في ذكرى مولد الامام الهادي (ع)

الإمام الهادي (ع) عمر حافل بالعلم والجهادفي مواجهة الانحراف

تنا
عاش الإمام الهادي(ع) قياساً إلى العمر الطبيعي عمراً قصيراً، فقد كان عمره يوم وفاته إحدى وأربعين سنةً، وكان مولده(ع) في النصف من ذي الحجة سنة 212هـ في "صريا" من المدينة، وهي قريةٌ أسَّسها الإمام الكاظم(ع) على ثلاثة أميال من المدينة، وتُوفّي في سامرّاء.
تاریخ النشر : الأحد ۲۶ أغسطس ۲۰۱۸ الساعة ۲۲:۵۳
كود الموضوع: 353430
 
العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

وقد عاش الإمام الهادي (ع) حياته هذه في نشاط دائم متحرّك في الثقافة الإسلاميّة، فقد كان يعلّم الناس، ويعلّم العلماء منهم، حتى ذُكِر أنَّ الذين رووا عنه علومه بلغوا ما يقارب المائة وخمسةٍ وثمانين راوياً، والراوي عادةً يمثّل موقعاً ثقافياً متقدماً في ذلك الوقت، وقد روى المؤرخون أنَّ من ثقاته: "أحمد بن حمزة بن اليسع، وصالح بن محمد الهمداني، ومحمد بن جزال الجمّال، ويعقوب بن يزيد الكاتب، وأبو الحسين بن هلال، وإبراهيم بن إسحاق، وخيران الخادم، والنضر بن محمد الهمداني. ومن وكلائه: جعفر بن سهل الصّقل. ومن أصحابه: داود بن زيد، وأبو سليمان زنكان، والحسين بن محمد المدائني، وأحمد بن إسماعيل بن يقطين، وبشر بن بشّار النيشابوري الشاذانيّ، وسليم بن جعفر المروزيّ، والفتح بن يزيد الجرجانيّ، ومحمد بن سعيد بن كلثوم، ومعاوية بن حكيم الكوفيّ، وعليّ بن معد بن معبد البغداديّ، وأبو الحسن ابن رجا العبرتائي".

وتحرّك(ع) في حياة النّاس بحيث يراقب ويتصدّى لكلِّ الانحرافات التي تعرّض لها الواقع الإسلاميّ، لأنَّ مسؤوليّة الأنبياء والأولياء والعلماء في كلِّ زمان ومكان، هي أن يدرسوا كلَّ الخطوط التي تتحرّك في الثقافة الإسلاميّة أو في الواقع الإسلامي، ليصلحوا الخطأ، وليقوّموا الانحراف بالأساليب التي وضعها الله تعالى في كتابه، بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن.

وقد واجه الإمام الهادي(ع) كثيراً من المشاكل الفكريّة التي كانت قد فرضت نفسها على الذهنيّة الإسلامية لتنحرف بها عن الصواب، فقد حدثت في زمنه مشكلة الذين يقولون بالجبر، وأنَّ الله تعالى أجبر عباده على أعمالهم، فليس للعباد اختيارٌ في ما يطيعون أو يعصون، فالطاعة من الله والمعصية منه.

وكان هناك اتجاه التفويض الذي يقول إنَّ الله تعالى فوّض الأمر إلى خلقه، فهو خلقهم وانعزل عنهم، أو فوّض الأمر إلى بعض خلقه، بمعنى أنَّ الله تعالى خلق الناس وجعل الأمر للأنبياء مثلاً، فلا يتدخّل في شؤون النّاس، ولكن تبقى قدرة الله وهيمنته وتدبيره للناس، بما لا يبعدهم عن رعايته وتدبيره وسلطته.

كان أصحاب هذين الاتجاهين بحسب الظاهر خارج المدينة، فأرسل الإمام الهادي(ع) رسالةً شارحاً لهم حقائق الأمور، ومبيِّناً لهم بالدليل من العقل والنقل بطلان الجبر والتفويض، ودعاهم إلى الاستقامة في خطِّ الله سبحانه وتعالى، كما واجه الغلاة الذين حاولوا أن يحرّكوا خرافاتهم في الذهنيّة العامة، وخصوصاً أنَّ كثيراً من الذهنيّات التي تعيش في المجتمع هي ذهنيّات طيّبة تقبل كلَّ شي‏ء، وهذا يحدث في كلِّ زمانٍ ومكان.

فيقول في هذه الرسالة: "من عليِّ بن محمد، سلامٌ عليكم وعلى من اتبع الهدى ورحمة الله وبركاته، فإنَّه ورد عليَّ كتابكم، وفهمتُ ما ذكرتم من اختلافكم في دينكم، وخوضكم في القدر، ومقالة مَنْ يقول منكم بالجبر ومَنْ يقول بالتفويض، وتفرُّقكم في ذلك وتقاطعكم وما ظهر من العداوة بينكم، ثم سألتموني عنه وبيانه لكم، وفهمت ذلك كلَّه..

فأمَّا الجبر الذي يلزم من دان به الخطأ، فهو قولُ من زعم أنَّ الله جلَّ وعزَّ أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها، ومن قال بهذا القول، فقد ظلم الله في حكمه وكذّبه وردَّ عليه قوله: {ولا يظلمُ ربُّك أحداً}[الكهف:49] وقوله: {ذلك بما قدّمَتْ يداكَ وأنَّ الله ليس بظلاّمٍ للعبيد}[الحج:10] وقوله: {إنَّ الله لا يظلمُ النّاسَ شيئاً ولكنَّ الناسَ أنفُسَهُم يظلمون}[يونس: 44] مع آي كثيرة في ذكر هذا. فمن زعم أنَّه مجبرٌ على المعاصي، فقد أحال بذنبه على الله وقد ظلمه في عقوبته، ومن ظلم اللهَ فقد كذّب كتابَه، ومن كذّب كتابه فقد لزم الكفر بإجماع الأمّة.. وأمَّا التفويض الذي أبطله الصادق(ع) وأخطأ مَنْ دان به وتقلّده فهو قول القائل: إنَّ الله جلَّ ذكره فوّض إلى العباد اختياراً أمره ونهيه وأهملهم، وفي هذا كلامٌ دقيق لمن يذهب إلى تحريره ودقته، وإلى هذا ذهبت الأئمة المهتدية من عترة الرسول(ص)، فإنَّهم قالوا: لو فوّض إليهم على جهة الإهمال، لكان لازماً له رضى ما اختاروه واستوجبوا منه الثواب، ولم يكن عليهم في ما جنوه العقاب إذا كان الإهمال واقعاً.. فمن زعم أنَّ الله تعالى فوّض أمره ونهيه إلى عباده، فقد أثبت عليه العجز وأوجب عليه قبول كلِّ ما عملوا من خيرٍ أو شرٍّ، وأبطل أمر الله ونهيه ووعده ووعيده، لعلّة ما زعم أنَّ الله فوّضها إليه، لأنَّ المفوَّض إليه يعمل بمشيئته، فإن شاء الكفر أو الإيمان كان غير مردود عليه ولا محظور، فمن دان بالتفويض على هذا المعنى، فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده ووعيده وأمره ونهيه، وهو من أهل هذه الآية: {أفتؤمنونَ ببعض الكتاب وتكفُرونَ ببعضٍ فما جزاءُ مَن يفعلُ ذلك منكم إلاَّ خِزيٌ في الحياة الدنيا ويومَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أشدِّ العذاب وما اللهُ بغافلٍ عمّا تعملون}[البقرة:85]، تعالى عما يدين به أهل التفويض علوّاً كبيراً.

لكن نقول: إنَّ الله جلَّ وعزَّ خلق الخلق بقدرته وملّكهم استطاعة تعبّدهم بها، فأمرهم ونهاهم بما أراد، فقبل منهم اتباع أمره ورضي بذلك لهم، ونهاهم عن معصيته، وذمَّ من عصاه، وعاقبه عليها، ولله الخِيَرَةُ في الأمر والنهي، يختار ما يريد ويأمر به وينهى عمّا يكره ويعاقب عليه بالاستطاعة التي ملّكها عبادَه لاتّباع أمره واجتناب معاصيه، لأنَّه ظاهر العدل والنصفة والحكمة البالغة، بالغ الحجّة بالإعذار والإنذار، وإليه الصفوة يصطفي من عباده مَن يشاء لتبليغ رسالته واحتجاجه على عباده، اصطفى محمداً(ص) وبعثه برسالاته إلى خلقه".

وفي زمن الإمام الهادي(ع) جاء مَن يدّعي بأنَّ الإمام هو الربُّ، وهو النبيّ، وأنَّ الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر هي معرفة الإمام، وقد استغلَّ أصحاب هذا الاتجاه حبَّ الناس لأهل البيت(ع)، وقدّموا أنفسهم على أنَّهم من المحبّين لهم، وبدأوا ينشرون هذه الأفكار، فكتب بعض الأصحاب إلى الإمام الهادي(ع): "جعلت فداك يا سيدي، إنَّ عليَّ بن حسكة أحد الغلاة يدّعي أنَّه من أوليائك، وأنَّك أنت الأوّل القديم، وأنَّه بابك ونبيّك، أمرته أن يدعو إلى ذلك، ويزعم أنَّ الصلاة والزكاة والحجَّ والصوم، كلُّ ذلك معرفتُك، ومعرفةُ من كان مثل ابن حسكة في ما يدّعي من البابيّة والنبوّة ـ أي أنَّه بابُ الإمام والنبيّ من قِبَلِه ـ فهو مؤمنٌ كامل سقط عنه الصلاة والصوم والحج ـ أي لم يعد مكلّفاً بالحجّ والصوم والصلاة ـ ومال إليه كثير، فإن رأيت أن تمُنَّ على مواليك ـ شيعتك ـ بجواب في ذلك تنجيهم من الهَلَكَة".

فكتب الإمام الهادي(ع): "كذب ابن حسكة عليه لعنة الله، وبحسبك أنّي لا أعرفه في مواليَّ، ما له؟ لعنه الله، فوالله ما بعث الله محمداً والأنبياء قبله إلا بالحنيفيّة والصلاة والزكاة والحج والصيام والولاية، وما دعا محمد(ص) إلاَّ إلى الله وحده لا شريك له، وكذلك نحن الأوصياء من وُلْده عَبيدُ الله، لا نشرك به شيئاً، وإن أطعناه رحمنا، وإنْ عصيناه عذّبنا، ما لنا على الله من حجّة، بل الحجّة لله علينا وعلى جميع خلقه، أبرأ إلى الله ممن يقول ذلك، وأنقض إلى الله من هذا القول، فاهجروهم لعنهم الله وألجئوهم إلى ضيق الطريق".

إنّ هذه الرسالة تؤكد القاعدة الإيمانية في خطِّ أئمة أهل البيت(ع) في نفي الغلوّ الذي يرتفع بهم إلى ما يقرب من درجة الألوهية بشكل مباشر من خلال تجسّد الله فيهم، أو بغير ذلك أو بشكل غير مباشر في اتصافهم بصفات الله، بحيث تكون العبادة لهم والرزق والحياة والموت منهم وما إلى ذلك.. لتكون لهم دعوى النبوّة عنهم، أو البابية لهم.. وهذا ما رفضه الإمام(ع) رفضاً قاطعاً، بتأكيد العبودية المطلقة لله، وبأنهم المأمورون بإطاعة أوامره ونواهيه، والمنهيون عن عصيانها، لأنّ المعصية تستتبع العقاب عليها، فلله الحجة عليهم كما هي الحجة على خلقه، وليس لهم على الله حجة من موقع العبودية، ثم كان الإعلان للبراءة من هؤلاء من خلال البراءة من هذا الفكر الكافر المنحرف، والتأكيد على هجرانهم وتضييق الأمر عليهم..وهذا ما ينبغي لنا أن ننفتح عليه ونؤكده أمام كلِّ الانحرافات التي تأخذ بالغلوّ أو بما يقرب منه في الاقتراب بهم إلى مواقع الألوهية، كما لو كانوا يقومون بدور الله في الخلق والرزق والإحياء والإماتة ولكن بإذنه.

وقد كان للإمام الهادي(ع) نشاط واسعٌ في تأكيد المفاهيم الإسلامية وتعليم النّاس الأحكام الشرعيّة، وتركيز قاعدة إيمانية ولائية شعبيّة ممتدّة في أكثر من بلد، فقد كان للإمام جهازٌ متحرّك متنوّع يغطي الكثير من أخبار الناس هنا وهناك، ويحمل تعاليمه إليهم بطريقة دقيقة جدّاً.. وقد جاء في بعض رسائله لوكلائه التي تحمل طابع التنظيم والتوجيه "نسخة الكتاب مع ابن راشد إلى جماعة الموالي الذين هم ببغداد، المقيمين بها والمدائن والسواد وما يليها: أحمَدُ اللهَ إليكم ما أنا عليه من عافيةٍ وحُسن عائدة، وأُصلّي على نبيِّه وآله أفضل صلواته وأكمل رحمته ورأفته، وإنّي أقمت أبا عليٍّ بن راشد مقام الحسين بن عبد ربّه، ومَن كان قبله من وكلائي وصار في منـزلته عندي، وولّيته ما كان يتولاّه غيره من وكلائي قبلكم ليقبض حقّي، وارتضيته لكم، وقدّمته في ذلك وهو أهلُه وموضعه.. فصيروا ـ رحمكم الله ـ إلى الدفع إليه ذلك وإليَّ، وألاّ تجعلوا له على أنفسكم علّة، فعليكم بالخروج عن ذلك، والتسرّع إلى طاعة الله وتحليل أموالكم والحقن لدمائكم، وتعاونوا على البرِّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثمِ والعدوان، واتقوا الله لعلكم ترحمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تموتُنَّ إلاّ وأنتم مسلمون، فقد أوجبت في طاعته طاعتي، والخروج إلى عصيانه الخروج إلى عصياني، فالزموا الطريق يأجركم الله ويزيدكم من فضله، فإنَّ الله بما عنده واسعٌ كريم، متطوِّل على عباده رحيم، نحن وأنتم في وديعة الله وحفظه، وكتبتُه بخطّي والحمد لله كثيراً".

إنّ التدقيق في هذه الرسالة يرينا أنَّ الإمام الهادي(ع) كان يملك جهازاً منظّماً من الوكلاء الذين كان يراقبهم ويعمل على تبديلهم بين وقت وآخر لأسباب مختلفة في ذلك، وأن هناك مسؤولية في جباية أموال الخمس التي يحتاجها للمسؤوليات الكبرى التي يتحملها في موقع الإمامة، وأنه يوصي أصحابه بالالتزام به والتعاون معه على البرِّ والتقوى، لا على الإثم والعدوان، ما قد يوحي بضرورة المراقبة لعمله بالرغم من كونه مرضيّاً عند الإمام، ليحددوا الموقف معه على أساس استقامته في خطِّ الطاعة لله، ليكون الالتزام في دائرة الانضباط في مسؤولية الوكالة والوقوف عند الطريق المستقيم.. وربما نستوحي من هذا الأسلوب في إدارة أمر الإمامة مع قاعدتها من خلال الوكلاء الشرعيين، أنه هو الأساس في نظام الوكلاء في المرجعيات الدينية كأساس للارتباط بين المرجعية وقاعدتها في قضايا الحقوق الشرعية والالتزامات الدينية في غياب السلطة الرسمية....


/110
Share/Save/Bookmark
کلمات رئيسية: الإمام الهادي، سامرّاء. "صريا ، مدينة المنورة