تاريخ النشر۱۹ كانون الثاني ۲۰۱۹ ساعة ۱۰:۱۴
رقم : 396183

رئيس أركان الحرب الإسرائيلي... بين قيود القوة وتعاظم التهديدات

تنا-بيروت
صحيفة الاخبار اللبنانية- علي حيدر
رئيس أركان الحرب الإسرائيلي... بين قيود القوة وتعاظم التهديدات
مع تولي رئيس أركان جيش العدو الإسرائيلي، أفيف كوخافي، منصبه، يتصدر المشهد التساؤل عن موقع رئيس الأركان ودوره في منظومة صناعة قرار الحرب، وهو أمر ليس من السهولة وضع ملامح حاسمة له، على الأقل في بعض جوانبه. يعود ذلك إلى أن مساحة تأثير المؤسسة العسكرية في قرارات المستوى السياسي أمر متحرك كونه يخضع لأكثر من اعتبار، ويزداد الأمر تعقيداً مع تعقيدات البيئة الإقليمية وما تنطوي عليه من أخطار متصاعدة. في الوقت نفسه، ينظم القانون العلاقة بين المؤسستين السياسية والعسكرية، على قاعدة خضوع رئيس الأركان للمستوى السياسي.

تم تحديد هذه العلاقة عام 1976، بعدما سن الكنيست «قانون أساس الجيش» بناء على توصية «لجنة أغرانات» التي تشكلت للتحقيق في «إخفاق» حرب 1973. وينص القانون الذي يتشكل من ستة بنود قصيرة على أن «الجيش هو جيش الدولة، ويخضع لسلطة الحكومة»، وأن «وزير الأمن هو الوزير الذي تعينه الحكومة وزيراً على الجيش»، وأن «رئيس هيئة الأركان العامة للجيش هو المسؤول القيادي الأعلى داخل الجيش»، وأنه «تحت سلطة الحكومة وخاضع لوزير الأمن».

من الواضح أن هذا القانون مقتضب وضبابي، فضلاً عن أنه لم يحدد بوضوح توزيع الصلاحيات بين رئيس الحكومة ووزير الأمن ورئيس الأركان، لكن المسلَّم به قانونياً أن الحكومة (المجلس الوزاري المصغر) من يملك قرار الحرب، وأي محاولات ومساعٍ من الجيش للتأثير في هذا المسار ينبغي بالضرورة أن تمر عبر المستوى السياسي الحاكم. ومع أن رئيس الأركان ليس عضواً رسمياً في «المجلس المصغر» (الكابينت)، فإنه عملياً عضو مشارك في القضايا التي يبحثها، خصوصاً أن مجالاته محصورة في السياسة الخارجية والأمنية. ومع أنه لا يحق لرئيس الأركان التصويت في المجلس، فإنه الأكثر تأثيراً في قرارات وتوجهات الوزراء.

في هذا السياق، تساهم مجموعة من العوامل في تعزيز مكانة المؤسسة العسكرية، ممثلة برئيس الأركان، في عملية صناعة قرار الحرب، أو أي عملية عسكرية واسعة. وتنبع هذه المكانة من الخصوصية التي يتمتع بها هذا الكيان، لجهة ماهيته الاستعمارية ــــ الاستبدالية، ودوره الوظيفي على مستوى المنطقة، الأمر الذي أدى إلى هيمنة العامل الأمني على حسابات ووعي صناع القرار السياسي.

ومن أهم منابع هذا النفوذ لدى مؤسسات صناعة القرار السياسي أن الجيش في إسرائيل يحتكر منذ إنشائها حتى اليوم قراءة الواقع وتفسيره وتقديم الخيارات ثم التوصيات أمام المستوى السياسي. وفي السياق نفسه، تعتبر «شعبة الاستخبارات العسكرية» (أمان) مسؤولة عن تقديم الإنذار من الحرب أمام الحكومة، وهو ما يمنحه هامشاً واسعاً جداً في التأثير في توجهات الوزراء السياسية والأمنية. ويعتبر رئيس الشعبة، الذي هو عضو في هيئة أركان الجيش، المقدر الوطني للكيان الإسرائيلي.

يحتكر الجيش في إسرائيل قراءة الواقع وتقديم الخيارات ثم التوصيات

مع ذلك، يرتفع منسوب تأثير رئيس الأركان، كممثل للمؤسسة العسكرية، عندما تكون كلفة الخيارات الحربية المطروحة مرتفعة، وجدواها غير مضمونة أو حتى ضبابية. وفي هذه الحالة، تصبح القضية في ملعب الجيش كونه الجهة التي تملك القدرة والمعلومات التي تؤهله لتقدير قدرات العدو، وقدرات إسرائيل المضادة، ولا يخفى أن هذين العاملين حاسمان في بلورة توجهات المستوى السياسي.

على هذه الخلفية، يأتي ما نقله المعلق السياسي في صحيفة «يديعوت أحرونوت» ناحوم برنياع، عن رئيس الأركان السابق غادي ايزنكوت: «عندما انتقل من نائب رئيس الأركان إلى رئيس الأركان (قال) إنه شعر بالفرق جيداً. عندما تكون نائباً، دائماً هناك من هو فوقك، وعندما تصبح رئيس أركان لا أحد فوقك. صحيح أن هناك وزير أمن ورئيس حكومة ومجلساً وزارياً مصغراً، لكن وفق الطريقة الإسرائيلية الكلمة الأولى، وفي أحيانٍ متقاربة الكلمة الأخيرة أيضاً، هي للجيش».

في المقابل، كلما ارتفع منسوب الاطمئنان لدى دراسة الخيارات إلى انتصار إسرائيل في أي حرب ستخوضها ــــ بغض النظر عما سيحدث على أرض الواقع ــــ مع كلفة معقولة، اتسع هامش المستوى السياسي على مستوى أصل القرار وتوقيته وتظهيره.

بالنسبة إلى الظرف الإقليمي الذي تولى في ظله كوخافي منصب رئاسة الأركان، رأى «معهد أبحاث الأمن القومي» أن هذه الفترة «عاصفة وغير مستقرة» أمنياً، لأن «البيئة الإستراتيجية التي يعمل فيها الجيش الإسرائيلي ما زالت تتميز بانعدام يقين بالغ»، وأن ثمة احتمالاً لنشوب حرب خلال ولايته. وبتعبير أكثر تفصيلاً: استنفدت السياسات والرهانات الإسرائيلية نفسها، ولم تتمكن من توفير أي حلول جذرية لأي من التحديات التي تواجهها، وهو ما وضعها أمام محطات مفصلية.

في المقابل، تتخوف إسرائيل من اتساع مساحة اللايقين في بيئتها الإقليمية، إن لجهة سرعة التطورات وتداعياتها السيَّالة، أو للخيارات التي يلجأ إليها حزب الله والمدى الذي يمكن أن يبلغه، كما كشف عن ذلك سلفه ايزنكوت خلال مناقشة خيارات الجيش في مواجهة الأنفاق. ومن المؤكد أن هذا اللايقين الذي يحضر وفي وعي مؤسسة القرار العسكري يمتد أيضاً ليشمل ما يخبئه الحزب من مفاجآت تحتل ركيزة أساسية في عقيدته العسكرية.

في هذا الإطار، تدرك القيادتان السياسية والعسكرية أن أي مواجهة واسعة ستؤدي إلى استهداف الجبهة الداخلية بما لم يسبق أن شهدته طوال تاريخها، وهو الذي ساهم حتى الآن في تعزيز معادلة الردع الإقليمي. هذه الحقيقة ساهمت وستساهم في تعزيز مكانة المؤسسة العسكرية، ممثلة برئيس أركانها، كوخافي، خلال أي بحث للخيارات العملانية على مستوى المنطقة، خصوصاً أن هناك تسليماً تاماً بأن الأثمان التي ستدفعها إسرائيل ستكون كبيرة جداً. هذه الحقائق تجعل العبء كبيراً جداً على رئيس الأركان وتفرض عليه أن يكون أكثر دقة في إدراك حدود القوة وقيودها، ومن ثمّ أن يكون أكثر حذراً في مقاربة التحديات الماثلة.
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني