"المركنتيلية" سياسة عمالقة الاقتصاد..والخطر الأكبر السياسة التجارية لـ"ترامب"

تنا-بيروت
يبدو أن الاقتصاد العالمي الذي تمكّن من مواجهة الأزمة الاقتصادية في عام 2008، يواجه في وقتنا الحالي تحدياً وکابوساً آخر وهنا یجب القول بأن هذا التحدي وهذا الكابوس ليس سوى بداية حقبة جديدة لتحول عمالقة الاقتصاد في العالم إلى الاستعانة بالسياسات المركنتيلية التجارية والابتعاد عن القواعد التي تحكم العلاقات التجارية الدولية منذ نصف قرن مضى ومن المحتمل أن تواجه التجارة الجديدة حواجز هيكلية وتنظيمية وتحديات تكنولوجية جديدة ولا سيما ضعف القومية الشعوبية والعولمة في البلدان الغربية ولكن التحدي الأكبر الذي سيؤثر على مستقبل التجارة العالمية، يتمثل في السياسيات المتهورة التي يقوم بها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" الذي قام عقب دخوله إلى البيت الأبيض بوضع حجر الأساس للحروب التجارية في العالم، حيث إنه قام بإلغاء العديد من الاتفاقيات التجارية التي وقّع عليها سلفه "باراك أوباما"، كاتفاقية "التجارة الحرة بين دول أمريكا الشمالية" واتفاقية "الشراكة العابرة للمحيط الهادئ" واتفاقية "التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا" واتفاقيات متعلقة بمنظمة التجارة العالمية.
تاریخ النشر : الاثنين ۲ أبريل ۲۰۱۸ الساعة ۱۳:۴۶
كود الموضوع: 322051
 
وفي سياق متصل قرر "ترامب" رفع الرسوم الضريبية على واردات الحديد الصلب إلى 25٪ والألمنيوم بنسبة تصل إلى 10٪ في الولايات المتحدة ولقد أثار هذا القرار الكثير من الجدل داخل الأوساط الأمريكية والخارجية ولقد برر "ترامب" قراره ذلك بأنه يهدف إلى دعم السوق المحلية للحديد الصلب والألمنيوم وخلق فرص العمل للشباب العاطلين في الولايات المتحدة ومنافسة أسواق الحديد الصلب في الصين وكندا والمكسيك وخاصة السوق الصينية وذلك لأن "ترامب" أعلن مراراً وتكراراً في خطاباته الانتخابية، بأنه يعارض السياسات الاقتصادية والتجارية للصين.

من جهتها أعلنت الصين وبعض الدول الأوروبية بالإضافة إلى منظمة التجارة العالمية، بأنه لن يكون هناك فائز في هذه الحروب الاقتصادية التي دعا لها الرئيس "ترامب" وقال المدير العام لمنظمة التجارة العالمية "روبرتو أزودو" في مقابلة صحفية: "إننا نرى في وقتنا الحاضر بعض الدول تقوم بخطواتها الأولى وتتجه نحو إشعال حروب تجارية وهذا الأمر سيكون له تأثير كبير على الاقتصاد العالمي". وبالنظر إلى مواقف الرئيس "ترامب" قبل وصوله إلى البيت الأبيض، يتضح لنا بأنه لم يكن لديه نظرة تشاؤمية أو قلق من الأوضاع التجارية في العالم ولكنه بعدما أصبح رئيساً للولايات المتحدة، بدأ يصرّح بأن منظمة التجارة العالمية أُنشئت لغرض استغلال الولايات المتحدة لأنه يرى حسب قوله بأن الحكومة الأمريكية لم تُنصف جيداً في جميع الشكاوي التي قدمتها حكومته لمنظمة التجارة العالمية ولهذا فلقد هدد "ترامب" بخروج بلاده من منظمة التجارة العالمية، إن لم تُغّير قوانينها لمصلحة الولايات المتحدة وهنا يمكن القول بأنه سيكون لمثل هذه القرارات ولانسحاب الولايات المتحدة من منظمة التجارة العالمية، تأثير بالغ وجوهري على التجارة العالمية.


عجز في التجارة الأمريكية وادعاءات "ترامب"
إن الولايات المتحدة لديها ديون خارجية بقيمة 20 تريليون دولار وعجز بنسبة 10 في المئة مقارنة بالصين، فعندما كانت الولايات المتحدة تقاتل وتقوم بمغامراتها في الشرق الأوسط، كانت الصين تقوم بتنمية استراتيجياتها الاقتصادية والتجارية ولهذا فإنه من الطبيعي أن تحقق الصين الكثير من المكاسب التجارية على مدى السنوات القليلة الماضية وأن تظهر في مستوى يفوق مستوى الولايات المتحدة على الخرائط العالمية والغريب في الأمر أن "ترامب" كان يقول وهو واثق من نفسه: "إن انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية كان قائماً على افتراضات ثابتة من أجل إصلاح بعض الأسواق وفتح أسواق جديدة" ولكن الحقيقة أن الولايات المتحدة لم تتنبأ جيداً بأن الصين سوف تنهض اقتصادياً بسرعة فائقة وتصبح قوة تجارية كبرى في العالم وسوف تُعرّض الأعمال التجارية الأمريكية للخطر.

وبناءً على ذلك، فإن "ترامب" يحاول من ناحية تغيير محاور الموازنة التجارية لخفض مستوى الأرباح التي تجنيها الصين ومن ناحية أخرى، يسعى إلى تعويض الدين الأمريكي عن طريق الاستعانة بالقوة العظمى التي تمتلكها الولايات المتحدة، بدلاً من الاستفادة من طرق الاستثمار التجارية المتعارف عليها ولهذا فهو يعمل الآن على نقل جزء من الأزمة الاقتصادية الأمريكية إلى بلدان أخرى في العالم لكي يقوم بعد ذلك باستخدام قوة النفوذ والسلطة، لإجبار تلك الدول على التوقيع على اتفاقيات تجارية تعود بالنفع على الولايات المتحدة وهذا الأمر هو ما أكدته تصريحات "ترامب" الأخيرة التي طالب فيها بتغيير قواعد وقوانين منظمة التجارة العالمية لمصلحة الولايات المتحدة وفي سياق متصل وعد "ترامب" بأنه سيمنع دخول الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة ولكن الواقع يكشف بأن هذه السياسة التي استمرت لسنة واحدة لم تجدِ نفعاً.

 ومن أجل التستر على إخفاقاته المتتالية، هدد "ترامب" جميع الشركات الأمريكية قائلاً، "إن الشركات الأمريكية التي ترغب في سحب استثماراتها من البلاد، سوف نقوم بتغريمها بأموال كثيرة".

دور منظمة التجارة العالمية في المبادلات التجارية العالمية
لقد تم إنشاء منظمة التجارة العالمية في عام 1995على أنقاض الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة التي تم التوقيع عليها في عام 1947 لتقوم بتنظيم جميع التبادلات التجارية الدولية وهكذا وبالرغم من أن منظمة التجارة العالمية مازالت حديثة فإن النظام التجاري متعدد الأطراف الذي تم وضعه في الأصل تحت الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة قد بلغ عمره خمسون عاماً ولم تكن الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة تُعد منظمة عالمية بالمعنى القانوني، لكنها اكتسبت بالممارسة في نصف قرن من الزمن صفة الهيئة غير الدائمة التي تمارس مهامها بوساطة أمانة عامة مقرها "جنيف" وتتألف هذه المنظمة من أعضاء أصليين وهم الأطراف المتعاقدة التي وقّعت على ميثاق "مراكش" والاتفاقات التجارية الملحقة به عام 1994 وكان قد بلغ عددها 148 دولة عضواً حتى عام 2005، بينها حوالي 85 دولة نامية والعضوية مفتوحة للدول كافة، وفي هذه المنظمة تتم دراسة طلبات الانضمام المقدمة من بعض الدول غير الأعضاء وفق شروط يتم التفاوض عليها والاتفاق بشأنها كما يتم اتخاذ القرار بالموافقة على الانضمام أو عدمه من قبل المؤتمر الوزاري للمنظمة، بناء على تقرير المدير العام وفريق التفاوض وذلك بأغلبية ثلثي الدول الأعضاء.

ويجوز الانسحاب منها بعد ستة أشهر من تاريخ تلقي المدير العام طلب الانسحاب، وقد وصل عدد الدول الأعضاء في المنظمة لغاية عام 2003 إلى 142 دولة وتسعى الدول المنتمية إلى هذه المنظمة للاستفادة من تحرير التجارة وحركة رؤوس الأموال الدولية، الجدير بالذكر هنا أن هذه المنظمة لديها الكثير من المبادئ الأساسية التي تعتمد عليها ومن أهم تلك المبادئ، مبدأ الشفافية الذي يقوم على أساس الالتزام بعدم فرض قيود غير تعريفية كنظام الحصص الكمية لتقييد المستوردات إلا في حدود معينة ومبدأ المعاملة الوطنية الذي يدعو إلى الالتزام بعدم اللجوء إلى فرض قيود غير تعريفية لحماية المنتج الوطني والتمييز بينه وبين ما يماثله من المنتجات المستوردة، كما أن مبدأ التخفيض المتبادل للتعرفة الجمركية وفق مستويات محددة، يعد أيضاً من أهم المبادئ الأساسية لهذه المنظمة حيث يقوم على تقديم تعويضات للأطراف المتضررة منها رفع التعرفة عند اللزوم.

آثار قرارات "ترامب" الاقتصادية
اعتمدت سياسات "ترامب" الاقتصادية على نهج المدرسة المركنتيلية الحديث وهذا النهج يختلف كثيراً عن النظام الليبرالي، الذي يعتبر الحكومة الأمريكية بأنها القوة العظمى التي تحافظ على جميع السياسات الاقتصادية في العالم والآن وبعد سياسات العزلة الفاشلة التي انتهجها "ترامب"، بدأت الحروب الاقتصادية تشتعل في العالم ولهذا فلقد صرحت بعض الدول التي أعلنت الولايات المتحدة بأنها ستقوم برفع التعريفات الجمركية على وارداتها من الحديد الصلب، بأنها ستتعامل بالمثل وهنا أعلن الاتحاد الأوروبي الذي يُعدّ لاعباً أساسياً في نظام التجارة العالمي، بأنه إذا قامت الحكومة الأمريكية بتنفيذ قرار "ترامب"، فإنها ستزيد التعريفات الجمركية على السلع الأمريكية المستوردة، كما أن وزير الخارجية الصيني أكد قائلاً: "إن الصين لن تتعاون مع الولايات المتحدة، إذا ما قامت بتنفيذ قرار "ترامب" المتهور".

بعد كل تلك التهديدات التي أطلقها "ترامب"، منحت واشنطن، كلّاً من المكسيك وكندا وأوروبا، شهراً واحداً لاتخاذ قرار من أجل إيجاد حل مستدام يهتم بالمصالح الأمريكية وينتهي هذا الموعد في مايو المقبل وحول هذا السياق صرح الأمين العام للاتحاد الأوروبي، "جان كلود جنكر"، في 23 آذار / مارس، قائلاً: " إني أجد أنه من المستحيل للغاية مناقشة جميع القضايا مع نظرائنا الأمريكيين خلال شهر واحد".

المستقبل والسيناريوهات المحتملة
إذا قام "ترامب" بتنفيذ قراراته تلك، فسيكون هناك احتمالان، فإما أن تقوم الصين والاتحاد الأوروبي بأخذ دور ومكانة أمريكا الاقتصادية في العالم وهذه الخطوة المهمة، قد تتسبب في تراجع القوة الاقتصادية الأمريكية. فاقتصاد الولايات المتحدة الذي يمثل 13 في المئة فقط من التجارة العالمية، يمكن له أن يفصل نفسه من هذه المنظمة ولكن بقية دول العالم ستستمر في تحركها وعلى سبيل المثال، أعلنت الصين بأنه إذا غادرت الولايات المتحدة منظمة التجارة العالمية، فإنها ستتمكن من منع انهيار وتراجع هذه المنظمة وفي سياق متصل أعلن الاتحاد الأوروبي بأنه سوف يُنهي جميع الاتفاقيات التجارية مع كندا واليابان وسيسعى في عام 2018 إلى عقد المزيد من الاتفاقيات التجارية مع المكسيك ودول العالم الأخرى.

ولكن السيناريو الثاني هو قيام جميع بلدان العالم بمغادرة منظمة التجارة العالمية والاعتماد على سياسات اقتصادية وطنية ومركنتيلية وهذا الأمر سوف يخلق العديد من التحديات للنظام التجاري العالمي وهذا بالتأكيد سيشكل تحدياً كبيراً للولايات المتحدة ومن المحتمل أن تصبح قرارات "ترامب" ذريعة لتكوّن أقطاب اقتصادية في العالم على الرغم من أن "ترامب" كان يسعى جاهداً لتجنب تكوّن تلك الأقطاب الاقتصادية في العالم وذلك من أجل إعفاء بلد مثل اليابان التي تؤمّن خمسة في المئة من الحديد الصلب للولايات المتحدة، من الرسوم الجمركية واستثناء بعض الدول النفطية مثل المكسيك وكندا من تلك الرسوم، إلا أن قراره ذلك كان بمثابة تحذير للعالم، بأن الولايات المتحدة لم يعد بمقدورها حماية التجارة العالمية وذلك لأن هذا القرار الذي أصدره "ترامب" جنباً إلى جنب مع سلسلة من القرارات الأخرى التي أصدرها في وقت سابق، كالانسحاب من منظمة "اليونسكو" أو الانسحاب من اتفاق معاهدة باريس المتعلقة بالطقس، قد كشفت عن الوجه الحقيقي الذي تتستر خلفه الولايات المتحدة ولهذا فلقد أصبحت الكثير من بلدان العالم لا تثق بالوعود الأمريكية الكاذبة. 

وبطبيعة الحال، فإن صانعي القرار الذين يختبئون خلف الستار والذين يتحكمون بقرارات "ترامب"، سيعلنون عندما يرون بأن اللاعبين الرئيسيين في العالم يواجهون السياسة التجارية لـ"ترامب" ويقفون صفاً واحداً ضد الولايات المتحدة، بأن تلك القرارات الخاطئة صدرت عن "ترامب" الذي يُعد شخصية متهورة ولن يُحمّلوا الحكومة الأمريكية أي أخطاء، وبعد ذلك سيقومون بدفع "ترامب" بعيداً عن البيت الأبيض عن طريق التحقيق معه أو قطع الدعم عليه في الجولة القادمة من الانتخابات الرئاسية.
Share/Save/Bookmark