المباهلة يبين أهميّة الأسلوب الحواريّ

يوم المباهلة: يوم عظيم في الإسلام

تنا
يوم المباهلة هو يوم عظيم في الإسلام، ويصادف في 24 ذي الحجّة من العام 9 للهجرة، لما له من أهميّة ودلالات، وقد تعرَّض لهذه الحادثة الكثير من الرّواة والمحدّثين والعلماء والمفسّرين.
تاریخ النشر : الأربعاء ۵ سبتمبر ۲۰۱۸ الساعة ۱۰:۴۵
كود الموضوع: 355438
 
محمد السيد

وفي الرّوايات، كما في تفسير القمّي عن الصَّادق(ع)، أنّ نصارى نجران لمّا وفدوا على رسول الله(ص)، حضرت صلاتهم، فأقبلوا يضربون النّاقوس وصلّوا، فقال أصحاب الرّسول(ص): يا رسول الله، هذا في مسجدك؟ فقال: دعوهم. فلمّا فرغوا، دنوا من رسول الله(ص)، فقالوا: إلام تدعو؟ فقال(ص): إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّي رسول الله، وأنّ عيسى عبد مخلوق، يأكل ويشرب ويحدّث، قالوا: فمن أبوه؟ فنزل الوحي على رسول الله(ص)، فقال: قل لهم ما تقولون في آدم، أكان عبداً مخلوقاً يأكل ويشرب ويحدّث وينكح؟ فسألهم النبيّ(ص)، فقالوا: نعم، قال(ص): فمن أبوه؟ فبهتوا، فأنزل الله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}[آل عمران: 59].

وقوله: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ} إلى قوله: {فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}[آل عمران: 61]، فقال رسول الله(ص): فباهلوني، فإن كنت صادقاً أنزلت اللّعنة عليكم، وإن كنت كاذباً أنزلت عليَّ، فقالوا: أنصفت. فتواعدوا للمباهلة، فلما رجعوا إلى منازلهم، قال رؤساؤهم، السيّد والعاقب والأهتم: إن باهلنا بقومه باهلناه، فإنّه ليس نبيّاً، وإن باهلنا بأهل بيته خاصّةً لم نباهله، فإنّه لا يقدّم أهل بيته إلا وهو صادق. فلما أصبحوا، جاؤوا إلى رسول الله(ص) ومعه أمير المؤمنين(ع) وفاطمة والحسن والحسين(ع)، فقال وفد النّصارى: من هؤلاء؟ فقيل لهم: هذا ابن عمه ووصيّه علي بن أبي طالب، وهذه ابنته فاطمة، وهذا ابناه الحسن والحسين، فقالوا لرسول الله(ص): نعطيك الرّضا، فاعفنا من المباهلة. فصالحهم رسول الله(ص) على الجزية وانصرفوا...

وقد وردت هذه الحادثة ونقلت في كتب العلماء والرّواة، كما في كتاب "الخصال" للشّيخ الصّدوق، و"شرح الأخبار" للقاضي النّعمان المغربي، كذلك في كتاب "الإرشاد" للشّيخ المفيد، وكتاب "الفصول المختارة" للشّريف المرتضى، وكتاب "تفضيل أمير المؤمنين(ع)" للشّيخ المفيد، وفي صحاح المسلمين، كما في صحيح "مسلم" و"الترمذي" وغيرهم.

من جهته، يرى سماحة المرجع الإسلامي، السيد محمد حسين فضل الله(رض)، أنّ النبيّ(ص) في هذه الآية، بتوجيهٍ من الله تعالى له، أراد أن يؤكّد المباهلة في خطّ التحدّي الكبير، في موقع الاستعداد لتعريض أعزّ النّاس عليه للخطر الآتي من النّتائج السلبيّة المطروحة في ساحة المباهلة بهلاك الكاذب، وأطلق الحديث عن الأبناء والنّساء والأنفس ممّن يختصّ به، لإطلاق المبدأ في هذه العناوين، فكأنّه يريد أن يقول لهم، إنّه على استعداد لدعوة هؤلاء، بكلّ ما يمثّلونه من عمق عاطفيّ في نفسه، إلى المباهلة، للتّدليل على صدق دعوته، من دون التّحديد في عنوان الدّعوة، ولكنّهم كانوا محدّدين في نفسه بأشخاص معيّنين، لأنّهم هم المفضّلون لديه، القريبون إليه، الأثيرون عنده.

ويتابع سماحته(رض)، وإذا كانت الآية مختصّةً بالنبيّ محمّد(ص) في الواقعة الخاصّة مع وفد نصارى نجران، فإنّها لا تختصّ ظاهراً به، بل يمكن أن تنطلق في كلّ مورد مماثل لم يصل فيه الحوار إلى نهاية حاسمة، لعدم استعداد الطرف الآخر للاقتناع بالحجّة ـ بعد إقامتها عليه ـ فتكون المباهلة هي الخيار الأخير في ساحة التحدّي.

فإنّ الله قد طرح المسألة على رسول الله(ص)، من خلال أنّها وسيلة من وسائل المواجهة لإسقاط موقف الآخرين في خطّ الباطل لمصلحة موقف الحقّ، لا لخصوصيّة في المورد الخاصّ...[تفسير من وحي القرآن، ج6، ص:70 و72].

يوم المباهلة يوم للمسلمين جميعاً، في دلالته على الحقّ وأهله، وعظمة رموزه، وأهميّة الأسلوب الحواريّ الهادئ حول مختلف القضايا الدّينيّة والعقائديّة، كما أكّد ذلك رسول الله(ص) في مباهلته لوفد نصارى نجران، ليعطينا الدّروس والعبرة، ولنكون من المقتدين بسنّته المباركة...

/110
Share/Save/Bookmark
المصدر : بينات