كيف نتخيل مستقبلنا من دون آلة؟

تنا-بيروت
في عالم الآلة الميكانيكي لم يعد أحد يعيش فوق سطح الأرض.. أغلب البشر صاروا يعيشون في عزلة تحت الأرض، في غرف خاصة مجهزة بكل احتياجاتهم.. لم يعد أحد منهم يمارس أي نشاط أو حركة، واقتصر نشاطهم على تبادل الأفكار والمعرفة.. الجميع خانع وراضٍ لدرجة باتت معها الآلة معبودهم الجديد.
تاریخ النشر : الاثنين ۳۰ أبريل ۲۰۱۸ الساعة ۱۱:۲۷
كود الموضوع: 327662
 
أصدرت دار "منشورات ويلز" رائعة جديدة من روائع أدب الخيال العلمي الكلاسيكية التي تتحفنا بها الدار من آنٍ لآخر، وهذه المرة هي رواية "الآلة تتوقف" للكاتب الإنجليزي "إدوارد مورجان فورستر" أحد أهم كُتَاب الرواية ونقادها في القرن العشرين والتي نشرت لأول مرة سنة 1909، والكتاب من ترجمة الكاتب والناقد السينمائي محمود راضي.

تغيرت حياة البشر تغيرًا جذريًا منذ بدء عصر الثورة الصناعية ـ أو الثورات الصناعية ـ من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفلسفية، فقد قضت على الطبقات القديمة وخلقت بدلًا منها طبقات جديدة، واستبدلت الآلة بالإنسان في العديد من المهن. ولكن ظهر سؤال يلوح في الأفق ويؤرق أذهان الكثير من البشر، وهو "هل يمكن أن تسيطر الآلة على الإنسان؟" أو بمعنى آخر "هل يمكن أن يتنامى اعتماد الانسان على الآلة حتى لا يستطيع العيش من دونها؟".

هذا السؤال قد ألهم الكثير من الكُتّاب والمثقفين وصُنّاع السينما في خلق العديد من الأعمال التي تتناول هذا السؤال المخيف. ولعل أول عمل يتبادر إلى الذهن في هذا الصدد هو رواية "آلة الزمن" الصادرة عام 1895 للكاتب الإنجليزي هربرت جورج ويلز، حيث يتحول الأثرياء من البشر بسبب اعتمادهم على الآلات إلى مخلوقات رخوة هشة ضعيفة، بينما يتحول الجزء الآخر مشغل الآلات إلى مخلوقات وحشية همجية.

وقد تلتها رواية "الآلة تتوقف" تأثرًا بها، وقد ذكر فورستر أنه قد كتب هذه الرواية كرد فعل على تصور ويلز لنمط الحياة الذي تناوله ضمن أحداث روايته آلة الزمن والتلميحات التي تضمنتها حيث فضّل فورستر الحديث أكثر عن التكنولوجيا وعن دورها المتنامي يومًا بعد يوم لتصير مع الوقت صاحبة اليد الطولى في حياة البشر.

حياة ميكانيكية ومستقبل مظلم
يصور "فورستر" في روايته مستقبلًا مظلمًا للأرض، حيث تلوث سطحها وأصبحت الحياة عليه مستحيلة، فلجأ البشر إلى العيش أسفل الأرض في حجرات سداسية كخلايا النحل، معتمدين في طعامهم وشرابهم وتنفسهم وحياتهم كلها على الآلة التي تدير كل هذا. فالآلة هي من تخرج لهم الأسرة في موعد النوم، ومن تفتح لهم الأبواب، هذا في حالة رغب أحدهم في الخروج. ولكن لم يعد البشر في حاجة إلى الخروج وملاقاة بعضهم البعض، فيمكنهم التواصل من خلال ما يشبه مكالمات الفيديو، والتي تتم عبر الآلة بالطبع، وعن طريق تلك المكالمات يتواصل البشر مع بعضهم البعض لإجراء المحادثات أو تبادل الأفكار أو حتى حضور الندوات.

لا يستطيع البشر الإنجاب سوى عندما تحدد الآلة ذلك، ومن ينجب لا يربّي طفله، بل تتولى الآلة تربيته في "الحضانات العمومية". فهو أمر خالٍ من أي مشاعر أبوية، وبعد نضج الطفل تختار له الآلة موضعًا في أحد الخلايا أسفل الأرض ليشغل خلية شاغرة بعد موت قاطنها.

تتناول الرواية حياة شخصيتين وهما ڨاشتي الأم، وابنها كونو، الأم من المؤمنين بالآلة، المتكيفين على الحياة الجديدة، وترى أن ما وصل إليه البشر هو ذروة الرقى والتقدم والحضارة، وما عداه تخلّف وبدائية. أما كونو فهو متمرد، ناقم على تلك الحياة الميكانيكية أسفل الأرض، ويسعى إلى الخروج والعيش على سطح الأرض، وهذا يعد معاديًا لروح العصر في نظر هؤلاء المؤمنين بالآلة والحضارة الحديثة.

كونو وڨاشتي ليسا متناقضين في الفكر فقط، فهما على طرفين متناقضين من الأرض، حيث اختارت له الآلة خلية في النصف الجنوبي من الأرض برغم وجود أمه في النصف الشمالي، ويحاول الإبن إقناعها بأن تسافر وتأتي لزيارته للحديث وجهًا لوجه، ويرفض الحديث لها عبر الآلة.

بعد إلحاح وإقناع تسافر ڨاشتي إلى إبنها في نصف الكرة الآخر، عن طريق السفن الهوائية، ونرى عدداً قليلاً جداً من المسافرين، يسافر كل واحد منهم لسبب خارج عن إرادته ورغبته، فلم يعد أحد في هذا الزمن يرغب في السفر أو حتى مغادرة خليته. وبعد أن تلتقي بإبنها كونو يخبرها بأنه قد تسلل إلى سطح الأرض وشاهد العالم في الخارج ويحاول إقناعها أن هناك بشراً وحياة ما في الخارج، ولكنها لا تصدقه، وبعدها تعود مرة أخرى إلى خليتها وهي أكثر اقتناعاً بالآلة وتمسكاً بها.

إعادة تأسيس الدين
تقتنع الأم ومن معها ممن يحيون أسفل الأرض تحت رعاية الآلة أن الدين قد انتهى وأصبح شيء من الماضي يتعارض مع الرقي والتقدم والحضارة، ولكن المتأمل يجد أنهم قد استبدلوا الأديان القديمة بدين جديد محوره الآلة. فهم يتبعون كل شيء يفعلونه بجملة "الشكر للآلة" ويتعاملون مع كتاب الآلة الذي توجد فيه التعليمات كأنه نص ديني بل يقرؤون أجزاء منه في أوقات متفرقة، ويصفون الإحساس الغريب بالسكينة الذي حلّ عليهم حين يمسكون بكتاب الآلة، والإشباع في ترديد أرقام بعينيها، والنشوة في لمس زر مهما كان غير ذي أهمية، ويرددون هاتفين: "الآلة تطعمنا وتكسونا وتسكننا بيوتنا.. عبرها يتحدث أحدنا إلى الآخر.. عبرها يرى أحدنا الآخر.. فيها تكون كينونتنا.. الآلة هي صديقة الأفكار وعدوة الخرافة.. الآلة كلية القدرة وخالدة أبدًا.. فلتتمجد الآلة!". (ص:75)

وبمرور الوقت أضفى سكان أسفل الأرض على الأمر طقوسًا تشبه التسبيح والصلاة، وبعضهم يتشفع لدى الآلة. باختصار أصبحت الآلة هي إلههم الجديد؛ برغم تجنبهم الدائم استخدام كلمة الدين، إلا أن ما يفعلونه هو دين بصورة جديدة ومختلفة، وقبل أن تستخدم ڨاشتي كتاب الآلة لفعل أي شيء أو ضغط أي من الأزرار فإنها تتمتم "يا آلتي! .. يا آلتي!"، و"ترفع كتاب الآلة نحو شفتيها، وتقبّله ثلاثًا، وتميل رأسها ثلاثًا، وتحس بنشوة الإذعان ثلاثًا"، بحسب تعبير الكاتب. (ص:26)

كما ظهر الاضطهاد ضد كل من لم يتقبل هذه الأفكار، وعقابه بالتشريد، وهو العقاب الشائع في هذه الحضارة، ومعناه النفي إلى سطح الأرض كي يتعرض للموت بالهواء الملوث.

الآلة .. تتوقف
ينتقل كونو للعيش بجانب ڨاشتي، ولكنه صامت ولا يتكلم، حتى ينطق فجأة قائلًا "الآلة تتوقف". وتعتبر ڨاشتي أن ابنها يهذي، فالآلة لا يمكن أن تتوقف، ولكن تعتري الآلة بعض الأعطال؛ تبدأ بالموسيقى التي أصبحت مزعجة وتشتكي ڨاشتي من الأمر. ولكن لجنة التصليح لا تستجيب لشكواها، وبمرور الوقت تعتاد على الموسيقى السيئة في خنوع، ويعتاد الآخرون مثلها على تقلّبات الآلة، وعلى الأطعمة المتعفنة، وماء الاستحمام العطن، ويطلبون سرائر النوم عبر الأزرار فلا تظهر، فيقتنعون أن هذه هي رغبة الآلة، وأن عليهم التعايش بلا سرائر، يقول أحدهم ذلك فيصفق البقية.

وأخيرًا جاء "الصمت"، توقفت الآلة تمامًا، تلك التي اعتاد الناس على همهماتها ودمدماتها طيلة الوقت، فكان هذا الصمت مرعبًا، تدافع البشر يصرخون في رعب، يتلون صلواتهم، يتلمسون النجاة، فتوقف الآلة يعني الموت المحتوم.

يرسم فوستر في نهاية روايته لوحة مؤلمة لانهيار الإنسان بعد اعتماده المطلق على الآلة، فيقول (ص 89): "البشر؛ زهرة كل ما هو حي.. الأرقى بين جميع الخلائق كافة.. الإنسان الذي خلقه الرب ذات مرة على صورته، وانعكست قوته على الأفلاك.. كان الإنسان الجميل العاري يحتضر.. مختنقًا في الرداء الذي حاكته يداه.. كان يكد قرنًا بعد قرن.. وكان هذا جزاؤه."

في نهاية الرواية ترى ڨاشتي أن هذه هي نهاية حضارة الإنسان، بينما يرى كونو أنها فرصة للبشر على سطح الأرض لإعادة بناء الجنس البشري ومنع تكرار خطأ الآلة.

العقل الذي سبق زمنه
يكاد القارئ للوهلة الأولى أن يظن أن الرواية كتبت في عهدٍ قريب، لا منذ أكثر من قرنٍ من الزمان، فقد وصف فورستر واقعنا بدقة شديدة: الاعتماد الشديد على الآلة، كل شيء يصل إلينا بضغطة زر، حتى الطعام، تواصل الناس مع بعضهم البعض عن بعد بما يشبه الانترنت الذي نستخدمه اليوم، مواقع التواصل الاجتماعي التي ساهمت في توسيع الفجوة بين الإنسان وأقاربه وأصدقائه فانحصرت علاقته بهم في تلك المواقع التي تنقل المشاعر باهتة باردة.

ماذا سيحدث لنا لو توقفت الآلة؟ كيف سنعيش من دون التكنولوجيا والكهرباء والانترنت؟ ماذا لو أخذ كل هذا منا فجأة؟ كيف سيتعايش الجنس البشري مع الأمر؟

يطرح فورستر هذه الأسئلة التي تؤرقنا اليوم منذ أكثر من مئة عام، عندما كانت التكنولوجيا تحبو خطواتها الأولى، فلا شك أنه رجل صاحب بصيرة ونظرة ثاقبة إلى المستقبل.

لقد سبق فورستر العديد من الكُتاب الذين كتبوا يحذرون من المستقبل المظلم أو الديستوبيا، 22 عامًا قبل أن يكتب الدوس هكسلي رواية "عالم جديد شجاع" و40 عامًا قبل أن يكتب جورج أورويل رائعة " 1984" ليحذرنا من الأخ الكبير.

الرواية لها أهميته الكبيرة في أدب الخيال العلمي، واختيرت كواحدة من أفضل الروايات القصيرة حتى عام 1965، وأدرجت في العام نفسه في كتاب المختارات "قصص قصيرة حديثة". وفي عام 1973 أُدرجت أيضا في كتاب "قاعة مشاهير الخيال العلمي، المجلد الثاني".

وكان اختيارًا موفقًا من دار "منشورات ويلز" أن تترجم هذا العمل الهام إلى اللغة العربية، فهي إضافة هامة إلى المكتبة العربية، ومجهود مشكور من المترجم الذي حرص على نقل النص الكامل بمنتهى الأمانة الأدبية، واضعًا بعض التعليقات في الهوامش هنا وهناك، ليخرج لنا في النهاية عملًا يستحق الاقتناء والقراءة.
Share/Save/Bookmark