المفتي دريان: الاحتفاء بمولد نبي الرحمة هو احتفاء أيضا بمكارم الأخلاق

تنا-بيروت
وجه مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان رسالة، بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف.
تاریخ النشر : الاثنين ۱۹ نوفمبر ۲۰۱۸ الساعة ۱۴:۱۵
كود الموضوع: 378882
 
ونصت على الاتي:"الحمد لله، الذي أضاء الوجود بنور النبوة والرسالة، وأرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى والحق المبين، شاهدا ومبشرا ونذيرا، قال تعالى: "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا، ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلا".

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، سيد الخلق أجمعين، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى، القائل: "إنما أنا رحمة مهداة"، والقائل: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، أرسله تعالى بالهدى والنور والخير والرحمة، وأزال به الجهل، وأضاء به الظلام".

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: يقول المولى تبارك وتعالى في محكم تنزيله: "لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين".

أيها المسلمون، تهل علينا في شهر ربيع الأول من كل عام، ذكرى المولد النبوي الشريف. وهي ذكرى يحتفي بها المسلمون، في مشارق الأرض ومغاربها، وتحوطها إشراقات الفرح والسعادة، والبهجة والحبور، بقدر ما يجل المسلمون نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه، النبي الرسول، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركنا صلوات الله وسلامه عليه، على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يضل عنها إلا هالك، إلى يوم تشرق الأرض بنور ربها.

في شهر ربيع الأول، أنعم الله على الدنيا كلها، بمولد خاتم رسله وأنبيائه، محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله رحمة للعالمين، وشاهدا بين الناس بالحق، ومبشرا لأهل العدل والإيمان، ونذيرا لأهل الشر والظلم والعدوان، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وفي يوم مولد الرسول المصطفى، من كل عام، اعتدنا نحن المسلمين أن نلتقي في رحاب نبينا الكريم، عليه الصلاة والسلام، نتزود من سيرته العطرة، ونتأسى بخلقه العظيم، مجددين إيماننا بالرسالة الخالدة، التي ختم الله بها كلماته الهادية لأهل الأرض، وتوج بها مسيرة الخير والعدل والسلام، أفضل تتويج.

لقد نزلت بمحمد الطفل مصابات اليتم المبكر، إذ توفي والده عبد الله قبل ولادته، وكافحت والدته الحنون، من أجل تأمين تربية صالحة له، برعاية جده عبد المطلب. وكما أحاطت بالطفل ظروف الفقر والعوز، وبخاصة بعد وفاة والدته أيضا، وهو في سني عمره الأولى؛ فافتقد إلى عناية الأم وحنانها، والكفاية التي أحوجه افتقادها إلى رعي الغنم لأهله وأقاربه طفلا وفتى. لكنه صلوات الله وسلامه عليه، كان منذ فتوته ذا عقل مسؤول، وقلب عقول، وإدراك واسع لما حوله. وقد أهله ذلك كله في التزود بالحس المسؤول، والوعي الواسع.

كان عليه الصلاة والسلام يحب بني قومه، ويريد لهم الخير، ويكره الفساد الاجتماعي الذي كانوا منغمسين فيه، والذي زاد من ضلالهم وانحرافهم عن دين الحنيفية الإبراهيمية، والذي أثر في تأهلهم لخدمة البيت العتيق وزواره.

في مرحلة الفتوة والشباب هذه، نعرف المقام الذي بلغه محمد بين عشيرته من بني عبد مناف، من تسميتهم له بالصادق الأمين، ومن حدثين اثنين شارك فيهما:

الأول: أنهم عهدوا إليه مجمعين بوضع الحجر الأسود في مكانه، بعد أن جددوا بناء الكعبة، التي شعثتها السيول، ولكي لا يغضب فريق، فإنه وضع الحجر في برد، وحمل ممثلو بطون قريش أطرافه، ثم حمله بنفسه، ووضعه في مكانه، فاصطلحت بذلك قريش وتوقف انقسامها.

والحدث الآخر: هو حلف الفضول. فقد كثرت الفوضى والاعتداءات على زوار البيت من العرب، من جانب شبان سفهاء من قريش. ولذلك تنادى العقلاء للاجتماع ببيت أحد أشراف مكة، عبد الله بن جدعان، وكان محمد الشاب بين الشيوخ الحاضرين، الذين أقاموا تحالفا لنصرة المظلوم، ورعاية زوار مكة، سمي حلف الفضول، وقد قال صلوات الله وسلامه عليه: (لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به فى الإسلام لأجبت)، وما قال عليه الصلاة والسلام ذلك، إلا لأن ذلك اللقاء، كان للرفع من شان مكارم الأخلاق، وقد قال صلوات الله وسلامه عليه: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

أيها المسلمون، أيها اللبنانيون:
إن الاحتفاء بمولد نبي الرحمة، هو احتفاء أيضا بمكارم الأخلاق، التي كان عليه الصلاة والسلام علما عليها، قبل الإسلام وبعده. وما أحوجنا اليوم بالفعل، إلى الخلق السمح والودود والوفي والراقي، في أسرنا ومجتمعنا وحياتنا السياسية. هناك اليوم في حياتنا العامة، أمراض كثيرة، تأتي في طليعتها الأمراض الأخلاقية المنتشرة في الإعلام، ووسائل التواصل، وفي علاقات الناس بعضهم ببعض. لا يرعى الخصوم وأحيانا الحلفاء والأصدقاء لبعضهم الحرمات، لا في الجدال السياسي، ولا في العلاقات الشخصية.

إن الفرع الآخر من المشكلة الأخلاقية، ذلك الذي يتعلق بما يعتبره البعض حريات شخصية. لكن الحرية فيها أخلاق أيضا، أو أنها هي ذاتها ركن أخلاقي. لا أعرف كيف تكون الحرية فوق الأخلاق أو ضدها.

إن ظواهر التفلت والخروج على المعروف والمألوف، هي أمور لا يمكن قبولها، مهما كانت حريات الرأي والتعبير والتدبير مقدسة ومصونة. وهذا المستوى الأخلاقي المطلوب، لا تفيد في بلوغه العقوبات القانونية، ولا حملات رجال العلم والدين؛ بل لا بد من وعي مسؤول، يضع الأمور في نصابها، في الأسر وجمعيات التوعية، والخدمة الاجتماعية. والذي نريد التنبيه إليه، أن قسما من التهافت الأخلاقي، لا ترجع علته إلى تطلب الحريات الشخصية؛ بل إلى الفقر والحاجة. والمجتمع المتكافل، هو الذي يستطيع التصدي لهذه المشكلة، بالعلاج والرعاية والعناية.

لقد وجد القرشيون بمكة قبل الإسلام أنفسهم مضطرين بحكم مسؤوليتهم، لإقامة حلف الفضول أو الفضائل، لصون أعراض الناس وأموالهم وممتلكاتهم، وقد قال الله تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة".

أيها العرب، أيها المسلمون، أيها اللبنانيون، قضية الشعب الفلسطيني، هي قضية الحق والعدالة وقضية العرب والمسلمين، والمجتمع الإنساني، من أجل التحرير من الاحتلال الإسرائيلي، ومن أجل حق العودة، ومنع التوطين، وإقامة الدولة الفلسطينية على أرض فلسطين، وعاصمتها القدس الشريف، وما حصل ويحصل اليوم في غزة والقدس، والقرى والبلدات الفلسطينية، بحق الشعب الفلسطيني الصامد والصابر والمقاوم، من المجازر التي يرتكبها العدو الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني، يندى لها الجبين، ويمثل عدوانا آثما وعملا غاشما مرفوضا إنسانيا وقانونيا، ونتساءل: أين منظمات حقوق الإنسان؟ وأين المجتمع الدولي؟ وأين صناع القرار في مجلس الأمن والأمم المتحدة؟ أما لهذه المأساة المستمرة من مئة عام أن تنتهي؟.

أيها المسلمون، أيها اللبنانيون، ذكرى المولد، هي ذكرى الطفولة البريئة، التي ينبغي أن نصونها، وأن نسير عليها. وذكرى المولد هي ذكرى، وهي يوم الفتوة والشباب، الذين يتربون للمستقبل القريب للأسر والأوطان والدول.

لقد غير هذا اليتيم العظيم، صلوات ربي وسلامه عليه، العالم. وستظل سيرته في طفولته وشبابه وكهولته، ونبوته وهجرته، وبنائه للأمة والدولة؛ سيبقى ذلك قدوة لنا، ودرسا لا ينسى في الأخلاق الفاضلة والمسؤولة، وفي الحرص على كرامة الإنسان، وصنع الخير والمعروف، قال الله تعالى: "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين"، صدق الله العظيم.

وكل عام وأنتم بخير". 
Share/Save/Bookmark