مختارات من رباعيات جلال الدين الرومي

تنا-بيروت
ينقل الكتاب إلى اللغة العربية أبيات – رباعيات من شعر الشاعر الصوفي الشهير جلال الدين الرومي كما جمعتها الباحثة الفرنسية إيفا دوفيتري ميروفيتش. والرباعي هو أكثر ضروب الشعر الفارسي أصالة، وهو يكون على شكل بسيط وجذاب، بعيد عن التكلف والتصنع.
تاریخ النشر : الجمعة ۲ مارس ۲۰۱۸ الساعة ۱۴:۳۵
كود الموضوع: 315539
 
تقول مترجمة الكتاب عن الفرنسية عائشة موماد إن الرباعيات تعد من أجمل الأشعار التي نظمها مولانا جلال الدين الرومي، وقد ترجم مختارات منها من الفارسية إلى العربية الدكتور عيسى علي العاكوب بمساعدة الأستاذ الإيراني مرتضى قشمي، إذ أسدى العاكوب خدمات جليلة للقارئ العربي عندما كرس جزءاً كبيراً من وقته لترجمة بعض آثار الرومي ومصنفات أخرى لعدد من المستشرقين حول الرومي، ملقياً الضوء على إبداعاته العرفانية والأدبية. كما أن كتاب "الرومي والتصوف" للباحثة الفرنسية إيفا دوفيتري ميروفيتش قد وجد طريقه إلى المكتبة العربية بفضل جهود العاكوب.

لقد قامت ميروفيتش بترجمة جل أعمال جلال الدين الرومي وهي: "فيه ما فيه"، "ديوان المثنوي"، "ديوان شمس تبريز" ثم "الرباعيات" التي تقدم موماد في كتابها هذا مختارات منها اعتماداً على النسخة الفرنسية الصادرة سنة 1993.

وكانت أول ترجمة للرباعيات إلى اللغة الفرنسية سنة 1946 في إسطنبول، وكانت نسخة ممتازة لآصف شلبي وتضمنت 276 رباعية. ثم قامت اإيفا دوفيتري ميروفيتش بمشاركة جمشيد مرتضوي بترجمة نسخة تضمنت أكثر من ألف رباعية نشرت لأول مرة سنة 1987 عن دار البين ميشال في فرنسا.

تقول موماد إن ميروفيتش قد اعتمدت في ترجمتها للرباعيات من الفارسية على نشرة العلامة بديع الزمان فروزنفر التي تضمنت نحو ألفي رباعية، لكنها اكتفت بترجمة البعض منها فقط لاستحالة تقديم النصوص كاملة من دون أن تفقدها جماليتها الأصلية.

تقول إيفا ميروفيتش في مقدمة كتابها: "هذا النوع من النظم الشعري يختلف عن نظم المثنوي أو الغزليات، يجعلك تواجه صعوبة شديدة في الترجمة، ليس حول إيصال المعنى للمتلقي، حتى وإن كان عميقاً، فإنه يظهر دائماً بشكل مفهوم، بل حول الأسلوب والإبداع الأدبي. لقصر أبيات الرباعية، تتكثف فيها مجموعة من الصور والإيحاءات، تنتمي إلى ثقافة معينة، ويصعب عليها المرور بسهولة إلى لغة ثانية".

من هنا، ارتأت ميروفيتش القيام بانتقاء دقيق للرباعيات، لكي لا تشوه جمالية تلك الأشعار، "حيث تتشابك ظلال الأحوال الروحية من رغبة وشوق وحزن وحلم وعشق إلهي".

بدورها حذت المترجمة عائشة موماد حذو ميروفيتش فاختارت ترجمة خمسين رباعية، من دون تحريف للمعاني العميقة أو تشويه لجمالية النص وعذوبته.

حضور جلال الدين الرومي في الثقافة العربية
 كتاب "رباعيات مولانا جلال الدين الرومي" من ترجمة  عائشة موماد
كتاب "رباعيات مولانا جلال الدين الرومي" من ترجمة عائشة موماد
أما الباحث المصري خالد محمد عبده الذي قدّم للترجمة فكتب يقول: "في كتابه هذه الأميركا: أبحاث في الجذور العربية والإسلامية في للمجتمع الأميركي) يخصص جوناثان كورييل فصلًا للحديث عن الإغواء المستمر للكتابات الصوفية والقصص العربية التي تأخذ بلبّ الأميركي لما فيها من إنسانية راقية وعزفٍ لأنغام السلام الدائم وروح التسامح الحقّ الذي يبحث عنه كل إنسان على هذه الأرض الملآى بالعنف والدمار. تتنزل ملاحظة كورييل على الإنسان العربي اليوم، إذ يلاحظ المتابع فرار الكثيرين إلى روحانية الإسلام، باعتبارها ملاذًا آمنًا وعاصمًا من الوقوع في آتون استلاب الحديث عن السياسات".

يتناول عبده في تقديمه حضور جلال الدين الرومي في الثقافة العربية، "الذي بدأ بإصدار مطبعة بولاق أجمل طبعات المثنوي، وشرحه العربي (المنهج القوي لطلاب المثنوي)؛ وتطور بعد إنشاء معهد اللغات الشرقية بكلية الآداب في الجامعة المصرية، إذ أضحى المثنوي وقتها مادة للدراسة والترجمة، بفضل الأساتذة الأوائل الذين درسوا على أيدي المستشرقين المتخصصين في الأدب الفارسي".

وإذ يشير عبده إلى قلة الاهتمام المغربي سابقاً بالتصوف الفارسي وتحديداً جلال الدين الرومي، باستثناء كتابات محمد ناعم وأحمد موسى، يلاحظ اهتمامًا مختلفًا مع الكاتبة والمترجمة المغربية عائشة موماد، التي قدّمت لنا للمرة الأولى في اللغة العربية ترجمات عن الفرنسية لإيفا ميروفيتش وليلي أنفار وأستاذ إلهي ونهال تجدد وغيرهم ممن اهتموا أو استفادوا من دروس الرومي، فنقلت موماد شهادة الشيخ خالد بنتونس شيخ الطريقة العلاوية في حق إيفا دوفيتري ميروفيتش عن الندوة التي أقيمت في قونية للحديث عن إيفا إلى اللغة العربية، وعرّفتنا موماد كيف دخلت إيفا ميروفيتش إلى عالم العشق المولوي. فعبر ترجمتها لكتب محمد إقبال من الفارسية والإنجليزية إلى الفرنسية، "قابلت" ميروفيتش الرومي وفُتحت لها وبها أبواب العشق والمعرفة على مصراعيها فقد قدمت إلى قرائها في الغرب مفاتيح عدة لولوج بوابة الإسلام.

تقول إيفا ميروفيتش: "لقد كرّست كل حياتي للشاعر الصوفي الكبير مولانا جلال الدين الرومي، لأني وجدت أن رسالته تخاطب الوقت الراهن. إنها رسالة حب، ذات بعد أخوي".

يكتب خالد عبده كذلك عن ميروفيتش: "سيدةٌ وقورة ترتدي زي السيدات العجائز في رحلة الحجّ لا تظهر ملامحها الأوروبية ولا شيء يميّزها عن بقية النساء التي تجلس بجوارهن، لكن بمجرد الحديث معها تجد أنك إمام امرأة مثقفة من الطراز الرفيع، ومريدة تحيا جمال التصوف والروحانيات بأسلوب فريد، تنتقل من قارة إلى قارة كي تتعرّف على ملامح الإسلام عبر رجاله قديمًا وحديثًا، وتناقش أعلام المستشرقين الكبار كماسينيون، وتنعقد بينها وعلماء الإسلام كمحمد حميد الله أواصر صداقة وطيدة ويجمعهما العمل العلمي والاجتماعي، لماذا لا تُذكر كثيرًا في المصادر العربية؟ ربما يكون ذلك عائدًا إلى قلّة الترجمات عنها ونستطيع أن نفهمه بسهولة، لكننا نندهش حينما نعلم أن الدراسات الصوفية الحديثة لا تلقي بالًا لمجهودها الجبار في نقل التصوف الفارسي إلى اللغة الفرنسية، وتسلّط الأضواء على جهود حديثة هي في أساسها لم يكن من الممكن أن تخرج لولا جهود إيفا!".

كيف تعرفت إيفا على عالم الرومي؟
في عام 1970 سافرت إيفا من باريس إلى مصر، وهناك درّست في جامعتي الأزهر وعين شمس. وحول اعتناقها الإسلام، تقول: "تعرّفتُ على الدّين الإسلامي بطريقة أكاديمية في بادئ الأمر، ودرستُ مؤلفات الشاعر الباكستاني إقبال دراسة عميقة. ودرست ما يتخلل شريعة الإسلام والسُّنة من أمور مبهمة على الفهم العادي، لكي أتعرّف على حقيقته، فقرأت للفيلسوف الغزّالي مثلًا وغيره كثيرين. واكتشفتُ أن الإسلام دينٌ حيّ. وقد كنتُ محبّة دومًا لتعريف البيضاوي وتفسيره للإيمان إذ يرى أن الإيمان يقتضي باختصار وتركيز (أن يتقبّل الإنسانُ الشيء على أنه حقيقي مع سلامة القلب والعقل). وقد رأيتُ أن الإسلام وحده هو الكفيل بأن يحقق لي هذا الإيمان".

حصلت إيفا على دكتوراه الدولة في الفلسفة، كما درست العلوم الإسلامية واللغة الفارسية لتنشر كتابها (التصوف والشعر في الإسلام) وخاصة عن الرومي والدراويش المولوية. تخصصت إيفا في الفلسفة الإسلامية، ولا سيما أدبيات التصوف الفارسي، وكانت دائمة البحث عن المخطوطات فقامت بدرسها وتلخيصها ونقلها إلى القارئ الأوروبي في لغة مبسّطة ومفهومة.

كانت إيفا تحلم بأن تعرّف الشعب الفرنسي وجميع الدول الناطقة بالفرنسية بالرسالة الجمالية للإسلام، وقد تمكنت من تحقيق حلمها عندما ترجمت أغلب أعمال جلال الدين الرومي.

يقول عبده إن إيفا قد ولجت إلى عالم الرومي عن طريق الشاعر الهندي محمد إقبال القائل: "صيّر الرومي طيني جوهرا …. من غباري شاد كونًا آخرا". فقد قرأت ميروفيتش كتاب إقبال، "إعادة بناء الفكر الديني للإسلام" فوجدت فيه الكتاب إجابات للعديد من أسئلتها عن ديانتها، فهي كانت مسيحية الولادة والنشأة. فالكتاب يحاور بعض الفلاسفة الغربيين، ويدعو المسلمين إلى إعادة النظر في منظومة الإسلام من دون تشكيل أية قطيعة مع الماضي. من هنا أقبلت على مؤلفات إقبال وقدّمتها للقارئ الغربي، ونقلت القسط الأكبر من أفكار إقبال الفلسفية إلى الفرنسية، وقسطًا وافرًا من أشعاره. لكن إقبال قد لفت انتباه إيفا ميروفيتش إلى الروميّ، فظهرت دراستها عن (الرومي والتصوف) عام 1977 بعد ما نالت درجة الدكتوراه في عام 1968 عن (التصوف والشعر في الإسلام).

في آخر محاضرة ألقتها في قونية، حيث مرقد الرومي، في 26 مايو أيار 1998، صرّحت إيفا للحضور قائلة: «أودُّ أن أدفن بقونية كي أبقى تحت ظلال بركات مولانا إلى يوم الحساب» وكانت هذه آخر رحلة إلى تركيا. رحلت إيفا في 24 من تموز يوليو عن عمر 89 عاماً ودُفنت في مقبرة قرب من باريس. لكن بعض أصدقائها الأتراك ساهموا في نقل جثمانها إلى قونية في 17 من ديسمبر كانون الأول 2008 في (احتفالية يوم العُرس) ذكرى رحيل الرومي.
Share/Save/Bookmark