"موت صغير".. حياة ابن عربي بين الحقيقة والخيال

تنا-بيروت
"موت صغير" رواية جميلة، تستحقّ القراءة، لوّنها الكاتب بلغة أدبية شاعرية أنيقة، من خلال صور جميلة راقت للقارئ وحملته إلى أماكن شعرية تتناسب مع الحالات الشعورية التي عاشتها الشخصية الرئيسة المتمثلة بـمحيي الدين ابن عربي، ورحلاته ومواقفه من مفاهيم الحياة والموت والدين.
تاریخ النشر : السبت ۱۰ مارس ۲۰۱۸ الساعة ۱۱:۱۷
كود الموضوع: 317193
 
تُحسبُ كتابة سِيَر الفلاسفة والعلماء والمبدعين في العالم مغرية، ولا سيما في عالمنا العربي، وعلى الرغم من وفرة الأسماء في تاريخنا؛ فإنّ قليلًا من الكتّاب خاضوا هذه التجربة، مع أهميتها ووضوحها، وربما شعبيتها، بحيث إنّ التعرف إلى حياة الذين تركوا أثرًا في تاريخ الأمة والعالم، هو دعوة تحمل من الإغراء ما يصعبُ على المتلقي رفضه، أو غضّ النظر عنه، أو تجاهله. وهذا ما فعله محمد حسن علوان الكاتب السعودي، في روايته "موت صغير"، التي حاز عبرها على جائزة "البوكر" لأفضل رواية عربية عن العام 2017. وبغضّ النظر عن اللغط الذي دار حولها، وعن أن فكرتها مأخوذة عن رواية للكاتب العراقي لؤي عبد الإله، "كوميديا الحب الإلهي"، فإنها تجربة تستحق التوقف عندها، ومقاربتها من منظور نقدي، فيكون لها ما لها، وعليها ما عليها.   

تعدّ هذه الرواية عملًا سرديًا جميلًا، بحيث جهد الكاتب على تقديم حياة ورؤية فيلسوف عربي إشكالي كـ"الشيخ محيي الدين ابن عربي(1240- 1164 م) إلى القارئ  بطريقة مبسّطة، خالية من تعقيدات الفلسفة ومصطلحاتها التي قد لا يستسيغها غير المتخصصين أو المتابعين لهذا النوع من الدراسات.

لكنّ ثمة أسئلة تحضر بقوة عند ولادة كلّ عملٍ أدبي، ولا سيما الرواية، ويلتصق ذلك بهوية الكاتب وبيئته والزمن الذي يعيش فيه. وهو ما حصل مع كثير من كتّاب الرواية في لبنان والعالم العربي، وكثيرٌ منهم اتُهِموا بالهروب من مشكلات الناس الحقيقية، ومن توصيف الأنظمة السياسية وممارساتها، ومعاناة البشر في دولها، ليس من الناحية السياسية فقط، بل من النواحي الاجتماعية والاقتصادية أيضًا، ففضلوا اللجوء إلى موضوعات تاريخية حينًا، ومبتذلة حينًا آخر، حتى يحسب القارئ الذي لا يعرف عن منطقتنا ومعاناتها وبؤس شعوبها شيئًا؛ بأنّ الترف المعيشي هو الذي يدفع بكتّابنا إلى اختيار هذه  الموضوعات ومعالجتها، والغوص فيها.

وقد تدفع أسبابٌ عديدة بالكاتب إلى الابتعاد عن مقاربة هذه العناوين، وفي مقدمتها قمع الأنظمة، والتضييق على الكتّاب وأصحاب الرأي، أو استمالتهم، ورشوتهم، بحفنة من الدراهم أو المناصب، ولهذا حديث آخر لا يسع المجال للخوض فيه في هذه العجالة.

رحلة ابن عربي
"طهّر قلبك" هي الجملة المفتاحية التي أوصت بها "فاطمة القرطبية" الشيخ ابن عربي، تلك السيدة التي ربّته وأحبّها، فكان لها ابنًا وتلميذًا. انطلق من خلالها الراوي في رحلته الداخلية ابتداءً، ثم في بحثه، على مدى الحكاية، عن أوتاده الذين يثبتون قلبه. والوتد هو أحد مراتب الصوفية للدلالة على رتبة في الارتقاء الروحي الإيماني، فيُقال: "فلان من الأوتاد، يعني ذلك أنّ الله تعالى يثبّت به الإيمان والدّين فى قلوب من يهديهم الله به، كما يثبت الأرض بأوتادها، وهذا المعنى ثابت لكل من كان بهذه الصفة من العلماء، فكلّ من حصل به تثبيت العلم والإيمان في جمهور الناس كان بمنزلة الأوتاد العظيمة والجبال الكبيرة". وكانت هذه الصفة هي أحد محاور الرواية وحبكتها، بحيث يفاجئ الراوي القارئ بأحد أوتاده الأربعة الذين استمر في البحث عنهم من بداية الرواية إلى خاتمتها.

   ويزعم الصوفية أن العالم يدوم بقاؤه بفضل تدخل طبقة من الأولياء المستورين، عددهم محدود، وكلما قُبض منهم واحدٌ، خلَفَه غيرُه، ورجال الغيب هم: ثلاثمائة من النقباء، وأربعون من الأبدال، وسبعة أمناء، وأربعة عمد، ثم القطب، وهو الغوث، حسب تعبير "ماسينيون" في كتابه "التصوف". 

وفصل "أبو طالب المكي" هذه المراتب في أواخر القرن الرابع الهجري إلى: القطب، والأوتاد والأبدال. وفي القرن السابع الهجري، قام محيي الدين بن عربي، الذي يُحسب فيلسوف الصوفية وشيخها الأكبر، بوضع الأسس الثابتة والتفصيل الوافي الذي أسس لمرجعية هيكيلة المجتمع التصوفي، قائلًا في "الفتوحات المكية" عن الأوتاد الأربعة، إن مهمتها حفظ الأرض من كل سوء أو شر، ولكل واحد مقام جهة من جهات الأرض. لهم روحانية إلهية ويملكون علوًا كبيرًا. أحدهم يكون على قلب آدم، والثاني على قلب إبراهيم، والثالث على قلب عيسى، والرابع على قلب محمد(ص).

يعيش البطل في الرواية تجربة صوفية تتصف بالعمق والقلق في ظل الأحداث المتخيلة التي يعيشها. ويشدّ رحاله إلى كثيرٍ من الدول، ويلتقي عددًا كبيرًا من الأشخاص، في ظل الحروب التي لا تنتهي.

بمحاذاة مشاعره المضطربة، اهتم الكاتب علوان بـ"ابن عربي" الإنسان: الصبي، والفتى الغرّ العاشق، وكل ما يجري على هذا الإنسان من تحولات، جعلته أحيانًا شارب خمر، ومتفلّتًا، ومن ثم معتكفًا في المقابر لأيام طويلة،، فأغرقنا في تفاصيل حياته منذ مولده ونشأته، ويوميات عائلته، وأصدقائه، شيوخه وقلقه، خوفه وانحرافه، وحبّه وغرامه. منذ زواجه الأول وإنجابه زينب ابنته الوحيدة التي حفر موتُها في قلبه جرحًا بليغًا، ومن ثم انتقاله إلى مكة، وفي فيئها كتب كتابه الأكثر شهرة وأهمية "الفتوحات المكية"، وفيها التقى بـ"نظام" ابنة "متين الدين الأصفهاني"، وعرّفنا إليها كعالمةٍ متفوهة شديدة الحُسن، أحَبَّها إلى درجة العشق، وأحبّتْه، وحالت بين ارتباطهما حبكة "الأوتاد" في الرواية، فكتب عنها ولها، ديوانه المعروف "ترجمان الأشواق" الذي أثير حوله لغطٌ شديد، واتهم بالتشبيب بـ"نظام"، ومن ثم أهداها هذا الكتاب.

يروي الكاتب على لسان الراوي العليم الذي أمسك بزمام السرد منذ مستهل الرواية، عن بحث إبن عربي عن أعلام الصوفية، وعلمه، وتلامذته، وحروبه الشخصية، ورحلاته وأسفاره، والترحال من غرب الأندلس إلى  شرق آذربيجان، مرورًا بكل من المغرب ومصر والحجاز والشام والعراق وتركيا، بحثًا عن العلم والمعرفة وشيوخ طريقته، أو كما وصفهم ابن علوان بـ"الأوتاد"، وعن علاقاته ب‍الملوك والأمراء والحكام، والمتصوفة، ورجال الدين والفلاسفة، وصولًا إلى شيخوخته، فنهاية حياته في دمشق.

تسير الرواية في مسارين زمنيين متباينين: مسار سيرة ابن عربي كما رآه الكاتب علوان، منذ ولادته بـ"مرسية" إلى وفاته بالشرق، في مدينة حلب، مرورًا بترحاله الدائم، من الأندلس والمغرب والحجاز والشام ووسط آسيا.. ومسار سيرة المخطوط، الذي كان يعود إليه بين أسفار روايته الإثني عشر، التي بدأت في العام 1212م في أذربيجان، وانتهت في بيروت مع نازح سوريّ في العام 2012م، أي ما يقارب الـ800 عام.

 يتبيّن من ذلك أنّ سيرة المخطوط عمل متخيّل تمامًا، ولا أثر له في الواقع، ووجوده في الرواية، كان في مصلحة جهة تكبير حجمها، وكان عاملًا مؤثرًا في تشتيت القارئ، ونزعه من زمني السرد والوقائع، وحشره في أزمنة اختارها الكاتب. إضافة إلى حشوه ببعض التفاصيل والأحداث التاريخية التي انتقاها علوان، وعبّر عنها، علّق عليها من وجهة نظره، بناءً لرؤيته السياسية والإيديولوجية.

الرواية بين التاريخ والخيال
 لقد وقع الكاتب بين فكي الحدث التاريخي الواقعي، وبين  السردي التخييلي، فأراد أن يمرر رؤيته للأحداث التاريخية بين سطور الرواية، والإيحاء بأنّها من أفكار إبن عربي، وفي هذا خطر كبير على السيرة الذاتية، وعلى أفكار فيلسوف كبير لُقّب بالشيخ الأكبر.

  لذا، فإنّ أي كاتب يستطيع إعادة تشكيل الشخصية الروائية وتحميلها رؤى وأفكارًا خطيرة، وكل ذلك تحت حجة العمل الخيالي، وليس السيرة الذاتية أو الغيرية القائمة على الحقائق الموضوعية، والأحداث التاريخية. وكأنه لا يكفينا ما نحن بصدده من اختلاف على التاريخ وأحداثه حتى نزج بشخصيات قد تشكّل نوعًا من الإتفاق على كونيتها، وانعتاقها من قيود الانغلاق الطائفي والمذهبي والفكري الأحادي إلى رحاب الإنسانية. لذا قد يكون الكاتب منع عن ابن عربي شمولية فكره وإنسانيته، وسعى إلى حصرها في قفص محدد.

وهنا تحضر المشكلة الحقيقية، فإما أن يكون السرد واللعبة الفنية خاضعة لأفكار إحدى الشخصيات التاريخية الكبيرة، ومنهم إبن عربي، أو تكون الرواية كلها معتمدة على الخيال، ولا يُزج باسم فيلسوف كبير كإبن عربي وغيره، كواجهة يستطيع الكاتب أن يمرر ما يريد من أفكار  لا تتحمل وزرها الشخصية المستحضرة. لذا، تكمن إشكالية هذا النوع من الأعمال في كونها أعمالًا برزخية، لا هي حقيقية بشكل كامل، ولا هي خيالية كليًا أيضًا، لذلك قد تحمل في نفسها عوامل هدمها.

يُضاف إلى ما تقدّم، العمل على حشر أحداثٍ وتفاصيل تضرّ بمصداقية المتصوفة، وتلبسهم رداء الخرافة. يروي علوان أنّ أحد الأولياء يخلّص ابن عربي من سجن حاكم مصر وقاضيها، ويتشفّع له أمامهما، بعد اعتقاله. ويتبيّن أن هذا الشخص قد حضر من العالم الآخر، كونه ميتًا منذ زمن، وهو يسير في الهواء، وليس على الأرض ككل البشر. وفي حادثة أخرى يتبع ابن عربي بغلة، ويستسلم لرغبتها في التوجه حيث تختار، ليجد بعد طول مسير شيخًا متعبدًا في كهف، يكتشف أنه أحد أوتاده الأربعة.

الحكاية انعكاس للواقع أم هروب منه؟
 

 يُطرح في هذا السياق سؤال مفاده، هل أنّ التخبط والإحباط، وشراء الذمم والتضييق على العقول التي عالجها علوان، والتي لا تناسب الحاكم، ممتدة من ماضي العصور الوسطى السحيق، وما زالت مستمرة إلى اليوم؟ وهل أنّ تخلّف الأمة عن ركب الحضارات اليوم، هو نتيجة لما حصل من تقاتل وتناتش على السلطة في زمن الموحدين وملوك الطوائف وغيرهم، أم هو نتاج مشكلاتنا الحديثة؟

إضافة إلى تلك الأسئلة، فإنّ الرواية تحمل في طياتها أفكارًا خطيرة مموهة بمسوغات متنوعة، أحدها، تحت شعار محاربة الكفار، يتم القبول بمهادنة السلطان والحاكم، وعدم الاعتراض على كيفية وصوله إلى السلطة، وكأنّ كل شيء مكتوب، وعلى الناس تقبّل هذا الأمر من زاوية أنه قَدَرهم المحتوم.

الشيء الأخطر، تمثّل في استسهال مذلّة الانسان واستعباده تحت عناوين مختلفة، ومنها أنه "مُريد" وهي صفةُ من يكون متبّعًا للشيخ الصوفي، ويصبح خادمًا له، كما حصل مع مريدي الشيخ ابن عربي في الرواية، إضافة إلى قبول فكرة العبودية والنخاسة كفعل محمود وطبيعي. فيستطيع الإنسان، بحسب ما ورد في الحكاية، أن يشتري الناس من السوق أو يبادل إنسانًا بدابة، من دون أي اعتراض.

يبقى أن نقول إنّ رواية "موت صغير" على الرغم من الملاحظات النقدية عليها، وعلى الرغم من شائبة حجمها الكبير، الذي قارب الستمائة صفحة، فإنها رواية جميلة، تستحقّ القراءة،  لوّنها الكاتب بلغة أدبية شاعرية أنيقة، من خلال صور جميلة راقت للقارئ وحملته إلى أماكن شعرية تتناسب مع الحالات الشعورية التي عاشتها الشخصية الرئيسة المتمثلة بـ"ابن عربي"، ورحلاته ومواقفه من مفاهيم الحياة والموت والدين.

 

د. طارق عبود أكاديمي وكاتب لبناني.
Share/Save/Bookmark