تاريخ النشر۱۸ آذار ۲۰۱۹ ساعة ۱۴:۴۰
رقم : 409724

سورية في مواجهة حرب الاستنزاف والإرهاب بوظيفته الجديدة

تنا-بيروت
العميــــــد د. امين محمد حطيــــط أستاذ جامعي – باحث استراتيجي
سورية في مواجهة حرب الاستنزاف والإرهاب بوظيفته الجديدة
مع بداية السنة التاسعة للحرب  الكونية التي استهدفت سورية بقيادة أميركية و تبعية متعددة الجنسيات  و الأقطار و الأقاليم، و مع الذكرى السنوية لبدء ذاك العدوان الذي فشل في تحقيق أهدافه الرئيسية و الذي خسر معظم أوراقه الاستراتيجيةالسياسية والعسكرية التي كان يؤمل منها فرض ارادته  و اسقاط سورية و محور المقاومة والسيطرة على كامل المنطقة ليحولها الى محمية او مستعمرة أميركية كبيرة يستحوذ فيها على احتياط النفط و الغاز العالمي و يسيطر على ممرات و شرايين النقل المؤثرة على اقتصاد العالم ، مع هذه البداية و تلك الذكرى يبدو المشهد لسوري اليوم مختلفا عما يشتهيه ارباب العدوان ، ويختزن أمورا تتطلب من المدافع سعيا و جهدا مهما لإعادةالوضع الى ما كان عليه قبل العدوان  .
 
ففي الإطار الاستراتيجي العام، يكون موضوعيا القول بان العدوان على سورية أخفق في تحقيق ما رمى اليه،وبات واضحا بان من الاستحالة بمكان القول بان هناك إمكانية طرح خطط بديله تمكن المعتدي من معالجة الفشل، لكن وبشكل موضوعي أيضا نقول بان المعتدي لم يستسلم للنتائج،ولم يسلملسورية بانتصارهاوانتقل حقيقة من استراتيجية اسقاط سورية، الى استراتيجية أخرى قد تسمى " استراتيجية تعطيل استثمار الانتصار اوإفراغ الانتصار من محتواه" وهو امر عبرت عنه اميركا بكل فجور ووقاحة بعبارة "إطالة امد الصراع ".
 
اما في التنفيذ فان "إطالة امد الصراع " كما تراها اميركا تعني بالنسبة لها العمل على محاور أربعة متساندة او ذات تأثرمتبادل، المحور الأول، ميداني ناري، الثاني ديمغرافي انساني،الثالث اقتصادي عمراني، ومحور أخير هو المحور السياسيالمتصلبالاستقرار النهائي في الدولة وفي الترجمة لهذه المحاور نصل الى ان استراتيجية"إطالة امد الصراع" تنفذها اميركا عبر ما يلي:
 
- منع الاستقرار الأمنيومنع الدولة السورية من استعادة سيطرتها على ما تبقى من ارض يسيطر عليها الان احتلال أجنبي مباشرة او بالوكالة، او ينتشر فيها إرهاب يفسد امنها.
 
- منع عودة النازحين السوريين من الخارج والسعي لإطالة مدة اقامتهم حيث هم الان في دول الجوار خاصة تركيا ولبنان والأردن (تقريبا6 ملايين)كماوعرقلة عودة مهجري الداخل بشكل او باخر.
 
- منع انطلاق عملية إعادة الاعمار والاستمرار في فرض التدابير الكيدية الاجرامية ضد سورية تحت تسمية "العقوبات " واستمرار تصعيد الحرب المالية والاقتصادية على سورية ثم ربط عملية إعادة الاعمار والمساعدة فيه بالحل السياسي الذي يعطي العدوان ما عجز عنتحقيقه في الميدان.
 
- منع المصالحة الوطنية،وعرقلة انطلاق العملية السياسية التي تفضي الى حل يحفظ لسورية وحدتها واستقلالها وسيادتها،ويصر الغرب على تغير النظام السياسي في سورية ليكون نظاما طائفيا اثنيا واهنا يعطل ذاته بذاته ويجعل القرار عرضة للتنازع الداخلي الدائم الذي يستعصي على الحل ان لم يتدخل الأجنبي.
 
على هذه المحاور الأربعة تعمل اميركا بكل كيدية و نفس انتقامي عقابي ،لتنتقم لخسارتها الاستراتيجيةوفشلها في اسقاط سورية ومحور المقاومة  ولتمنع من افشلها من استثمار انتصاره ،ولذلك تجد سورية المنتصرة بعد ثمان سنوات من الحرب عليها، تجد ان انتصارها مستهدف بخطة اجنبية شيطانية تستدعي مواصلة المواجهة لا بل قد تتطلب جهدا أكبر مما سلف لان المحافظة على الانتصار و استثماره عادة تكون أصعب من تحقيقهبذاته،وان البوابة لهذا الامر كما نرى  هي البوابة الميدانية التي يؤدي تشريح وتحليل سلوكيات العدوان فيها الى القول بان اميركا عمدت الان الى:
 
أولا : القيام بحرب استنزاف حول ادلب : ان اخطر ما يمكن التوقف عنده الان في مسار المواجهة العسكرية مع الإرهاب و الاحتلال الأجنبي في سورية هو ما اتجهت اليه الفصائل الإرهابية بعد ان تمكنت جبهة النصرة من السيطرة على معظم منطقة ادلب ، حيث تضرم الان نار حرب استنزاف الجيش العربي السوري المرابط في محيط المنطقة في وضعية استعداد لتنفيذ عملية التحرير بالقوة ان استنفدت محاولات التحرير عن طريق مخرجات استنة او اتفاقات سوتشي ،التي كما بات يقينا عند أصحاب الشأن ، لن تفضي الى أي نتيجة و بات هناك قناعة ضمنية بان العمل العسكري امر لا بد منه ، ويدرك  الارهابيون ورعاتهم الاتراك هذه الحقيقة و لذلك لجات هذا المجموعات ورعاعتها الى حرب استنزاف تهدف الى ارهاق التشكيلات العسكرية السورية التي تتحضر في قواعد انطلاقها الميداني ،حرب تؤثر سلبا عليها معنويا و ماديا بشكل يحول دون تمكنها من تنفيذ العملية في ظروف مؤاتيهمضمونة النجاح ، كما يؤدي الى تعطيل الحياة المدنية في المحيط و يمنع الانطلاق في إعادة اعمار المنطقة خاصة في محيط حلب ذات الرمزية الوطنية ، و أخيرا تبتغي من هذه الحرب اظهار قوة الإرهاب و شد عصب الإرهابيين و منع الاقتتال الداخلي بينهم بإظهار خطر يتهدد الجميعكما وقد يكون من شان الاعتداءات في اطار حرب الاستنزاف هذه نيةاستدراج الجيش  لأطلاق عملية التحرير السورية قبل استكمال تحضير بيئتها السياسية و العملانية . 
 
ثانيا: مراجعة وظيفة "داعش" في سورية (والعراقأيضا)والتحول من الإرهاب الذي يسيطر على مساحات ويقيم كيانات تحت تسمية" دولة" او ما شابه، الى الإرهاب المنتشر في خلايا موزعة بين خلايا فاعلة نشطة وخلايا نائمةخامدة،وتحريك المجموعات بعمليات إجرامية تنفذها الخلايا الناشطة وتستعد للمزيد منها الخلايا النائمة،وهذا ما عناه ترامب يوم أعلن عن قرار انسحاب اميركا من سورية،وأشار الى مرحلة جديدة من المواجهات مع الإرهاب سيتولاها الحلفاء.
 
ان عملية التحول هذه،وعملية إعادة انتشار الخلايا الإرهابية التي تعتبر داعش عامودها الفقري تتطلب الوقت والتهيئة الميدانية،ولذلك رأينا كيف ان اميركا تماطل وتسوف او تتخذ المواقف الزئبقية حول تاريخ تنفيذ الانسحابالمزعوم وطريقته فلم تحدد حتى الان موعدا نهائيا و لم تؤكد ان يكون انسحابها كاملا بل يبدو انها تراجعت الى الحد الذي جعل من الانسحاب إعادة انتشار بعد تخفيض العدد (ستبقي على الف جندي كما سربت  تفعل ذلك  لانهالن تنسحب الا  بعد ان تتيقن من ان داعش في جهوزها الميداني الجديد قادرة على تنفيذ "حرب الخلايا الإرهابية "التي تربك الوضع الأمني وتمنع عودة الاستقرار وتتكامل مع حرب الاستنزاف التي بدأت في الشمال الغربي السوري.
 
ثالثا: الاحتفاظ بالرهائن السوريين في مخيم الركبان وتاليا الاحتفاظ بقاعدة التنف العسكرية الاميركية، لتشكل حرسا للمخيم وحاجزا مانعا لحركة الانتقال الحر والامن بين كل من سورية والعراق والأردن.ولأجل ذلك تمنع اميركا أي مسعى روسي او سوري لتسوية وضع السوريين في هذا المخيم وتستثني اميركا قاعدة التنف من قرار الانسحاب.
 
وهكذا نرى في بدء السنة التاسعة للعدوان على سورية، ان الحربعلىسورية وبعد الانتصاراتالاستراتيجية الكبرى التي حققتها سورية وحلفائها تغير شكلها اليوم وانتقلت الى حرب استنزاف في الشمال الغربي،وحرب خلايا ارهابية مقرونة بوجود أميركي احتلالي يحرسها في الشمال الشرقي، مع الإمساك برهائن في الجنوب الشرقي يمنع استعادة الوضع الى طبيعته.
 
ان هذا الواقع المستجد سيفرض على سورية وحلفائها في محور المقاومة و روسيا التعامل معه بكل جدية  حذر ، لتلافي المخاطر التي يشكلها على الوضع برمته ، تعامل مركب سيكون العمل العسكري في ادلب و المقاومة المخدومة بعمل عسكري في الشرق أساسا فيه ، و هوامر تدركه اميركا و تعلم كما يبدو ان سورية لن تصبر طويلا على هذا الحال و لن تتقبل فكرة دفعها او انزلاقها الى حرب استنزاف حول ادلب و انها لابد عازمة على الخروج من الوضع بحسم عسكري بات ملزما لها ، لأجل ذلك عادت اميركا الى نغمة الأسلحة الكيماوية و حركت القديم منها و تحضر لمسرحيات مستقبلية منها لتتخذها ذريعة من اجل التدخل المانع  لسورية من اطلاق عمليتها التحريرية في ادلب ، و لكنني اعتقد ان سورية  وحلفاءها  لن يخضعوا للابتزاز او الترهيب الأميركي و انها مع الحلفاء  لن تصبر  على حرب الاستنزاف و لن تقبل بتجميد استثمار الانتصار .
 
 
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني