تاريخ النشر2010 11 December ساعة 11:27
رقم : 33644

السيرة الحسينية ووحدة الامة

القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان*
إنّ شخصيةَ الإمام الحسين عليه السلام هي شخصيةٌ فريدةٌ متميزة في نوعِها تجسدُ القيمُ الإسلاميةُ في كل أبعادِها وتفاصيلها، إذ ترعرع في بيتِ النبوة المحمديّ على الذكرِ والتقوى والفقهِ والصلاحِ والشجاعةِ والفصاحةِ.
عبد اللطيف دريان - رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان
عبد اللطيف دريان - رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان
وكالة انباء التقريب (تنا):
 يُجمع المسلمون كما يُجمع المؤرخون والكتَّاب أنّ الحسن والحسين عليهما السلام هما "سيّدا شباب أهل الجنة"، وأنّ لهما مزيةً خاصة بنسبهما الشريف ومكانتهما من محبة النبي (ص)، وهما بهذه المزيةِ والمكانة أحب الناس إلى قلوب المسلمين·

سماهما النبي (ص)، وذهبا وإخوتهما بكلّ ما في فؤاد النبي عليه الصلاة والسلام من محبة البنين، فكان عليه الصلاة والسلام لا يطيق أذاهما ولا يحب أن يستمعَ إلى بكاءٍ منهما في طفولتهما، فقد خرج النبي (ص) يوماً من بيتِ السيدة عائشة رضي الله عنها، فمرَّ على بيتِ السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وسمع حُسيناً يبكي فقال: "ألم تعلمي أنّ بكاءه يؤذيني"·

إنّ شخصيةَ الإمام الحسين عليه السلام هي شخصيةٌ فريدةٌ متميزة في نوعِها تجسدُ القيمُ الإسلاميةُ في كل أبعادِها وتفاصيلها ، إذ ترعرع في بيتِ النبوة المحمديّ على الذكرِ والتقوى والفقهِ والصلاحِ والشجاعةِ والفصاحةِ، وهي شخصيةٌ تمثلُ القيمة الإنسانية الروحيّة التي انفتحت على شريعةِ الله أوسعَ انفتاح، وعايشت عمقَ المفاهيم
الإسلاميّة كأعمقِ ما يكون العمق، وانطلقت مجسدةً تعاليمَ الإسلامِ بكل القضايا المتصلة بالإسلام·

لقد كان الحسين بحكمِ نشأتِه وتربيته ومزاياه الفطريّة، وبحكم الوراثةِ الخَلقيّة من أكرم بيت وأشرف خَلق ، مؤمناً أصدقَ الإيمان بالله تعالى، حريصاً أشد الحرصِ على شريعة الإسلام أن يمسها أحدٌ مهما علت منزلته بسوء، صلباً أشد الصلابةِ في إحقاق الحقّ ومراعاة أحكام الدِّين القويم، لا تأخذه في الله لومة لائم··· كان هذا شأنه، ومن كان هذا شأنُه وهذه مبادؤه ومعتقداتُه كان من العسير عليه أشدَ العسر، لا بل من المستحيلِ أعظمَ ما تكون الاستحالة، أن يغضَّ الطرفَ أو أن يرضى بالزيفِ الصارخ والانحرافِ عن نهج الدين القويم وإنكارِ حق الأمة في التشاور والاختيار·

وسيرة الإمام الحسين عليه السلام هي مسيرةُ الإصلاحِ والتضحية، وهي قصةُ الصراع العنيف بين اتجاهين:
- اتجاه الإصلاحِ والخيرِ والأريحيةِ والحريةِ والعدالةِ والتضحيةِ، وكلّ ما يرتفع بالإنسان من دركِ الحيوانية إلى أوجِ البراءة والنقاء·
 - واتجاه الشرِّ واللؤمِ والاستبعادِ والظلمِ والقهر، وكل ما ينحدرُ بالإنسان إلى حضيض المهانةِ والانحطاط·
وإنّ من يطالعُ سيرةَ سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام ابن الإمام عليّ رضي الله عنه.
 
ويستجلي أحوالَ من خاضوا غمرات أحداثها سيعثر على فئتين من النّاسِ هما على طرفيّ نقيض:
- فئة الحسين وأنصارِه وأتباعه ومؤيديه، التي تتمثل فيها أسمى وأشرفُ ما بلغته الإنسانيةُ في تاريخ حضارتِها، وأنبلُ ما بثّته الأديان ودعت إليه من خصالِ الخيرِ وإعلاء كلمة الحق
والجودِ بالنفس في سبيل نصرةِ المظلوم والقضاءِ على الضلال والسادرين فيه·

- وفئة المناوئين للحسين فئة باغية كما وصفها النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، مع الذين تخلَّوا عن نصرتِه، الذين أعمتهم منافُعهم الذاتية ومطامُعهم الدنيوية عن جلالِ قدره ورفعةِ مقامه وقرابتِه من سيد الأنبياء والمرسلين وتحدرِه من أكرم أبوين، من أب دافع عن الإسلامِ بسيفه، وروَّع قلوب أعدائِه بإقدامه وشجاعته، ونوِّر أذهانَ المؤمنين بواسع علمِه وسحرِ بيانه، ومن أم معطَّرةِ الأنفاس بنفحات النبوة، مطهَّرةِ الأخلاقِ والشيم بعبقِ الوحي والرسالة، وإنّه··· (عليه السلام) وبعد طولِ تأملٍ وتفكيرٍ واستماعٍ إلى المشيرين بالإقدامِ والناصحين بالنكوصِ والإحجام، وبعدما تبدى لعينيه العجبَ العجاب من ثباتِ العامرةِ قلوبُهم بالإيمان، وتهافت الخائرةِ نفوسهم والمجبولةِ قلوبهم على إيثار الخذلان والاستسلام ، أقدم على خوض المعركة واضعاً نصب عينيه الانتصارَ للحق أو الشهادةَ بعز وكرامة في سبيل حق آمن به وتحملَّ من أجلهِ ما لا يتحمله إلا أولو العزم من الرِّجال، فكان باستشهادِه سيدَ الشهداء، قدّم للبشريةِ ولأمتهِ أبلغ شهادةٍ تنطوي على أسمى معاني الاستشهاد في سبيلِ أسمى قضيةٍ هي قضيةُ الإصلاحِ والعدالة في أمة جدِّه محمد عليه الصلاة والسلام·

استلهام الوحدة علينا أن نستلهم العبر من السيرة الحسينية التي هي في الحقيقةِ سيرةُ وحدة الأمة الإسلامية الرحبةِ والعميقةِ كرحابةِ وعمقِ الإسلام، تاركين ورافضين شعاراتِ التفرقة والتمذهبِ المسيئةِ إلى الوحدة الإسلامية، لنقدمَ عبر تجديد الخطابِ لهذه السيرة رمزاً للوحدةِ الإسلامية التي هي أساسُ الدائرةِ الإسلاميةِ الواسعةِ المنفتحة على الإنسانية كلها·

نحن بحاجةٍ ماسة إلى وحدتنا الإسلامية،
وبحاجة ماسةٍ إلى النهجِ والفكرِ الحسينيّ الذي هو في حقيقته النهجُ الإسلامي في الإصلاحِ والعدالةِ والتضحيةِ والفداءِ والثورةِ على الظلمِ والاسـتبدادِ والاسـتعباد، لمواجهة التحديات وما يُحاك لأمتنا من مؤامرات ومكائد، وما يفرض عليها من مشاريعِ إذلالٍ ومناهجِ قهرٍ واستعباد·

إنّ الأخطار التي تهدد وجود أمتنا الإسلامية اليوم هي أخطار تفوقُ التصور، وبخاصة ونحن في عصرِ الغطرسةِ والإستكبارِ والعولمة، وبعض المسلمين بكل أسف يعطون الفرصة للآخرين للتمكن منها ومن ثرواتها وإبقائها في حالة تخلف مستمر، وإنّ من أهمِ العواملِ التي تمكن أعداءَ الأمةِ منا يتمثل في الفرقةِ والتنازعِ والصراعاتِ المدمرة المتعددة الأبعاد بين المسلمين أنفسِهم ، سواء كان هذا التنازع أو التفرق في أمور الدين أو السياسة أو بسببِ الفوارقِ الطبقية الصارخة أو بسببِ الصراعاتِ القبلية أو العرقية التي تحيي ما كان قائماً في الجاهلية·

لقد جاء التحذير الإلهي من كل ذلك حاسماً قاطعاً في أوجزِ وأعجزِ عبارة في القرآن الكريم فقال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} وقال تعالى: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ·

إنّ الفرقةَ والتنازعَ والتناحرَ سلبياتٌ تؤدي إلى الفشلِ الذي تكون نتيجته الحتمية هي ذهابُ قوةِ المسلمين
التي يكونون بعدها لقمةً سائغةً في أيدي أعدائهم كما هو واقع اليوم بالفعل في فلسطين والعراق وأفغانستان···· وغيرها من مناطق العالم الإسلامي·

ولا شك أن التعصبَ للخلافاتِ المذهبية في أمور الدين، والتناحرَ من أجلِها تعدُّ من العقباتِ الخطيرة في سبيل وحدة الأمة الإسلامية، فقد آن الأوان لأن يدركَ المسلمون جميعاً أن الإسلامَ في جوهره لا يعرفُ التصنيفاتَ المعتادة من سنة وشيعة وفقهاء ومتصوفة وغيرَ ذلك من مسميات، وعينُ اليقين أنه لا ذنبَ لأي مسلمٍ من المسلمين اليوم في أي نزاعاتٍ حدثت بين الأسلافِ في الماضي وأدت في بعض الأحيان إلى صراعاتٍ دامية، فهذا تاريخٌ مضى وانقضى ، سلمت منه أيدينا فلتسلم منه ألستٌنا·

على الأمة أن تجتمعَ على ما تتفقُ عليه، وعلى المسلمين أن يعذرَ بعضهم بعضاً فيما يختلفون فيه، فالجميع مسلمون والقرآن الذي يتلونه صباحاً ومساءً لا خلاف عليه بينهم، وعلى المسلمين أن يدركوا أن الأخطار التي تهددهم في عالم اليوم لا تفرق بين سنيّ وشيعيّ أو درزيّ أو علويّ، ولا بين حنفيّ أو جعفريّ أو شافعيّ أو حنبليّ أو مالكيّ أو زيديّ أو إباضيّ، فالجميع مُستهدفون بوصف واحد هو أنهم مسلمون·

حملات مغرضة إنّ الوحدةَ الإسلاميةَ اليوم أصبحت أشدَّ ضرورةً منها في أي وقت مضى، وهي ضرورةٌ تنبع من مصدرٍ ديني ولكنها تصبّ في مصلحة المسلمين جميعاً وفي مصلحةِ السلام العالمي بصفة عامة، وهي امتثالٌ لأمرِ الله تعالى في قوله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، وهي بلا شك ستقوي جانبَ المسلمين وتزيدُ من تعاونهم
فيما بينهم في جميع المجالات مما يزيدُهم قوة، ويجعلهم أقدرَ على العمل من أجل تقدمِ بلادهم والارتقاءِ بشعوبهم، وتجعلهم أقدرَ على المشاركة الفعالة في صنعِ السلامِ في العالم، والإسهامِ بدور حاسم في تقريرِ مصيره لأنه عالمُنا جميعاً·

إننا نتعرض جميعاً باعتبارِنا مسـلمين إلى كثيرٍ من حملاتِ التشـكيكِ والتجريحِ والحروبِ المكشوفة حيناً والمستترةِ أحياناً ضد الإسلام من تيار (قوى العولمة الحالية) القائمةِ على: (استغلالِ وقهرِ الإنسان من حيث هو إنسان على حسابِ القيمِ والأخلاقِ والمعتقدات) الهادفةِ إلى اختزالِ الشخصيةِ الثقافيةِ والهويةِ الحضاريةِ الإسلامية وتصويرها بأنها أصبحت من مخلفاتِ الماضي السحيق التي يجب إهمالُها ونسيانُها، وذلك عن طريق إيقاظِ أطرِ الانتماء السابقة في دولِ عالمنا العربيّ والإسلاميّ العرقية والقبلية والطائفية والتعصب المذهبيّ، والدفعِ بها جميعاً إلى التناحرِ والتقاتلِ المتبادل الذي يؤدي إلى الحروب الأهلية والإفناء المتبادل·

إنّ العصر الذي نعيش فيه لم يعد فيه مكانٌ للضعفاء ، والمسلمون فيه ليسوا بقلةٍ، إلا أنّ قوى العولمة الحالية تريد لنا أن نكون أمةً حائرةً في عالم متحير عبر تهميش دورِنا لفرضِ مشاريعَ علينا تتنافى مع معتقداتِنا وتقاليدِنا وأعرافِنا وقيمنا وأخلاقنا وتتنافى مع النهج الحسينيّ الذي هو في حقيقته هو النهج المحمديّ والنهج الإسلاميّ·

علينا أن نكون أمةً غير حائرة، أمةً موحدة متماسكة متضامنة في أبعادها الدينيّة والسياسية والاجتماعية لنختارَ نحن مكانَنا في هذا العالم المتغير·

*رئيس المحاكم الشرعية السنية في لبنان 

https://taghribnews.com/vdcba0bf.rhbfapukur.html
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني
أدخل الرمز