الشيخ قبلان: شهر محرم الحرام شهر نصرة الحق

تنا-بيروت
وجه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، رسالة شهر محرم الحرام ورأس السنة الهجرية لهذا العام، وجاء فيها:"مع شهر محرم الحرام، شهر الهجرة النبوية الشريفة، شهر الحسين (عليه السلام)، شهر نصرة الحق ومقارعة الباطل، تتحول القضية بكل محاورها وامتداداتها عنوانا كبيرا للإنسان، بإيمانه وحريته وكرامة عيشه، ودولته بما تمثل من كيان وسلطة وموطن تتوفر فيه كل معاني المواطنة والقيم الرئيسة.
تاریخ النشر : الاثنين ۱۰ سبتمبر ۲۰۱۸ الساعة ۱۶:۱۵
كود الموضوع: 357642
 
هكذا صدر الإمام الحسين ثورته، وبهذا المفهوم جذرها في نفوس المعذبين والمقهورين، فأضحت رمزا لكل المظلومين على هذه البسيطة، حينما قال "لم أخرج أشرا ولا بطرا، ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر" وشعارا لمنطق الدين، وآمال البشرية، بخلفية أن الإنسان هو العنصر الثابت والمقدس في معادلة الكون، وكل ما دونه مسخر من أجله ومرصود لخدمته؛ ما يعني أن التربية والأخلاق ومشروع السلطة ومبدأ الدولة والوظيفة الاجتماعية والمالية والاقتصادية وكافة العناصر الثابتة والمتجددة، لا بد أن تدور مدار خدمة الإنسان بوجوده وغاياته وطبيعة مصالحه، عن طريق حكومة كرامة الناس والمساواة في ما بينهم، لأن حكومات الظلم والمصالح والمنافع الشخصية والغايات الطائفية والمذهبية، حولت البلد وناسه إلى فرائس في بازارات أهل البغي، الذين بجبروتهم وجشعهم حولوا العالم إلى ساحة صراع ونفوذ وتسلط وتحكم واستبداد، فعاثوا فيه فسادا وإخلالا بكل الموازين والاعتبارات، تسيرهم شهوة الهيمنة، وتصادر عقولهم ماديات بخسة، إذا ما قيست بكرامة الإنسان وطهره، حينما يكون ارتباطه بالله ارتباطا رساليا سماويا، لا يعنيه من هذه الدنيا سوى الصلاح والإصلاح، والحكم بما يرضي الله وينفع عباده.

تحت هذه العناوين، ومن أجلها كانت ثورة الإمام الحسين، من أجل الإصلاح في ناسه وأمته، وحفظ الرسالة بما تدعو إليه من سلام ومودة وتآلف وتعاون على البر والخير، دون الإثم والعدوان، الذي نهى عنه الإسلام نهيا مطلقا، وشدد على التسامح وإصلاح ذات البين، والتكاتف من أجل الخير العام، ونهى عن الفرقة والخصومة؛ وهذا ما نحتاجه في هذا البلد المأزوم ونؤكد عليه، ونحن نعيش الشهادة والتضحية والبذل، نعيش الحسين بدينه وبتقواه، وتعاطيه مع أنصاره، ودعائه لأعدائه. 

نعم نعيش صفوة الإسلام يجسدها حفيد رسول الله، لعلنا نتعلم نحن اللبنانيين، وخصوصا أصحاب المسؤولية كيف يكون القائد، وكيف يضحي، وكيف يمارس دوره ويسمو بعيدا عن الرغبات والنزوات والمنافع، خصوصا في أيام المحن والشدائد، حيث الواجب يدعونا جميعا لأن نترفع عن الصغائر، ونكون كبارا في مواقفنا ووعودنا وتعاملاتنا في ما بيننا، على قاعدة أننا شركاء في هذا الوطن وأمناء عليه، والمؤتمن ينبغي أن يكون صادقا في حفظ الأمانة، والحفاظ عليها مهما كانت الصعوبات وكبرت التحديات، وهذا هو المطلوب من كل الأفرقاء، لاسيما في هذه المرحلة التي تستدعي تضافرا وتكاتفا وتنازلا من الجميع، كي نتمكن من إنقاذ بلدنا واستنهاضه كما يجب، وكما نرغب، لا كما يملى علينا ويرغب به الآخرون.

بهذا المعنى رفض الإمام الحسين السلطة الفاسدة والدولة الجائرة، ولم يبايعها، بل جير دمه ودماء أهل بيته وأصحابه ليكونوا عنوانا أبديا لمعنى الدولة المؤطرة بحق الإنسان ورمزيته في عالم الله، الإنسان المقدس في مفاهيم الأديان، والمخدوم في فلسفة الحقوق ومنطق الطبيعة. فكانت عينه على محورية الإنسان، إنسان الأمس واليوم والغد، وكان همه أن يتحلى الإنسان بشجاعة الاعتراض وقدرة الإسقاط لأي سلطة فاسدة، لأن مبدأ الإمام الحسين هو خدمة الإنسان في هويته وتربيته، في ضماناته الصحية والاجتماعية والأخلاقية، في ثقافته وإعلامه، في سلطة نظيفة، وقضاء نزيه، ومشروع دولة مقنن على طريقة المنافع العامة؛ وهو مرادنا اليوم من وظيفة الدولة، في الإصلاح ومكافحة الفساد وتكافؤ الفرص، دولة يرجى منها الخير، همها المواطن وحقوقه، عن طريق حكومة بلد وناس، لا حكومة محاور وأشخاص وارتباطات".

وختم: "لا نريد أن نردد مع المرددين، ونتحدث في الاقتصاد والاجتماع والفساد والفضائح والصفقات والمواد الغذائية الفاسدة، وفي الفقر والحرمان، والتلوث والبيئة، والكهرباء فضيحة الفضائح، وفي النزوح واللجوء، لقد قيل الكثير، وعلى كل الألسن، ومن مختلف الاتجاهات السياسية والحزبية الذين أطنبوا وفصلوا في الإفساد والفساد تفصيلا، لقد سمعنا وعودا، ولكن لم نر حلولا. ولهذا ونحن في شهر الحسين، شهر العطاء ونكران الذات، نطالب بإنزال هذا البلد عن خشبة صليب التقاسم والمزادات، وبازارات الحصص، ونكران حق هذا الشعب المعذب، وندعو للإسراع في تشكيل حكومة الشراكة والوفاق، مناشدين فخامة الرئيس بصفته أبا لجميع اللبنانيين، وحرصا على المصلحة الوطنية، أن يتنازل عن حقه في حصته الوزارية لأبنائه المشاغبين والمعرقلين، لعل في ذلك ما يدفعهم إلى جادة الوطن، فنكون معا في عملية قطع الطريق أمام كل من يريد الإيقاع بهذا البلد، وإبقاءه ورقة ابتزاز على طاولة الفوضى واصطناع الأزمات". 


Share/Save/Bookmark