكون محل رضا او قبول او تشجيع دول الغرب ، و بهذه الصيغة معطوفة على الصيغة السياسية للحكم تكون دول الغرب حافظت على الإمساك بقرار تلك الدول و اطمأنت لانصياعها و عدم الخروج عن سيطرتها .

لكن دولا في المنطقة خرجت عن السياسة الأميركية وتملصت من قيودها واستطاعت في حقبة من الزمن ان تحقق إنجازات وطنية هامة كما هو حال مثلا في مصر وسورية اللتان استطاعتا تنظيم جيش لكل منهما امتلك القدرة على تحقيق انتصارات في الميدان على إسرائيل كما حصل في العام 1973، لكن أميركا والغرب كانت تتنبه للثغرات في سياستها التضييقية وتسارع إلى سدها بشكل يمكنها من العودة للتحكم بمسار الأمور وتمنع عن مثل هذه الدول التي لا تخضع لقرارها السياسي الوصول إلى مصادر القوة.

أما الشيء الذي لم تستطع دول الغرب إيجاد حل له، فهو ما بات يعرف بنظرية الثنائية العسكرية لقوى الدفاع الوطني في الدول التي تحفظ استقلالها الوطني وتمتنع عن الدخول في دائرة التبعية للقرار الوطني، فكرة عرفتها إيران ونفذتها تحت عنوان الحرس الثوري والجيش الرسمي ومعهم قوات الباسيج. ثم بدأت الفكرة تنتشر في المنطقة فشهد للبنان المقاومة إلى جانب الجيش و ارسى معادلة القوة القائمة على الجيش و الشعب و المقاومة وشهد العراق الحشد الشعبي إلى جانب الجيش وفي سورية كانت قوات الدفاع الوطني إلى جانب الجيش اعربي السوري ثم كانت الضربة الكبرى التي تتلقاها أميركا اليوم هو ما تشهده فنزويلا من الاتجاه إلى تشكيل قوى الدفاع الشعبي التي ينتظم فيها ملايين من الفنزويليين ليرفدوا الجيش في مهام الدفاع عن الوطن ويفشلوا أي مخطط أميركي لغزو فنزويلا وأسقاط حكومتها الشرعية برئاسة مادورو وتنصيب حكومة انقلابية عميلة لأميركا بدلا منها.

ان الفكر العسكري المقاوم الذي ابتدع فكرة الدفاع الوطني القائم على الثنائية المؤسساتية، حول المواجهة مع العدوان والاستعمار الاحتلالي من مواجهة مع الجيش يقود فرد إلى مواجهة مع الشعب لا يمكن ان يصادر قراره حاكم واعتمد للمواجهة أساليب قتال تجعل سلاح الخصم المتطور والفتاك، سلاحا محدود الفعالية في مواجهة خلايا تتقن القتال من الجيل الرابع، او تشحن نفسها لتتحول قنابل بشرية ترعب العدو وتفتك بمراكزه وتحشداته. 

لقد وقفت أميركا عاجزة عند المشهد الجديد في دفاعات من لا يرضخ لحكمها وقرارها، ما جعلها تتجه أيضا إلى اعتماد الثنائية المعاكسة فلجات إلى استراتيجية القوة الناعمة وابتدعت منظمات إرهابية تواجه بها قوى المقاومة والدفاع الوطني الشعبي من جهة أولى واعتمدت سياسة التجويع للتركيع عبر اللجوء إلى التدابير الكيدية والحرب الاقتصادية التي أسمتها عقوبات بحق الخارجين عن أرادتها.

وباتت المواجهة بين أميركا وبين الأخين المتمردين على قراراتها وسياستيها لاستعمارية تشمل اليوم حربا إرهابية وحربا اقتصادية مع تلويح بالحرب العسكرية التي تشنها الجيوش التقليدية، وقد اثبت السنوات الماضية من هذا العقد ان الحرب الإرهابية قادرة على التدمير والتشريد لكنها غير قادرة على فرض الإرادة الأميركية على الدول المستهدفة إذا توفرت إرادة المقاومة لدى حكامها واعتمدت الثنائية الدفاعية المتمثلة بالجيش وقوى الدفاع الشعبي المتعدد التسميات (حرس ثوري -مقاومة – حشد شعبي – دفاع وطني الخ ....) أما العقوبات الاقتصادية فرغم أنها أحدثت بعض الأثر في حياة الشعوب وعرضت رفاتهم لأضرار شتى فأنها ومع وجود الإرادة والصلابة والوطنية تبقى عجزة عن الوصول إلى الأثر الذي تتوخاه أميركا.

و مع هذا المشهد و نتائج المواجهة ، ترى أميركا ان التهديد و التهويل بالحرب لا يجدي نفعا مع وضوح الرؤية لدى الأطراف التي يوجه اليها التهديد مع وجود إرادة الدفاع لديها ووجود قوة قتالية متنوعة مستعدة للمواجهة و قادرة على خوض الدفاع و القتال الدفاعي المتعدد الأشكال و الأجيال ، و هذا ما حصل في غربي أسيا و وضع أميركا أمام حالة العجز الميداني الذي الجأها إلى قرارات استراتيجية علاجية برايها ،كان أولها قرار تجميد الوضع السوري مع اللجوء إلى حرب استنزاف منخفضة السقف ، و قرار الانزياح إلى أفريقيا  و تفجير الوضع مجددا في بعض دولها العربية ( الجزائر السودان فضلا عن ليبيا ) و قرار تصنيف مؤسسة رسمية إيرانية منظمة إرهابية ( الحرس الثوري) .

لكن أميركا تدرك ان الغرض الأساسي من سياستها و هو تركيع دول مركزية في منطقة الشرق الأوسط و في طليعتها ايران و سورية امر لن يتم بالعقوبات و الحرب الاقتصادية و لم تنجح في تحقيقه الحرب  الإرهابية ، و ان الحرب العسكرية امر ليس مضمون النتائج في ظل إرادة وطنية فولاذية لدى الأنظمة الحاكمة و احتضان شعبي لها وخاصة مع وجود تلك الثنائية الفذة في تنظيم القوى المدافعة القائمة على جيش رسمي و تشكيلات شعبية ، لذلك تشدد أميركا على سياسة العقوبات الاقتصادية التي هي أيضا باتت محل شكوك في أحداث الأثار المطلوبة مع الخشية إلى انقلاب السحر على الساحر فيها و الاضطرار في تطبيقها إلى عمل عسكري ما ،لا يضمن ان يبقى محدودا ، او القبول بارتفاع جنوني لأسعار النفط و اكتواء أميركا بناره .

ادن و خلافا لما تريد أميركا أشاعته إعلاميا و دبلوماسيا ، فان أميركا ليست طليقة اليد في فعل ما تشاء ضد الدول التي تستهدفها بقراراتها العدوانية ، و ليس لأميركا هامش واسع للمناورة فيه ضد هذه الدول خاصة مع تلك التي عرفت كيف تنظم دفاعها على الفرعين من التشكيلات و ان تحصن قرارها بإيلائه إلى حكام وطنيين غير مرتهنين للاستعمار ، و لهذا لا يكون مستغربا ان تشن أميركا هذه الحملات العدوانية الشعواء على مثل هؤلاء الحكام و تعمل على تغيير أنظمة الحكم التي يعتمدوها كما و تعمل بكل جهدها لحل التنظيمات الدفاعية الرديفة للجيوش بعد ان تصنفها إرهابية و تحشد أوسع لطاقات لمحاربتها و الضغط لتصفيتها و ان تمنع عن الجيوش الرسمية أي عمل تدريبي او تسليحي يمكن هذه الجيوش من امتلاك القوة الوطنية المستقلة . ... ويبقى المستقبل للشعوب التي عرفت كيف تدافع عن حريتها واستقلالها وسيادتها ...

الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني