تاريخ النشر2011 3 August ساعة 01:22
رقم : 58308
الشیخ یوسف دعموش

آثار الذنوب على الإنسان

تنا بيروت
"ان عالم الدنيا هو عالم الابتلاء والتكلف لعباد الله الذي يعّد احد اهداف خلق الله سبحانه الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملاً وهو العزيز الغفور ، ولا يخلو حال الانسان غير المعصوم عن الطاعة والمعصية "
آثار الذنوب على الإنسان
في معرض حديثه عن الآثار المترتبة على الإنسان المذنب العاصي لله تعالى ، يشرح رئيس تجمع علماء جبل عامل الشيخ يوسف دعموش عبر وكالة أنباء التقریب - مكتب بيروت  كيفية وجوب معرفة الإنسان للذنوب وتجنبها أي ما اصطلح على تسميته بالجهاد الأكبر ،كما يعدد  أيضاً هذه الآثار التي منها الحرمان من النعم ومن استجابة الدعاء ونقصان العمر .ناصحاً إياه بالرجوع الى الله وطلب التوبة النصوح لتكفر ذنوبه وتمحى سيئاته. وهذا نص الحديث:


"ان تجتنبوا كبائر ما تنتهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم"

إن الإنسان السالك الى الله لا بد له أن يعلم أنه لم يخلق لهذه الدنيا لأنه مخلوق شريف كرمه الله وفضله على كثير من مخلوقاته وذلك قوله تعالى "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاَ ". فقد شرفه الله بالعديد من المنازل والمقامات فخلقه في أحسن تقويم (الذي خلقك فسواك فعدلك في اي صورة ما شاء ركبك) وزينه بالعقل الذي به يثيب الله وبه يعاقب و استخلفه على الأرض (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) كل ذلك ليكون الانسان مثالاً لله في اسمائه وصفاته واوليائه طالبا اليه الرجوع اليه بنفس مطمئنة بقلب سليم يدخل في جملة عباده ويسكنه فسيح من جنانه التي اعدها الله للمحسنين مجاورا لقربه الذي هو غاية الغايات والهدف الاسمى لخلق الانسان ووجوده ومن هنا كان ابتلاؤنا بعالم الدنيا ووسواس الشيطان والنفس الامارة والطريق الطويل فلابد من تهيئة الزاد والوسيلة لهذا السفر الشاق المليء بالمخاطر والمصاعب . فقد عبر علماءنا في الاخلاق عن الطريق الى الله بأنها ذات الشوكة وعملية التربية وتهذيب النفس لانها ریاضة يروض فيها الانسان نفسه الامارة بالسوء ليكبح جماحها وليتحرر من اسرها واغلالها . وللوصول الى الغاية المنشودة وهي القرب من الله تعالى وتحصيل رضوانه لابد من الجهاد في سبيله بمجاهدة النفس وبذل الوسع في تزكيتها وهو ما يسمى بالجهاد الاكبر وهو ما روي عن رسول الله (ص) أنه قال لأصحابه بعد ان رجعوا من ميدان جهاد اعداء الله : مرحبا بقوم قضوا الجهاد الاصغر وبقي عليهم الجهاد الاكبر فقيل يا رسول الله : ما الجهاد الأصغر؟ انه جهاد النفس اي تزكيتها وتحليتها بالفضائل والقيم والاخلاق وتخليتها عن الرذائل والاخلاق القبيحة وبذلك تتحقق السعادة الدنيوية والاخروية "واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى " . اذ لا نجاة الا بالطاعة وترك معصيته ولا يتيسر ذلك الا من خلال التفقه في الدين وطلب العلم ومعرفة الحلال من الحرام ليعرف الانسان اين يضع قدمه بحيث لا تنزلق به نحو الانحراف والبعد عن ساحة رحمة الله ومن هنا كان لابد من معرفة الذنوب واثارها الخطرة والمؤذية والمهلكة للإنسان في الدنيا والاخرة والمانعة له من النجاة ودخول الجنة وسالكة به الى جهنم ليجتنبها ويبتعد عنها ويكون من القريبين الى الله والمتمسكين بالله ورضوانه .
اولا : ما هو الذنب؟ الذنب في اللغة هو الاثم والجرم والمعصية وفي الاصطلاح هو ترك المأمور به من الله وفعل المنهي عنه وبعبارة اخرى ان لا يراك الله حيث نهاك وان لا يفتقدك حيث أمرك والمأمور به لله اما ان يكون واجباً او مستحباً والمنهي عنه اما ان يكون حراما او مكروها والمراد منهما في مقام الذنب هو ترك فعل الواجب وفعل الحرام وهذا في حده الادنى مرتبة العوام . يعني ترك فعل الواجب هو فعل العوام وفعل الحرام هو فعل العوام. اما بالنسبة للانبياء والائمة (ع) فالذنب الذي ينسب اليهم له مرتبة اخرى وهي ترك الاولى : فإن فعل المكروه لديهم كأنه بمنزلة فعل الحرام لا يفعلونه وفعل الحرام لديهم معتبر كالذنب وكذلك ترك المستحب هو ترك للاولى وهو في نظرهم كترك الواجب وتركه معتبر لديهم كالذنب وهم سلام الله عليهم يملكون ملكة انسانية قوية تمنعهم باختيارهم من ارتكاب المعصية بل حتى في التفكير بها لعلمهم بقبحها وخطورتها وتأثيرها. ولذا فقد وردت روايات كثيرة في اهمية ترك الحرام قال رسول الله (ص) :" ترك لقمة الحرام احب الى الله من صلاة الفي ركعة تطوعاً ".
وقال الامام الصادق (ع):" رد ضانق حرام بعدل عند الله سبعين حجة مبرورة" ، وايضاً قال :" جدوا واجتهدوا وان لم تعملوا فلا تعصوا فان من يبني ولا يهدم فانما يرتفع بنائه وان كان يسيرا ومن يبني ويهدم يوشك ان لا يرتفع بناؤه". وقد ورد ايضا عن رسول الله (ص) :" من قال سبحان الله غرس الله له شجرة في الجنة فقام رجل من قريش وقال : ان شجرنا في الجنة لكثير فقال (ص) : نعم ولكن اياكم ان ترسلوا اليها نيرانا فتحرقوها " . وفي الحديث الشريف عن رسول الله (ص) :" ليجئن أقوام يوم القيامة لهم من الحسنات كجبال تهامة فيتؤمر بهم الى النار ..قالوا يا رسول الله أمصلون؟ قال : كانوا يصلون ويأخذون وهناً من الليل لكنهم كانوا اذا لاح لهم سيء من الدنيا وثبوا اليه (اي كانوا يأكلون الحرام) .
اذا أصل الدين الورع : كن ورعاً تكن اعبد الناس كن بالعمل بالتقوى اشد اهتماماً منك بالعمل بغيره فإنه لايقل عما يتقبل لقول الله انما يتقبل الله من المتقين. فالابتعاد عن الذنوب يوجب قبول الاعمال مهما قل هذا العمل او كثر وعليه ينبغي للانسان تجنب الوقوع في الخطايا وارتكاب الذنوب لان آثارها مهلكة وخطيرة في العوالم الثلاث : عالم الدنيا وعالم البرزخ وعالم الآخرة.
ان عالم الدنيا هو عالم الابتلاء والتكلف لعباد الله الذي يعّد احد اهداف خلق الله سبحانه الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملاً وهو العزيز الغفور ، ولا يخلو حال الانسان غير المعصوم عن الطاعة والمعصية وقد وعدنا الله وتوعدنا ان لكل من الطاعة والمعصية آثارها الحاضرة في الدنيا فللطاعة آثاؤها وبركاتها التي تبعث الامل في نفوس المؤمنين وترغبهم في العمل الصالح والاكثار منه . وفي المقابل للمعصية آثارها ونتائجها المهلكة في الدنيا ولعل حينما يطلع الانسان على آثار المعصية ليحذر منها ويتجنبها لانها كالسم القاتل فان العاقل حينما بفرض عليه السم يجتنبه لان فيه هلاك نفسه في الدنيا والذنوب فيها هلاك النفس في الاخرة ، فكما يجب تجنب السم في الدنيا يجب تجنب الذنوب لئلا توصله الى الهلاك في الآخرة ولا يفرق في ترتب الأثر الوضعي والتكويني على الانسان في حال العلم او الجهل ولو في الدنيا فإنه حتى لو كان جاهلاً وفعل الذنب سيترتب الأثر الوضعي والتكويني على ذلك. كمن يشرب السم مع الجهل فإن السم سيؤثر اثره وكذلك الذنب سيؤثر حتى في حال الجهل فمثلاً: ما ورد عن رسول الله (ص) :"ان مال الحرام يبين في الذرية فلو فرض ان انساناً كان ماله حراماً واطعم اولاده من هذا المال الحرام وهو لا يعتقد بحرية ماله الا يؤثر هذا المال على اولاده نعم سيؤثر بلا شك لان جهل الانسان بالحرام وارتكاب له لا علاقة له بالتأثير وعدمه لعدم ارتباط احدهما بالآخر وعليه فإن الذنوب لها آثار .
ومن هذه الآثار المهلكة للذنوب:
١- غضب الله سبحانه: والغضب هنا بمعنى عقاب الله وعذابه . فقد ورد عن الامام الباقر (ع): عندما سأله عمرو بن عبيد عن قوله تعالى ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ما ذلك الغضب فقال ابو جعفر هو العقاب . وهذا من الآثار المرعبة والمخيفة اذ كيف للانسان ان يتحمل غضب الله وعقابه ويعرف بأن الله غاضب عليه وتستكين نفسه ويستغفر بدنه .
٢- قسوة القلب : والمراد بالقلب ليس تلك القطعة من اللحم الموجودة داخل الانسان وانما هو ذلك الجوهر الذي تتقوم به انسانية الانسان وقد اودعه الله فينا مفطورا على التوحيد والعبودية والطاعة وطاهراً ابيضاً سليماً رقيقاً شفافاً ليس فيه اي نقص وفساد . ولكن بارتكاب الذنوب والمعاصي والابتعاد عن الله يقسو شيئاً فشيئاً حتى يصبح اشد قسوة من الحجارة ولا يبقى للهداية اي منفذ تنفذ اليه كما حكى الله ذلك عن الكافرين . ختم الله على قلوبهم وعلى ابصارهم واسمعاهم ولهم عذاب . بحيث يتحول القلب الى قلب اسود ولا يفلح ابدا ففي الخبر عن الباقر (ع) :" قال ما من عبد الا وفي قلبه نكتة بيضاء فان اذنب خرج من النكتة نكتة سوداء فان تاب ذهب ذلك السواد وان تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه الى حد ابدا". وهو ترك الله عز وجل كلا بل وان على قلوبهم ما كانوا يكسبون .
٣- حرمان الرزق: والرزق قد يكون معنوياً كالتسديد والحفظ والتأييد والشهادة في سبيل الله وقد يكون مادياً كالمال والطعام . يقول الله تعالى :" أن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له اليه ترجعون" .
وفي الخبر ان الرجل ليحرم الرزق بذنب والظاهر ان المراد هو الحرمان وقد يكون برفع البركة من الرزق لا اصل الرزق لان الله تعالى يقول :" ما من دابة على الارض الا وعلى الله رزقها" . فمن اراد زيادة الرزق فليقلع عن الذنوب .

٤- نقصان العمر : ان رأسمال الحياة الدنيا عند اهلها هو العمر الطويل والرزق الوفير وغاية اهل الزمان هو المحافظة على ابدانهم وصحتهم ومآكلهم ومشربهم ظناً أن ذلك يطيل اعمارهم . وكل ذلك لا يطيل عمراً ولا ينقصه فقد دلنا الله سبحانه وتعالى على ما يوجب زيادة العمر والرزق ونقصانهما ببر الوالدين وصلة الرحم الذين بهما تتم زيادة العمر وبعقوق الوالدين وقطيعة الرحم يتم نقصان العمر . ففي الحديث عن الامام الصادق (ع) :" من يموت بالذنوب اكثر ممن يموت بالآجال". يقول سبحانه وتعالى ": ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين".
٥- زوال النعم وحلول النقم : يقول تعالى :" ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون " .
٦- الأمراض : فقد ورد عن الامام الصادق (ع) : :" أما أنه ليس من عرق ينبض ولا نكبة ولا صداع ولا مرض الا بالذنب ". وذلك قول الله تعالى :" وما اصابتكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفو عن كثير ".
٧- نسيان العلم : وهو آفة كبرى تعيد الانسان الى الجهل والغفلة بعد ان كان عالماً ذاكراً وما ذلك الا لذنب ارتكبه فقد روي عن النبي (ص) انه قال :" اتقوا الذنوب فإنها ممحقة للخيرات ان العبد ليذنب الذنب وينسى العلم الذي كان قد علمه".
٨- عدم استجابة الدعاء: فقد ورد في بعض الروايات انه بفضل الذنب لا يسمع ولا تستجاب الحاجة . فعن الامام الباقر (ع) :" ان العبد يسأل الله الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها الى اجل قريب او الى وقت بطيء فيذنب العبد". ويقول الله تبارك وتعالى للملك" لا تقضي حاجته واحلامه اياها فإنه تعرض لسخطي واستوجب الحرمان مني " .
٩- عدم التوفيق للعبادة : فقد يحرم المذنب من ثواب العبادة وبركاتها سيما تكفير السيئات وتضاف سيئة الى سجل اعماله فقد ورد عن الامام الصادق (ع) :" ان الرجل ليذنب الذنب فيحرم صلاة الليل وان العمل السيء اسرع من صاحبه من السكين .
اذا امام هذه الآثار السيئة للذنوب ليس للانسان سوى الرجوع الى الله والتوبة النصوح لتكفّر ذنوبه وتمحى سيئاته . وان يعلم ان كل ما يصدر عنه مراقب من قبل الله سبحانه فلا يحقرن ذنباً ولا يصغرنه وعليه اجتناب الكبائر فإن العبد اذا نظر الى ذنوبه ومضت عيناه دماً وقبحاً حيث يقول الله تعالى:"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو ان بينها وبينه امداً بعيداً .
والحمد الله رب العالمين

http://www.taghribnews.com/vdcfcmdt.w6dcxaikiw.html
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني