كيف تعالج معضلة الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة؟

تنا-بيروت
ليس صدفة ان تبادر اميركا الى طرح مسعى حل الخلاف اللبناني الإسرائيلي حول الحدود البرية والبحرية، بشكل يقوم على التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية اممية وحضور أميركي مقنع او بالأحرى إدارة أميركية فعلية وان كانت خلف الستار خارج غرفة الاجتماعات.
تاریخ النشر : الاثنين ۱۱ يونيو ۲۰۱۸ الساعة ۱۶:۱۹
كود الموضوع: 336434
 
العميد د. امين محمد حطيط 

فأميركا و معها إسرائيل تعرف ان ما كانت تعول عليه من العدوان على سورية و تاليا على المحور المقاومة و كانت تنتظره من نتائج من خلال هذا العدوان سقط وذهبت الآمال ادراج الرياح فلا سورية سقطت و لا محور المقاومة تفكك و لا شيء من الآمال الإسرائيلية تحقق حتى ان ما يقال عنه " تصفية القضية الفلسطينية " عبر ما يسمى " صفقة القرن " فشل هو الاخر و الأخطر هو ما سمعته إسرائيل بوضوح كلي على لسان الأمين العام لحزب الله الذي عودهم على الصدق في كل كلمة و موقف يتخذه ، ما سمعته مؤخرا من كلامه الواضح تخييرا للإسرائيليين او لنقل لليهود من غير سكان فلسطين الأصليين ، بين العودة الى بلادهم الاصلية التي جاؤوا  منها بعد اعلان وعد بلفور فيكسبون امنهم و سلامتهم ، او انتظار الحرب الكبرى التي لا بد قادمة و عندها لن يكون لديهم فرص كثيرة للمحافظة على انفسهم لان هذه الحرب ستنتهي مؤكدا بهزيمة إسرائيل و اسقاط كيانها المغتصب لفلسطين و عندها يفتح الاقصى للصلاة فيه من قبل اهله و أصحاب الحق فيه فيدخلون اليه دخول المنتصرين المحررين .

 
لان هذا هو واقع الحال بعد ما يزيد عن سبع سنوات من العدوان على سورية و محور المقاومة "شاءت" اميركا ان تقدم قبل فوات الأوان الى إسرائيل انطلاقا من لبنان جائزة ترضية تريحها في بعض الجوانب و تمنحها مكاسب امنية و اقتصادية في جوانب أخرى و لهذا كان المسعى الأميركي الذي استبق بسلسلة من التدابير ضد محور المقاومة اجمالا و ضد ايران و حزب الله تحديدا ، تدابير بدأت بالانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع ايران و العودة الى كافة التدابير الانتقامية الكيدية التي تسميها اميركا عقوبات على ايران ( و هي تسمية غير مشروعة و غير قانونية لان من يعاقب هو من يملك سلطة الولاية على المعاقب و لهذا يجب ان لا يستعمل المصطلح كما تريد اميركا إعطاء نفسها حق الولاية على ايران )  و التهديد بتدابير اشد و اقصى مستقبلا إضافة الى تدابير كيدية انتقامية ضد حزب الله ، و الضغط على القوى اللبنانية في محاولات لعزل الحزب داخليا كل ذلك من اجل انتاج بيئة ملائمة لفرض المسعى الأميركي على لبنان لحمله على القبول بما تريد إسرائيل برا و بحرا على الحدود . 
 
قد يقول قائل بان التفاوض الذي تطرحه اميركا وتريده إسرائيل لا يختلف عما هو قائم حاليا في الناقورة من خلال اللجنة الثلاثية التي أقيمت خلافا للقانون بعد حرب العام 2006، ولكننا مع رفضنا أصلا لفكرة هذه اللجنة ومع تأكيدنا على ان القرار اللبناني بالدخول فيها كان خطا قانونيا وسياسيا واستراتيجيا، وبان وقف العمل بها يجب ان يتم اليوم قبل الغد، ومع هذا فان التفاوض المطروح في موضوعه ونتائجه يختلف عن المحادثات الجارية اليوم شكلا ومضمونا.
ففي مباحثات الناقورة الثلاثية اليوم لا يتم حوار بشكل مباشر بين الوفد اللبناني والوفد الإسرائيلي بل عبر الامم المتحدة، وكل وفد من الثلاثة يجلس الى طاولة منفصلة عن الأخرى فلا يوجد طاولة مستديريه تجمع الثلاثة ولا يوجد طاولة بشكل مثلث متصل الاضلاع ولا طاول بشكل U   تجمع الجميع. اما في المهمة فأنها محصورة بتنفيذ القرار 1701 (وهو لم ينص على انشاء هذه اللجنة) من اجل معالجة الإشكالات الميدانية واعتراضات طرف على سلوكيات الطرف الاخر لحل الاشكال دون الاضطرار لاستعمال القوة. وأخيرا ما يتم التوصل اليه لا يكون بحاجة الى توقيع بين المتفاوضين بل يكون تعهد من كل طرف على حدة امام الأمم المتحدة عبر قوات اليونفيل التي تتابع الإجراءات التنفيذية الميدانية مع الأطراف وفقا لتعهداتهم.
 
اما التفاوض المطروح حاليا فهو في الشكل و المضمون امر مختلف حيث يريد الأميركي لقاءا مباشرا بين لبنان و إسرائيل يذكر بمفاوضات 17 أيار مع فارق استبدال الوجود الأميركي العلني فيها بالوفد الاممي و بأجرائها كلها في مقر اليونفيل في الناقورة و ليس تناوبا بين لبنان و فلسطين المحتلة ، و من جهة المضمون تهدف المفاوضات الى " ترسيم الحدود " بين لبنان و "إسرائيل " برا و بحرا و بحث مصير مزارع شبعا و حدودها وصولا الى اتفاق حولها يوقع عليها الطرفان اللبناني و الإسرائيلي و على وثيقة واحدة  تشهد الأمم المتحدة عليها للمصادقة على التوقيع .
 
وفي تفحص لهذه المفاوضات وبالشكل المعروض نجدها تكرس واقعا حقوقيا جديدا بين لبنان وإسرائيل يختلف عن كل ما سبقه، ويعطي إسرائيل الكثير من المكاسب التي حلمت بها طويلا في الماضي وينشئ من المخاطر ما يذكر بعضه كما يلي:
 
1. الإقرار النهائي بإلغاء اتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل وقبول لبنان بان يحل مكانها واقع جديد قد يكون اتفاقية تسمى اتفاقية الناقورة وفي هذا انصياع للإرادة لإسرائيلية التي الغت ومن جانب واحد اتفاقية الهدنة للعام 1949 الغاءً حصل في 29\6\1967 رغم ان لبنان لم يكن طرفا في حرب 1967. 
 
2. التنازل عن الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين المثبتة باتفاقية بوليه نيوكمب 1923، والمصادق عليها من قبل عصبة الأمم وهي حدود نهائية ينبغي ان لا تطرح لأي نوع من التفاوض فلبنان لا يحتاج لترسيم حدود برية مع فلسطين مطلقا فالحدود مرسمة حتى اننا في العام 2000 عندما طرحت الأمم المتحدة الامر رفضنا مطلقا وأكدنا على حدودنا الدولية كما ان الخط الأزرق الذي ابتدعته الأمم المتحدة للتشويش على الحدود تلك أكدنا على انه من غير قيمة حقوقية ولا يمس بحقوق لبنان المكرسة بالحدود الدولية. ان الحدود البرية اللبنانية مع فلسطين المحتلة بحاجة الى رفع اعتداء إسرائيل عنها وليست بحاجة الى ترسيم جديد. ولذلك يجب ان يكف المعنيون عن استعمال عبارة "المناطق المتنازع عليها"، واستعمال عبارة "المعتدى عليها" من قبل إسرائيل اعتداء يطال اليوم 13 منطقة دخلتها إسرائيل في حرب العام 2006 ولم تفلح لجنة الناقورة بإزالة هذا العدوان حتى اليوم.
 
3. الموافقة اللبنانية الضمنية على ضم إسرائيل للجولان، السوري المحتل، لان مزارع شبعا منطقة لبنانية تقع على الحدود مع سورية ملاصقة للجولان الذي أعلنت إسرائيل ضمه وجعلت نفسها بهذا الضم بديلا لسورية في صلاحية البحث في حدود المنطقة. على إسرائيل الإذعان للاتفاق اللبناني السوري الذي يحدد حدود المنطقة تلك والانسحاب منها تطبيقا للقرارات الدولية التي كان اخرها ال قرار1701.
 
لكل هذه المخاطر نرى ان على لبنان وهو القوي بذاته جيشا ومقاومة وشعبا، وبموقفه القانوني المحصن بالحدود الدولية والقانون الدولي، عليه ان يحاذر الانزلاق الى ما يطرح عليه ويمس بحقوقه ومكتسباته وان المعالجة التي نراها مجدية تتركز على:
 
أ‌) العودة الى اتفاقية الهدنة وعدم اللقاء مع الإسرائيليين الا بمقتضاها ووفقا لما كان يجري بين العام 1949 والعام 1967 وفي هذه الاتفاقية تأكيد عل الحدود الدولية البرية وفقا لاتفاقية بوليه نيوكمب.
 
ب‌) رفض بحث موضوع مزارع شبعا مع إسرائيل وحصر العلاقة بها مع سورية ولاستناد الى اتفاقية غزاوي وخطيب بهذا الشأن.
 
ت‌) خروج إسرائيل من المناطق المعتدى عليها ورفض أي فكرة تبادل أراضي او أي فكرة توقيع اتفاق جديد مع إسرائيل حول الحدود البرية.
 
ث‌) معالجة امر الحدود البحرية وفقا لاتفاقية قانون البحار للعام 1982 ومراجعة الاتفاقية في هذا الشأن مع قبرص وتصحيح الخطأ فيها باتفاق ثنائي لبناني قبرصي، ثم إعادة رسم خريطة المنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة وفقا لذلك ولا باس من الاستعانة بخبراء محلفين معتمدين لدى الأمم المتحدة او لدى محكمة العدل الدولية للشهادة فقط على دقة الترسيم اللبناني للحدود ثم إيداع الملف الأمم المتحدة.
 
Share/Save/Bookmark