حدیث التقریب :في ذكرى وفاة أبي الأعلى المودودي

تنا - خاص
في سبتمبر 1979 أي قبل 39 عاماً توفي عالم شبه القارة الهندية بل العالم الإسلامي أبو الأعلى المودودي الذي اشتهر في عصره بمشروعه الداعي إلى استعادة عزّة المسلمين واقتدارهم على الساحة العالمية.
تاریخ النشر : الأربعاء ۵ سبتمبر ۲۰۱۸ الساعة ۲۰:۰۴
كود الموضوع: 356246
 
حدیث التقریب :في ذكرى وفاة أبي الأعلى المودودي
 من أبرز خصائص مدرسة المودودي أنها تجاوزت الحالة الطائفية فكان للراحل علاقات طيبة مع علماء الشيعة في إيران. وحين وفاته نعاه الإمام الخميني (رض) بعبارات تدلّ على ماكان يحمله الإمام من معرفة بمكانة هذا الرجل. ومما جاء في عبارات النعي: «إنه عالم ممتاز ومفكر كانت تفخر به الأمة.. قدّم خدمات جلّى للأهداف الإسلامية والمسلمين في شتى أنحاء العالم.. لم يكن قائداً دينياً عظيماً للمسلمين في باكستان فحسب بل كان قائداً للعالم الإسلامي كله .. كانت وفاته خسارة كبرى للعالم الإسلامي لا يمكن سدها...».

ومن مواقفه التي تجاوزت الإطار الطائفي، وكانت تعبّر عن إرادة إسلامية عامة: ــ طرحه الشجاع لقضية «الدستور الإسلامي». فقد أثيرت في عصره ضجة حول إقرار الدستور الإسلامي، مفادها أن للمسلمين مذاهب مختلفة، فعلى أي مذهب سيكون الدستور ؟! وأجاب المودودي : «إن الفرق المختلفة لها أن تطالب بتنفيذ فقهها على اعتباره قانوناً لأحوالها الشخصية، وهي مطالبة لابد من إجابتها في الدولة الإسلامية، أما قانون الدولة العام، فلا يكون، ولا يجوز له أن يكون، إلا القانون المبني على مذهب الأغلبية». وهذا هو نفسه موقف الدستور الإسلامي الإيراني حيث طبق هذا المبدأ في المادة الثانية عشرة على صعيدين: الأول – الصعيد العام: حيث اعتبر المذهب الإمامي (مذهب الأكثرية) هو المتبع في المسائل الخلافية القليلة المرتبطة بالسلوك العام اللازم توحيده.

الثاني – الصعيد المحلّي: حيث منح الأكثرية السنية في مناطق سكناها حق صياغة المقررات العامة وفقاً لمذهبها في حدود اختيارات مجالس الشورى المحلية.

لعلّ هذا الموقف من عالم كبير من علماء أهل السنة والجماعة، بل ومن قادة التيار السلفي يشكل الردّ الحاسم على من يتهمون الدستور الإسلامي في إيران بأنه طائفي!! مستندين إلى المادة الثانية عشرة منه! وثمة مواقف كثيرة للرجل متطابقة مع مواقف الدستور الإسلامي الإيراني نذكر منها فقط موقفاً من القيادة في الدولة الإسلامية.

المودودي في كتابه تجديد الدين وإحيائه يذكر القائد في الدولة الإسلامية باسم «الزعيم المجدّد»، ويضع له شروطاً هي: 1 – تشخيص أمراض البيئة التي يعيش فيها المجدد تشخيصاً صحيحاً.. 

2- تدبير الإصلاح بمعالجة مواضع الفساد. 

3- اختبار المجدد نفسه وتعيينه حدود عمله، وتقديره قوته ومقدرته..

4- السعي لإحداث الانقلاب الفكري والنظري..

5- محاولة الإصلاح العلمي

6- الاجتهاد في الدين..

7- الكفاح والدفاع..

8- إحياء النظام الإسلامي

  9- السعي لإحداث الانقلاب العالمي.

ثم يقسّم القائد (أو الزعيم المجدّد) إلى مجدّد جزئي ومجدّد كامل. والمجدد الجزئي هو من ينفّذ قسماً من هذه الشروط. أما المجدد الكامل الذي يستوفي جميع الشروط المذكورة فيعتقد المودودي أن موضعه غير مشغول بعد، ثم يقول: «لكن العقل والطبيعة وسير الأحوال، كل ذلك يقتضي ويتطلب أن يظهر مثل هذا الزعيم فيجدد الدين في شُعبه وجميع نواحيه، سواء كان ظهوره في هذا الزمان أو بعد ألف دورة من دورات الحدثان. ذلك الزعيم الذي يعرف بالإمام المهدي. والذي جاء الحديث النبوي ببشائر واضحة فيه».

يلاحظ أن الشروط التي يضعها المودودي للزعيم المجدد الجزئي تقترب كثيراً من الشروط التي يضعها الإمام الخميني للولي الفقية في كتاب الحكومة الإسلامية، ومن الصفات التي يحددها الشهيد محمد باقر الصدر للمرجع الشاهد في كتاب خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء كما يلاحظ أن هذا الفهم الواعي لمستقبل الإسلام ولظهور المصلح العالمي الأكبر المتمثل في المهدي من آل محمد(ص)  قد انعكس في المادة الخامسة من دستور الجمهورية الإسلامية، بعد أن حدد صفات ولي الأمر المؤهل لتولّي زمام أمور المسلمين.

هذا الموقف من المودودي أيضًا يردّ بشكل قاطع على أولئك الذين يزعمون بأن ماورد في الدستور الإسلامي الإيراني من ذكر ولاية الفقيه والمهدي المنتظر (ع) بأنه توجه مذهبي . إنه توجّه إسلامي بامتياز. نسأل الله الهداية والبصيرة لمن يصرّ على أن توجه الدستور الإسلامي في إيران مذهبي طائفي. ونرجو أن يفهم هؤلاء أن هذا الدستور إنجاز إسلامي ضخم، ووثيقة تاريخية كبرى في تاريخ الإسلام والمسلمين.   
                                                      
محسن الأراكي                                                      
الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية 
Share/Save/Bookmark