في الطائفية والدين

تنا-بيروت
في حمأة الجدل حول الطائفية بتجلياتها المتعددة، غالبا ً ما ينجر الحديث الى اشكالية الطائفية والدين، باعتبار ان البعض يذهب الى ان الطائفية في أبعادها الاجتماعية والسياسية قد ارتكزت على الدين، وانها تستمد منه شرعيتها واستمرارها. وعليه فهو يرمي كل افرازات الطائفية ونتائجها السيئة على الدين، ويحمله المسؤولية عن مجمل الأوضاع التي آلى اليها الاجتماع اللبناني في مختلف ميادينه ومؤسساته.
تاریخ النشر : الجمعة ۴ مايو ۲۰۱۸ الساعة ۱۶:۵۹
كود الموضوع: 328456
 
الشيخ محمد شقير، أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية

ولعل مما يساعد على هذا الفهم انجرار العديد من علماء الدين الى اكثر من اداء وسلوك وتعبير، يعزز مقولة التماهي بين الدين والطائفية، ليحمّل الدين اوزارا ً ما كان له ان يحملها، لولا اولئك المنتسبين اليه الناطقين باسمه.
 
لكن هل هذا التصور عن العلاقة بين الطائفية والدين هو تصور صحيح؟ هل يشرع الدين الطائفية، ويمدها بالقدرة على الاستمرار، ويمنحها القوة على التمدد الى مجمل مفاصل الاجتماع اللبناني ومؤسساته واداراته؟ ام ان الدين برآء من الطائفية، وانها تنسب اليه زورا ً وبهتانا ً، وانها البست لبوسا ً لم يفصل لها؛  انما فعل الفاعلين لتوظيف الدين لمآرب شتى.
 
ان هذا السؤال يقود الى ضرورة تحليل ماهية كل من الدين والطائفية، لنرى ان كان الدين يحتضن الطائفية ام ينبذها، يقبل بها ام يرفضها؟
 
ولنبدأ من الطائفية، لنقول انها نوع من العصبويات التي تستجمع جماعة من الناس، لكن هذا المرة تحت عنوان ديني، بمعزل عن مستوى العلاقة التي تربط افراد هذه الجماعة بذاك الدين، ومدى معرفتهم به، وتماهيهم معه، اذ يكفي الانتماء الاجتماعي فقط، حتى يعد واحدا ً من افراد تلك الجماعة، حيث يغلب القالب على المعنى، والشكل على المضمون، فلا يبقى من الدين الا اسمه، ومن كتابه الا رسمه، في علقة تحمل في احشائها روح القبلية وقيمها، لكن هذه المرة باسماء وعناوين استعيرت من الدين.
 
اما الدين فهو اعتقاد يقوم على فعل الايمان، الذي يحكى عنه العمل ويصدّقه، هو بالاساس ارتباط بالله تعالى، يقوم على المعرفة به والخضوع له، ويسعى الى الغيب والمجرد، في فعل ايماني، ينحو الى التسامي والتعالي على حدود المادة وقوالبها المصطنعة وحواجزها المبتكرة، ليصبح المعيار امرا ًجوانيا ً، تفصح عنه صدقية الفعل "ان اكرمكم عند الله اتقاكم"؛ وان كان من تمايز اجتماعي ما، فيصبح هذا التمايز تواصليا ً تعارفيا ً، لا تبنى عليه عصبة ولا يصلح كمعيار "جعلناكم شعوبا ًوقبائل لتعارفوا، ان اكرمكم عند الله اتقاكم".
 
ولذلك الدين في جوهره يتنافى والعصبية، ولا تتحملها معانيه. فالدين ينحو الى التسامي، والعصبية تقود الى التداني؛ الدين ينسج معيارية من التقوى والخير عابرة للحدود العرقية والقبلية والفئوية.. والعصبية تقوم على معيارية فاصلة بين الجماعات البشرية، ولذلك الدين يسمح بل يدعو الجميع الى الاستجابة لمعياريته، في حين ان العصبية لا تسمح لمن هم خارج العصبة بالانضواء تحت جناحها؛ الدين في حقيقته تواصل، اما العصبية ففي حدودها تفاصل؛ الدين في اهدافه تعارف، والعصبية في حواجزها تناكر؛ الدين في معانيه دعوة الى تقديم قيم الخير والتعاون والاصلاح، والعصبية تغلب في عصبيتها جميع تلك القيم والمعاني.
 
ان ما هو حاصل في الاجتماع اللبناني، ليس عصبية دينية، وليس طائفية دينية، بل هو عصبية البست لباس الدين، بعد ان جرد من معناه وافرغ من مضمونه، فكانت النتيجة عصبية أشد، بمضمون اقبح، وأداء أسواء، سواءً في الادارة او السياسة وسوى ذلك.
 
فالدين لا يقدم من هو ابعد عن الخير والتقوى على من هو اقرب اليهما، حتى لو كان من طائفة مماثلة، في حين ان الطائفية تفعل؛ الدين لا يقدم من هو ابعد عن الكفاءة والنزاهة ونفع بني الانسان على من هو اقرب، والطائفية تفعل؛ الدين لا يقدم من هو ابعد عن الصلاح والاصلاح على من هو اقرب اليهما، والطائفية تفعل؛ لا يمكن للدين ان لا يكون اصلاحيا ً او يحتضن الفساد والمفسدين، والطائفية تفعل.
الطائفية لا تبصر الا العصبة التي اقامت عليها سلطانها وبنت بنيانها، في حين انها تتعامى عن ما سواها، من قيم حقة، وصفات حسنة، من كرائم أخلاق ومدائح افعال. كل ذلك لا تراه في الآخر الذي لا ينتمي الى عصبتها، ولا تبني عليه موقفها، فيكون لديها شرار قومها افضل من خيار قوم آخرين، وفاسدي قومها افضل من صالحي قوم آخرين. لأنها لا تبصر في الآخر خيره او صلاحه، بل لا ترى فيه الا عصبتها؛ حيث تتهاوى القيم الحقة، والمعايير الانسانية، والموازين الاخلاقية، فتتحول العصبة الى صنم، يضاهي أصنام الجاهلية الجهلاء، لأن الله تعالى يأمر بالعدل والاحسان وان يكون المعيار لدينا الخير والتقوى، في حين ان العصبية تأمر بخلافه وأشياء أخرى.
 
ان مناهضة العصبوية الطائفية هي واجب وطني، وهي أيضا ً واجب ديني وانساني، وكثيرا ً ما استخدم الدين زورا ً لتكريس الطائفية، وقد آن الاوان لفعل العكس، اي ليقوم الدين بكنس الطائفية وتحطيم اصنامها، وتجريدها من لباسها المدعى بهتانا ً.
 
ونخلص مما تقدم الى ما يلي:
1. ان العصبية أمر مذموم دينيا ً، وكلما اقترب المرء من الدين كلما ابتعد عن العصبية، وكلما اقترب من العصبية كلما ابتعد عن الدين.
2. ان للطائفية أسبابها، ومن أسبابها الابتعاد من المعاني الحقة للدين، وعدم الاستفادة من قيمه الاخلاقية والروحية الجامعة، والعابرة للطوائف والمذاهب.
3. ليس من الصحيح رمي أوزار الطائفية على الدين، لأن الدين اذا كان ينافي العصبية فهو ينافي تمظهرها في الطائفية القائمة.
4. ليس من الصحيح استخدام الدين لتبرير العصبويات الطائفية او شرعنتها، لأن في ذلك تحريفا ً للدين، واقصاءً له عن معانيه النبيلة واهدافه السامية.
5. ان بعض العالمين بالدين، عندما ينزلقون الى ممارسة التعصب الطائفي، فهم يغادرون الدين ومعانيه، وعندما يهتفون بالطائفية، هم ينطقون باسم عصبياتهم، لا باسم الدين ومراميه.
6. في تمييزنا بين الخطاب الطائفي والخطاب الديني، يجب ان نتجاوز التسميات ومظاهر اللباس، فلربما متجلبب بلباس الدين متفوه بالطائفية، وربّ متجلبب بلباس غير ديني، أقرب في خطابه الى الدين ومعانيه.
7. في مقام مناهضة الطائفية وافرازاتها؛ ينبغي عدم الخلط بين الدين والطائفية، حتى لا نوجه سهام النقد والمسؤولية الى الدين، فنضل غايتنا، ونخطىء مكامن العلة فينا.
 
وأخيرا ً لا بد من القول ان الطائفية في مضمونها العصبوي وتجلياتها الاجتماعية والسياسية والادارية وغيرها قد فتكت فينا، وافسدت علينا حياتنا، واصابت اجتماعنا اللبناني في مقتل، وافرزت الكثير الكثير من السلبيات على اكثر من مستوى؛ وأن يعمل على تهذيبها خير من ان تبقى على فرعنتها، وان كانت الغاية أبعد، هي سرطان هذا الوطن وداؤه، ولكن فينا الداء ومنا الدواء، قد يشق العلاج على المعالج، لكنه افضل من الركون الى المرض.
                                                                   
Share/Save/Bookmark