حوار الحضارات وشروط الحوار

تنا-بيروت
بمعزل عن المقاييس والمعايير التي يتم على اساسها تصنيف الحضارات يمكن القول انه في الخريطة الحضارية للعالم يوجد اتجاهان، اتجاه يؤمن بالدور الإلهي في الصناعة الحضارية والذي يعني الإيمان بالربوبية التشريعية ـ بمعناها العام والشامل ـ من جهة كونها الأساس الذي تقوم عليه صناعة الحضارة، والحضارة الإسلامية هي خير تعبير عن ذاك الاتجاه.
تاریخ النشر : الجمعة ۲۷ أبريل ۲۰۱۸ الساعة ۱۸:۰۰
كود الموضوع: 327209
 
الشيخ/ أ.د محمد شقير أستاذ الفلسفة بالجامعة اللبنانية
 
والاتجاه الآخر هو الاتجاه الذي لا يؤمن بالدور الإلهي في الصناعة الحضارية، ولا يعترف بالربوبية التشريعية في الفعل الحضاري وبالتالي فإن يد الله تعالى مغلولة فيما يرتبط بالقضايا الاجتماعية والحقوقية وقضايا الاجتماع السياسي والدولي – وكل هذه الماسحة إنما تخضع للفعل البشري وما يراه من مصلحة ويجنيه من فائدة؛ وهو الاتجاه المادي – بمعناه العام – حيث لا يوجد قيم أو مبادئ، أو شرائع تضبط واقع المادة، بل إن الحاكم في تلك المساحة إنما هو المصلحة المادية والقدرة الفردية أو الجمعية على نيل تلك المصلحة، وإن خير تعبير عن ذلك الاتجاه إنما هو الحضارة الغربية.
 
المحيط البشري لهذه الحضارة – أي الغربية – محكوم بنظرة خاصة للإسلام والمسلمين سواء في وسطه العام أو دوائره السياسية والإستراتيجية أو في مؤسساته الثقافية والمعرفية تقوم على اساس عقدة التفوق والتقدم والحق المطلق في هذه القرية العالمية، وعلى تقييم الآخر (العربي والمسلم) باعتبار كونه أقل شأناً في الميزان الحضاري ونوعاً انسانياً غير مؤهل للحكم والإدارة والصناعة الحضارية وموضوعاً معرفياً (الإستشراق) لمعرفة تكوينه الثقافي والفكري مقدمة للإستفادة من خيرات بلاده وثرواتها.
 
أما الحضارة الإسلامية فنشهد في بعض دوائرها السياسية والثقافية ميلاً للحوار مع الغرب والحضارة الغربية باعتبار ان الإسلام دين الحوار وانه دعا إلى التعارف بين الشعوب والأمم وان الحوار يخدم المجتمع البشري.... وليست أولى هذه الدعوات الدعوة التي وجهها السيد محمد خاتمي فيما عرف بحوار الحضارات رداً على نظرية هانتنغتون فيما عرف بصدام الحضارات، إلا ان عوامل عديدة – ليس هنا محل ذكرها – قد أدت إلى تعويم هذه الدعوة وتفعيلها إلى حد تبنيها من قبل المؤسسة الأم في هذا العام، إلى مؤسسة الأمم المتحدة من خلال قسمها الثقافي.
لكن ألا يعتقد دعاة الحوار ان للحوار شروطاً واسساً حتى يكون الحوار حواراً منتجاً وحتى لا يتحول الحوار إلى شعارِ دعوةٍ ودعوةِ شعار ؟
 
لأن الحوار الذي نريده هو الحوار الذي تتحقق ظروف انتاجه وشروطه، ولا أحد يقول اننا نريد الحوار لمجرد الحوار، بل إن أهدافاً ومقاصد يجب ان تحدد للحوار ويجب توفر القناعة لدى أطراف الحوار بمطلوبية تلك الأهداف وجدوائية تلك المقاصد.
 
أما إذا كان أحد طرفي الحوار غير مقتنع بتلك الأهداف والمقاصد ولا يرى نفعاً شخصياً له من وراء ذلك الحوار، أو إذا كان احد طرفي الحوار لا يرى للطرف الآخر هوية انسانية أو ثقافية أو حضارية كاملة ولا يرى فيه موضوعاً جديراً للحوار أو إذا كان محكوماً بعقدة الاستعلاء الحضاري والتقني والتكنولوجي، وقبل هذا وذاك؛ إذا كانت نظرته مسكونة بثقافة المصلحة المادية غير المضبوطة بقيم أو مثل أو بحدود شرائع فهل يمكن ان يكون هذا الحوار مثمراً، أليس من الممكن ان يتحول هذا الحوار – في حال حصوله – إلى شكل من اشكال الاستشراق الطامح إلى خيرات الشرق وثرواته ؟
 
وهنا يطرح هذا السؤال وهو إذا كان هذا هو الغرب بأهدافه الاستعمارية وببنيته الثقافية القائمة على أساس عقدة التفوق والاستعلاء ونظرته العدائية للآخر – ولا أدل على ذلك من نظيرة صدام الحضارات نفسها إذ ما نعتقده ان هذه النظيرة انبثقت نتيجة عوامل ضاربة في جذور البنية الثقافية الغربية فضلاً عن ظروف عالمية ساهمت فيها –  فما هو الموقف الصحيح الذي يجب أن يتخذ من الغرب ؟
 
أقول ان الموقف الصحيح من الغرب يرتبط بشكل اساسي بالموقف الصحيح من أنفسنا بمعنى أنه إذا استطعنا ان ندرك مكامن القوة في واقعنا فنعمل على تطويرها وحسن الاستفادة منها وندرك مكامن الضعف فنعمل علىعلاجها والقضاء عليها وإذا استطعنا ان نثبت هويتنا الحضارية بمختلف تجلياتها العلمية والفكرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية.... وبكلمة جامعة: إذا استطعنا ان نثبت اننا وجوداً اقتصادياً قوياً وفاعلاً في المسرح الحضاري يدرك هويته ادراكاً تاماً ويعي دوره وعياً كاملاً؛ عندها يمكن لنا أن نخوض حواراً متكافئاً قد يؤتي ولو بعضاً من ثمار، لأن الغرب عندها سوف ينظر إليك نظرة احترام وتقدير، لأنه إن لم يحترم فيك انسانيتك – وهو كذلك – فسوف يحترم فيك قوتك، وإذا عجزت قوة الحجة عن فرض الحق على طاولة الحوار فإن قوة الحاجة(1) والحاجة إلى القوة(2)، سوف تسهم في فرض ذلك الحق.
 
إن المطلوب الا تكون تلك الدعوة دعوة استعراضية – ولو في نتائجها – ألا تتحول تلك الندوات الحوارية إلى فولكلور سنوي يضاف إلى رصيد الأعمال الفولكلورية التي تأخذ بين الحين والآخر شيئاً من وقتنا وجهدنا.
 
إن حوار الحضارة يبدأ من حيث تنتهي قوة الحضارة، وأعني بها القوة المادية وغيرها من اقتصادية وعسكرية واعلامية وثقافية وفكرية، لأن مقاييس الآخر لا تقوم إلا على اساس احترام المادة وقوتها.
عندها تستطيع أن تثبت للطرف الآخر (الغرب) أنها حضارة مؤهلة للحوار وجديرة به.
 
إن قروناً من الحوار السياسي مع الغرب وصنيعته اسرائيل هل أثمرت اعترافاً عملياً بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واستعادة أرضه وعودة اللاجئين إلى أرضهم وديارهم ؟ بالطبع لم ولن تثمر ذلك ؟ والسبب معلوم لذي عينين، ثم الا يعتقد دعاة الحوار ان الحوار يجب ان يتوفر مناخه، وأن ايجاد هذا المناخ هو مسؤولية جميع أطراف الحوار؛ أما عندما تجد حرباً بألوان شتى، أمنية وإعلامية واقتصادية وعسكرية وثقافية على حضارتك وإن اختلفت عناوينها وتعددت مبرراتها، فهل يسهم ذلك في تأمين مناخ الحوار ؟
 
ثم ألا يعتقد دعاة الحوار ان الحوار الجاد والمثمر يحتاج كخطوة أولى وبديهية إلى إثبات حسن النوايا، وإن إثبات حسن النوايا يحتاج إلى التكفير عن رزء الخطايا وان الخطيئة الكبرى للغرب – بعد الحروب الصليبية – والتي هي إيجاد مستوطنة إسرائيل تحتاج إلى توبة من نوع آخر.
 
هل يقبل الغرب بأبسط حق لبني البشر يعترف به من كان في البدو أو الحضر وهو عودة أهل الدار إلى دارهم وعودة المغتصبين إلى شتاتهم، وهل تستنفر جيوش حقوق الانسان عندما يكون هذا الانسان من الشرق وعندما لا يكون من مصلحة في الخفر والنفر إلا حق انسانٍ وإنسانٌ له حق، ويكون هذا الانسان من الشرق ؟ وهل كفّ الغرب عن اعطاء المغتصب آلة القتل والدمار التي ليس لها من ضالة إلا الانسان وحقه، وهل كفّ عن تزويده بالحديد والنار لتهجيره وسحقه، وعن منحه الدرهم والدينار لإعمار الدار بعد الدار في محله ؟ لا لم يظهر من الغرب حسن أو ما بدر منه لا يكشف إلا عن سوء طوية، وحسن فعل الغرب عندما أراد أن ينفع نفسه فضرها من حيث نفعها وأعطى لإنسان الشرق أداة العلم والقضاء على الجهل(1) فبان الوزغ بعد ان ستر الليل.
 
إن كل ما تقدم إنما يعني تلك المؤسسة السياسية في الغرب (الحكومات الغربية) وما يرتبط بها من مؤسسات ثقافية وغير ثقافية والتي تسعى دوماً إلى التدخل في قضايا الرق بما يخدم مصالحها، ولا تعجب إذا ما تبنت ثقافة الحوار إن رأت فيها مصلحة لها.
 
وعوداً على بدءٍ نقول انه إذا كان علاج الداء يبدأ من خلال إثبات هويتنا الحضارية ووجودنا الحضاري القوي والفاعل وإدراك مكامن القوة في وجودنا فلا بد من أن نضيف إلى ذلك الإحساس بشخصيتنا بقوتها وقدرتها ومسؤوليتها وبإمكانيتها على مواجهة التحديات الكبيرة لأن الداء العضار الذي يمكن له ان يقضي على الفعل الحضاري للأمة هو أن تفقد تلك الأمة شعورها بشخصيتها وإحساسها بمكانتها وثقتها بنفسها وقناعتها بأهميتها وإدراكها لخطورة الدور الموكل إليها.
 
إن أخطر ما سرقه الغرب منا ليس هو ثرواتنا التي نهبت وإنما هو شعورنا بشخصيتنا وما يترتب عليه وذلك من خلال أنظمة الوصاية والمندوبية والتي أنتجت لدينا شخصيات سياسية تعاني من عقدة الطفولة على المستوى السياسي والحضاري، أفلا تستطيع حولاً ولا قوةً إلا بما فاه به سيدها الأكبر.
 
إن الأمة التي تشعر بشخصيتها لهي الأمة القادرة على أن تضع حضارتها ومجدها، بل وأن تخلق من الضعف قوة وأن تصبح وجوداً عزيزاً في مجتمع الأمم، أما التي تفقد ذلك الشعور بشخصيتها فسوف تصبح عرضة للسلب والنهب ووجوداً هامشياً وتابعاً لا ينظر إلى صولته إن صال ولا يسمع لصوته إن جال يكثر التجوال وهو قليل الفعال همه في القيل والقال... ويا لزمنٍ عزت فيه قلوب الرجال.
 
إن ما يوقظ ذلك الشعور بعد سبات حرارة الدم وفعل الجهاد لأنه بقدر ما تثبت الأمة الآن انها قادرة على العطاء وحاضرة للمزيد من الشهداء بقدر ما تثبت أنها أمة حية تليق بأن يدون اسمها على لائحة الكرامة والحضارة. إن من يريد كرسياً على طاولة الحوار الحضاري فإن الطريق إليها لن يكون فرش من الراحة مخملي، بل بذل وعطاء وجهاد ... فإنهم وإن عابوا عليك في وضح من النهار لكن التاريخ لن يكذب نفسه أبداً لأنك إن اثبت أنك ذو قوة وقرار سوف تدعى إلى تلك الطاولة، طاولة الحضارة والحوار.
 
Share/Save/Bookmark