آمنة التي عاشت...

تنا-بيروت
صحيفة الاخبار اللبنانية- محمد نزال
تاریخ النشر : الخميس ۱۱ أكتوبر ۲۰۱۸ الساعة ۰۸:۴۰
كود الموضوع: 367250
 
جيّد أنّها تكلّمت. كان يُمكن شهادتَها على حقبة تاريخيّة، استثنائيّة، أن تظلّ طيّ الكتمان لو لم تفعل. عرفها العالم بعد استشهاد ولدها البكر، وهو ثالث الشهداء من أبنائها. كانت تُكنّى باسمه: «أم عماد». مذّاك راحت تتكلّم. هي الأمينة على ذاكرة «حالة إحيائيّة» عرفها لبنان منذ ستّينيات القرن الماضي. ربّما لم تُفصِح عن كلّ شيء. ربّما ودّت أن تتكلّم أكثر. لكن، لسببٍ ما، لم تُتَح الفرصة. لعلّ أحدهم لم يأتها ليسألها عمّا سنرغب، غداً، أنّ نعرفه مِنها... فلا نجدها. لكن، في مطلق الأحوال، جيّد أنّها تكلّمت في آخر عمرها. صحيح أنّها والدة عماد مغنيّة، وأن البعض لا يعرفها إلا والدةً له، أو والدةً لثلاثة شهداء وجدّة لشهيد، إلا أنّ لتلك السيّدة، التي رحلت عن عالمنا قبل أيّام، حياة جهدت في صناعتها بعصاميّة تربويّة - تأسيسيّة. لها سيرة جديرة أن تُروى.

يُمكن مَن يُريد فهم البنية القيميّة لحزب لله، في لبنان، وتطوّرها على مدى نحو نصف قرن، أنّ يقرأ سيرة آمنة سلامة. كانت تُحدّث جليسها، قبل نحو سنة، عن مرحلة التأسيس الديني، الثقافي، الاجتماعي للبيئة التي ستُعرف لاحقاً بـ«الحالة الإسلاميّة» في لبنان. هذه الحالة الدينيّة، الشيعيّة، التي قُدِّر لها ألا تطلّ على العالم مِن الخلفيّة المذهبيّة، بل مِن مكان آخر تماماً: المقاومة. لم تولد تلك الحالة إلا كمقاومة. هي بنت مرحلة «الغربة» التي عاشت وفق مقولة: «قاتلوا إسرائيل بأسنانكم وأظفاركم وسلاحكم مهما كان وضيعاً». تأثير السيّد موسى الصدّر فيها كان فائقاً. كانت أمّ عماد تُحدّث عن البدايات، حقبة ستّينيات القرن الماضي، عندما عاد الراحل السيّد محمد حسين فضل الله إلى لبنان مِن العراق، مِن حوزة النجف، وكذلك عودة الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين بالتزامن مع بروز ظاهرة السيّد موسى الصدر. كانت تتحدّث عن هؤلاء الثلاثة على أنّهم الرعيل الأوّل، الذين أسّسوا، بحسبها، لكيانيّة اجتماعيّة مِن نوع ما، تلقّفها الناس، في العاصمة والأطراف، وهم آنذاك يوسَمون بـ«المحرومين». تقاطعت الأسباب. كثيرة هي التفاصيل التي كانت تختزنها ذاكرة الراحلة، والجيّد أنّ هناك، قبل مدّة، مَن سجّل معها بالصوت والصورة (بعض) شهادتها. تتذكّر، بشيء مِن الحنين، كيف توزّع أولئك «النهضويّون» في المناطق: الصدر أقام في مدينة صور، شمس الدين استقر في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، فيما نشط فضل الله في منطقة برج حمّود. وضعت، بيدها، الحجر الأساس لـ«مبرة الإمام الخوئي» عند طرف بيروت الجنوبي، إلى جانب السيّد فضل الله. كانت «حركيّة» بطبيعتها. لم تكن لتجزم، وإن كانت تتمنّى، بأنّ ما يُزرع يومها سيكبر لاحقاً لينتج ما يُغيّر شكل المنطقة.

هي آتيّة مِن بيت متديّن، محافظ تقليديّاً، لكنّها ستضيف لمستها التي ستُصبح لاحقاً أقرب إلى الهويّة. انضمّت إلى اللجنة النسائية لمسجد الإمام الرضا في بئر العبد. اشتغلت، وزميلاتها، على الزيّ. كنّ من أول الذين «نشروا» ما يُعرف اليوم، بين الملتزمات، بـ«الثوب الشرعي». ليس الحديث هنا عن «العباءة السوداء». فاللجنة أسست «معهد البتول» الذي كان يستهدف النساء غير المتعلمات وغير العاملات، لتثقيفهن دينياً، وإلحاقهن بدورات ليكتسبن مهارة تمكّنهن من العمل، ولتنظيم دورات الإسعافات الاولية، ربطاً بظروف الحرب الأهلية حينذاك. أسست اللجنة معمل خياطة للأثواب الشرعيّة، تعمل فيه النساء اللواتي تدربن في المعمل. مؤسِّسات اللجنة، لم يبدأن نشاطهنّ بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران. هذه إشارة بالغة الدلالة. تولت أم عماد، مع امرأة صارت لاحقاً أماً لشهيد أيضاً، الإشراف على المعمل. عملهما كان ــ كغالبية زميلاتهما ــ تطوّعياً، بطبيعة الحال. لم تكن أم عماد تبحث عن موقع، ولا عن مهنة، بل عن فعل مؤثّر في المجتمع لتساهم فيه. لاحقاً، نشطت مع زميلاتها في اللجنة في جمعية باسم «رابطة النهضة الاجتماعيّة» التي تحوّلت من «القومية» إلى «الإسلامية». هنَّ أردنَ إطاراً «قانونياً» لعملهن. بالمناسبة، تلك الجمعيّة ما زالت قائمة إلى اليوم، وهي، على مدى نحو نصف قرن، أنجزت الكثير مِن دورات «محو الأميّة». كانت الحاجة آمنة ورفيقاتها فطنات إلى مكان الخلل. ساعدت جمعيّتهن، التي اتسع نشاطها، في إعالة الكثير مِن العوائل الفقيرة، نتيجة تعليم النساء الخياطة والتطريز... وبالتالي العمل.

كانت «حركيّة» بطبيعتها. لم تكن لتجزم، وإن كانت تتمنّى، بأنّ ما يُزرع يومها سيكبر لاحقاً لينتج ما يُغيّر شكل المنطقة

كثيرات تحلّقن حولها. شخصيّتها «الكارزماتيّة» وثقتها الهائلة بنفسها ساعدتا في ذلك. كانت تُشيع ثقافتها الإسلاميّة في كلّ زاوية. كلّ هذا ولم تكن فظّة. كانت جاذبة، صاحبة روح مرحة، إن حان المرح، وصاحبة قلب فولاذي إن اصطك الحديد. لم تولد ظاهرة عماد مغنيّة مِن فراغ. هنا كان «المصنع».

قبل نحو ستّين عاماً، كانت آمنة تعمل في مستشفى المقاصد البيروتيّة. هناك تعرّفت إلى فايز مغنية الذي أصبح لاحقاً زوجها. جاء المستشفى لزيارة صديقه الفلسطيني، فتحي، والأخير كان زميلها في العمل. كان هو الرابط بينهما. سيكون لهذه العائلة علاقة فريدة مِن نوعها مع فلسطين عموماً. ثمرة الزواج الأولى ستكون عماد. ذات مرّة، وبعد أن أنهت عملها، بادرت إلى تأدية الصلاة. ناداها مديرها في المستشفى. لم تجبه. إثر ذلك قال لها: «شو أنا عاملك جامع هون!». كان المدير مُسلماً. كانت تتوقّع مِنه مزيداً مِن التفهّم. لم تسكت: «أولاً أنا خلصت دوامي، وإذا بدّي بردّ عليك أو ما برد، وبالمناسبة إيه كان لازم يتعمّر جامع مع المستشفى». ليست مِن النوع الذي يلوذ بالصمت. آنذاك كانت عشرينيّة. محجّبة، متديّنة أكثر مِن محيطها، والحديث هنا عن العيش في بيروت الستّينيات. عن مدينة الليل التي لا تنام. كانت آمنة واحدة من بذرات لشيء سيكبر لاحقاً كما لم يتوقّع خبراء الاجتماع. مع بداية الحرب الأهليّة، منتصف السبعينيات، كان زوجها أكثر ما يخاف على أولاده مِن الناحية الأمنيّة. كان يُريدهم أن يظلّوا بخير جسديّاً، لكن «أنا كنت خاف مِن شي تاني، كان خوفي عليهم مِن الانحراف والفلتان أكثر. كانت الأجواء بالبلد جاهزة لهيك».

هذا غيض مِن فيض ذاكرة الراحلة. سيكون على مَن عرفها أكثر، سمِع منها أكثر، مَن سجّل ودوّن، أن يكشف المزيد مِن حكايات الكدح والتأسيس. حكايات ما سيُصبح، لاحقاً، تاريخ جماعة استثنائيّة عاشت هنا.
Share/Save/Bookmark