في ذكرى العلامة الراحل الشيخ سعيد شعبان

تنا-بيروت
لكل إنسان يدخل التاريخ لحظاتٌ تاريخيةٌ ترسم معالم مسيرته، ويساهم هو من خلالها في بناء مستقبل أمته.
تاریخ النشر : الاثنين ۱۱ يونيو ۲۰۱۸ الساعة ۱۲:۳۱
كود الموضوع: 336306
 
المستشار الثقافي الإيراني في بيروت محمد مهدي شريعتمدار

لقد تحدثت عن اللحظات التاريخية الحاسمة في حياة العلامة الراحل فتحي يكن في لقاء عقدته حركة‌ الأمة في العام الماضي، واليوم سأخصص حديثي في هذه المناسبة الطيبة التي تفوح بعطر ذكرى ثلاثة من أعلام الساحة الإسلامية الوحدوية في لبنان، والذين افتقدناهم في فترة عصيبة من تاريخ أمتنا، وهم الشيخ سعيد شعبان والعلامة فتحي يكن والشيخ عبدالناصر جبري، أخصصه بالعلامة الراحل الشيخ سعيد شعبان رحمه الله.

لم يكن الشيخ السعيد عظيماً بدراسته وتدريسه للشريعة واللغة والتربية والتاريخ، بل وحتى باهتمامه بالبعد التربوي من خلال جمعية التربية‌ الإسلامية ومدارس الإيمان والرسالة، أو بالبعد الدعوي من خلال أنشطته الدعوية في بلدان مختلفة من إيران إلى أمريكا، أو بمساهمته في بناء الكثير من المساجد في طرابلس الفيحاء، أو تصديه للنشاط الإعلامي عبر الجريدة والإذاعة وحضوره الإعلامي المتميز. ولم يكن الشيخ رحمه الله ثائراً ومناضلاً بمشاركته بالتعبئة العامة في زمن العدوان الثلاثي الغاشم حين كان بأرض كنانة، أو في إخراجه مدينته من أزمة الحصار والاقتتال، أو لقاءاته بقادة الجهاد الأفغاني ومنهم عبدالله عزام، أو ببنائه لنواة المقاومة في الشمال اللبناني بعد الاجتياح الصهيوني عام 1982 وانضمامه لصفوف المقاومة في كل لبنان، أو دفاعه عن القدس والأقصى وفلسطين أرضاً وشعباً ومقاومة ومقدسات وقضية.

ولم يكن شعبان رائداً وقائداً ورجلاً تنظيمياً، وهو المخضرم الذي جمع بين عباد الرحمن والجماعة الإسلامية،‌ بل وحتى مسلمون والدعوة والتبليغ، وكان يلتقي ويتواصل مع الجميع من الإخوان والتحرير حتى المقاومة الإسلامية وإيران، وهو الذي توّج مسيرته التنظيمية بتأسيسه حركة التوحيد الإسلامي جامعاً مجموعات مختلفة ولجان الأحياء والمساجد في إطار شاملٍ بقي رمزاً على الرغم من انفصال بعض الملتحقين به لاحقاً، وما عاناه هذا الإطار من مشاكل بعد وفاته – رحمه الله- ومن جراء معاناة الشارع الإسلامي السني المقاوم الوحدوي عامة والتنظيم الذي شملته رحمة الاختلاف خاصة.

كل ذلك كان، ولم يكن.
 

إن رمزية الشيخ سعيد شعبان والتي حضرت في الذاكرة الطرابلسية السنية اللبنانية الإسلامية المقاومة في زمن الصعوبات والشدائد، كانت ناتجة عن وقوفه وبكل صلابة إلى جانب الحق بلا هوادة، منذ عنفوان شبابه حتى آخر أيام حياته التي عبرت عن مسيرة اتجهت نحو الكمال والتصحيح والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

إحدى لحظاته التاريخية كانت عندما اختار أن يكون دائماً مع الحق تربية وتدريساً وخطابة ودفاعاً من أجل مدينته، وهو صاحب الفضل في وصول الإسلاميين فيها إلى آلياتها الإدارية، وعن مباديء دينه - وفي معارضته لمشروع الزواج المدني نموذجاً على ذلك- وعن الجماعة والعمل المشترك، وعن لبنان والمنطقة والعالم الإسلامي.

لحظته التاريخية الحاسمة كانت عندما اختار أن يكون مع الثورة والوحدة والمقاومة وقضية فلسطين القضية المركزية للأمة الإسلامية. وهو الذي قال في آخر زيارة له إلى إيران - حيث كنت دائماً معه- أنه لم يطلب إذناً أو شهادة تزكية من أحد حينما أيد الثورة الإسلامية والإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه، وإنما كان ذلك ناتجاً عن قناعة وإيمان بنهج الإمام والثورة الذي قلب الموازين والمعادلات وأسس لعصر المقاومة والانتصارات. وهو الذي لم يتوقف أو يتوان لحظة عن دعمه لأصحاب القضايا العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين.

لحظته التاريخية كانت حينما وقف بوجه العدوان الصهيوني واجتياحه للبنان، حين أسس حركة التوحيد الإسلامي عام 1982 واختار مساندة المقاومة ودعمها بالسلاح والطاقة البشرية، وأسس قاعدة شعبية كبيرة لها في مدينته وبيئته التي أريد لها أن تكون مع المشروع الآخر، لكنها أبت ذلك.

عضويته التأسيسية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية وتجمع العلماء المسلمين في لبنان لم تعبّر لوحدها عن القول الفصل والعمل الحاسم في دفاعه عن الوحدة الإسلامية، وإنما مواقفه الوحدوية الجرئية، ونبذ العصبية والتجزئة والتشتت في مجمتع ومحيط وإقليم تتآكل جزءً منه الأفكار والمواقف والمبادرات والحروب المبتنية على التطرف والتكفير والعنف والإرهاب، هي الأهم من كل ذلك.

وكم كنّا بحاجة إلى قامة شامخة كمثله في السنوات العجاف التي مرت على منطقتنا لكن مشيئة الله اقتضت أن يرحل عنا ويرتاح في الخلد

رحمه الله..

وأبقاه شعلة وذخراً تنير درب السائرين..

وأبقى إرثه ونهجه أمانة بيد أصحابها المؤتمنين..


 
Share/Save/Bookmark