"أنبياء البدو".. عن الحراك الثقافي والسياسي العربي قبل الإسلام

تنا-بيروت
وتكمن أهمية الكتاب في كونه يبحث في شأن النبوة ومعانيها عند العرب قبل الإسلام، كما يحاول من خلال اعتماد ثلاثة أسماء من التاريخ الجاهلي للدراسة، أن يبرز تطور الفكر السياسي والعقائدي في الجزيرة العريبة ما قبل الإسلام.
تاریخ النشر : الخميس ۸ فبراير ۲۰۱۸ الساعة ۱۴:۵۵
كود الموضوع: 310888
 
مؤلف الكتاب هو الكاتب والباحث التونسي الدكتور محمد سعيد. وتكمن أهمية الكتاب في كونه يبحث في تطور الفكر السياسي والعقائدي في الجزيرة العريبة ما قبل الإسلام، وذلك من خارج المفهوم الإسلامي، الذي يحاول أن يصنف العرب في الجزيرة ما قبل الإسلام على أنهم أجحاف ينقصهم الفكر الفلسفي والإنساني والسياسي، ولا يتقنون سوى الحرب والأكل وقرض الشعر. ويرى الكاتب أن أصحاب المفهوم الإسلامي يحاولون تحويل التاريخ العربي الى تاريخ متجانس لا زمان له ولا مكان، إذ مورس التعتيم بحق التاريخ في العصر الجاهلي، ولا بد من إعادة قراءته والتحقيق فيه.

يقدم سعيد في كتابه ثلاثة أبحاث عن ثلاث شخصيات عاشت في الفترة ما قبل الإسلام، كان الدافع من ورائها، أولاً، محاولة الكشف عن الحراك السياسي والثقافي الذي حدث في التاريخ "الجاهلي". وثانياً، الإهتمام بدراسة الوقائع بشكلها الملموس، ومن خلال التقديم للمصادر المستعملة والتي يتم تناولها من وجهة نظر تقنية، بغية تبيان ما تحتويه من مادة متصلة بالموضوع المدروس. فالتاريخ هو واقع إنساني من الصعب دراسته من دون أن تهيأ له الأدوات النظرية. وأما الدافع الثالث للدراسة فهو يتولد من شعور الكاتب بأن طرق تناول التاريخ في العالم لم تترسخ ولم تنتشر حتى اليوم في الثقافة التاريخية العربية إلا بصعوبة.

ولذا يبدأ سعيد باستعراض أهمية البحث العلمي وانتهاج المنهج التاريخي يمكن من دراسة إذا ما كانت المعطيات في الأساس هي معطيات صحيحة أم لا. أي يعمل على التحقيق فيما إذا كانت المعطيات في مجالها التاريخي ومن ثم تحديدها ضمن إطارها التاريخي وصولاً الى الكشف عن تطورها في مرحلة من المراحل. وأخيراً، التمسك بالكتلة التاريخية، أي بمعنى استحضار المجتمع التاريخي الذي تتم فيه دراسة الشخصيات في شكل مترابط ينتمي الى دائرة مكانية وزمانية محددة.

والعمليات التي ذكرت لإتمام الدراسة هي عمليات متضافرة مع بعضها البعض بحيث لا يمكن فصلها لا عند التفكير ولا عند الإنجاز ولا عند بلورة النتائج. كما يدعو الكاتب الى استخدام المنهج العلمي الذي ذهبت إليه الثقافة الأوروبية الحديثة منذ القرن التاسع عشر، حيث شمل فضولهم العلمي كل الدوائر الثقافية ابتداء من الدائرة الأوروبية وصولاً إلى الثقافات "الحية" ومنها الحضارة الإسلامية.

إن الكاتب، الذي يعرض كتابه ضمن فصول أربع يناقش في أولها مشكلات التاريخ "الجاهلي"، يضع تسمية الجاهلي ما بين معترضتين دائماً. وفي الفصول الثلاث الأخرى يناقش ثلاث حالات من خلال دراسة شخصيتها ووجودها في التاريخ ما قبل الإسلام، والتي بمجملها تقدم للواقع السياسي والعقائدي في داخل المجتمع العربي ما قبل الإسلام. وليس كما قُدم المجتمع ما قبل الإسلام من خلال الإخبار وكمية الإخبار عن النَسب وكأن المجتمع في الجاهلية يكاد يبدو وكأنه عبارة عن عناصر بشرية تنحصر حياتها في التصاهر والتوالد، ولا تاريخ لها سوى الحرب والغارة، ولا ثقافة لها سوى قول الشعر. وهذا الشكل للمجتمع الجاهلي "غير مريح" للإدراك التاريخي.

كما يعرض سعيد مشكلات دراسة التاريخ السياسي والإجتماعي للعصر ما قبل الإسلام وتتجسد هذ الصعوبات من خلال نقاط من أهمها ضعف المادة التاريخية وعدم كفايتها، وذلك بسبب تداخل الخرافة مع الأحداث التاريخية والتي تم نقلها عبر التواتر، وبالتالي الفصل الزمني الكبير والذي يتجاوز المئتي عام ما بين الحادثة والراوي، وبالتالي ما بين ما هو ثقافة شعبية وما هو أحداث تاريخية. كما أن هناك نوعاً من التمركز حول القرآن والإسلام واعتبار أن الإسلام لحظة تاريخية تم إلغاء ما قبلها وكأنه يجري طي صفحة ما جاء قبلها.

كانت هناك محاولات في العصر الأموي من أجل حفظ هذا التاريخ وبالتالي إعادة تدوينه. حيث استدعى كل من معاوية ويزيد ومروان بن الحكم رموز القبائل العربية وقاموا بتدوين ما قالوه من روايات وأحداث، وكان أهم ما سجّلوه هو علم الأنساب لمعرفتهم بأهميته بالنسبة للعرب. أي أن المرحلة الأموية كانت تعتبر مرحلة انخراط تراث "الجاهلية في دائرة الثقافة" وانحراطها مع التراث الإسلامي الحديث. في حين شهدت الدائرة العباسية مرحلة حيوية في التدوين، وتحمل العبء الأكبر من الأبحاث الثقافية. وتمت في هذه المرحلة عملية جمع وتوثيق التراث الجاهلي بسبب الخوف عليه من الضياع في خضم الثقافات التي دخلت المرحلة العباسية، والتي جعلت ثقافتها فوق إسلامية، واختلطت بها ثقافة الشعوب الأخرى التي دخلت الإسلام. ويوضح الكاتب أنه للأسف ضاع معظم هذه المصادر ولم يصل إلينا. فعلى سبيل المثال هناك أكثر من مئة وأربعين عنواناً ينسب الى الكاتب ابن الكلبي لم يصل منها سوى ثلاثة عناوين.

كما ينبّه سعيد الى أن التحول الى الإسلام كان من نتائجه انطلاق شحنة كبيرة من "القوة الإجتماعية التاريخية"، التي كانت لها نتائج كبيرة وصلت آثارها الى المستوى العالمي ولا تزال ماثلة الى اليوم، وهذا ما يستدعي في رأي الكاتب أن يكون الشيء الطبيعي هو الذهاب نحو جذور هذه الشحنات التاريخية وأسبابها. ولذلك، من الطبيعي أن يتجه البحث باتجاه المجتمع الذي نشأت فيه وانطلقت منه. ولم يكن المنطلق مكة والمدينة فقط بل يشمل الفضاء الثقافي العربي، أي كل بلاد العرب. وبدلاً من القطيعة مع التاريخ ما قبل الإسلام، يدعو الكاتب الى البحث والكشف عن الإمتدادات المعقدة للفصل الإنساني.

وما يجب إدراكه، ودائماً بحسب سعيد، أن للترحال إفرازات أخلاقية وسلوكية أكثر أهمية وشمولاً وأثراً، منها مثلاً الإستعداد الفطري الكبير للإختلاط والتواصل. وهذا ما كان يمثل المنطلق المادي الملموس للأخلاق العربية ومنها الكرم. وحتى أن الترحال ولّد واقعاً يبارك باستقبال العناصر الغريبة ويباركها ويتبناها وحتى أنه يلحقها بالقبيلة. كما ولد المصاهرات ما بين القبائل، والذي أدى الى حفظ النسب، حيث كانت المصاهرات منطلقاً لإرتباطات اقتصادية وسياسية مؤثرة.

 

 

التجارب السياسية العربية قبل الإسلام
كما يشير الكاتب الى أن التجارب السياسية العربية هي أعمق وقد تجاوزت البنى القبلية. فالتجارب السياسية العربية، لم تكن امتداداً للتنظيم القبلي والدليل هو الكيانات السياسية في اليمن سواء القديم أم المتأخر، ولم تبنَّ بناء على وحدة الدم بل بناء على وحدات ترابية (بمعناها الجغرافي) وكذلك بناء على وحدات اقتصادية. وكذلك الأمر بالنسبة لإمارات المناذرة والغساسنة، والتفاعل الذي ظهر ما بين مكة وبيزنطة. أي أن ما وصل من التاريخ لم يكن سوى صورة باهتة، والدليل أنه كان هناك احتكاك ما بين الإمارات العربية وما بين بيزنطة والفرس. حتى أن اتجاه جيش الفتح نحو العراق لم يولد قراره ضمن الدائرة الإسلامية الحديثة بل كان نتيجة لفكرة ولدت في قبيلة بكر بن شيبان وزعيمها المثنى بن الحارثة في أقصى شرق الجزيرة والذي أخذ به عمر بن الخطاب.

وحتى المعتقدات التي سادت ما بين العرب لم تكن واحدة. بل كان هناك وثنيون ومسيحيون ونصارى ويهود. وبذلك فقد كان هناك تنوع في المعتقدات العربية، أي أن مفهوم التوحيد والدنيا والأخرة وما الى ذلك من مفاهيم جاء بها الإسلام (كثورة) كانت مفاهيم ومصطلحات يعرفها العرب. كما لا يمكن إهمال دور التوحيديين العرب ما قبل الإسلام، والذين رسخوا في الذاكرة، والذين لا يمكن تجاهلهم. وهي لا يمكن أن تكون مفاهيم منفصلة أو غير متبادلة ما بين بلاد العرب التي كانت تتواصل مع بعضها البعض بشكل دائم. ولكي يثبت الباحث محمد سعيد نظريته في الحراك الثقافي والسياسي للعرب قبل الإسلام، فقد اختار نماذج ثلاثة لتكون جوهر الدراسة التي يقدمها لنا والتي تتميز بطرحها الحراك السياسي والثقافي العربي ما قبل الإسلام، وكما يعلق بيار غيشار أنها جاءت "من خلال استنطاق النصوص المتبقية من المصادر المعتمدة من الرواية التاريخية العربية". والشخصيات هم خالد بن سنان العبسي، وقس بن ساعدة الأيادي، ورئاب بن البراء الشني.

والفصول الأخرى نماذج اختارها سعيد للتأكيد على الحراك السياسي الثقافي.

ومن خلال دراسة الشخصيات وأهميتها ودراسة الكتب التي ذكرت الشخصيات والتي لم تذكرها، يقوم سعيد بتحديد وجود هذه الشخصيات من خلال التحقق من وجودها في الوسط العشائري والقبلي والعائلي. كما يحدد تاريخ وجود هذه الشخصيات والجغرافيا التي وجدت ضمن نطاقها. ثم يتحدث عن إبداعها الفكري وأتباع فكرها. ويؤكد بالرغم من أن البعض قد أغفل عن ذكر سيرتهم، غير أن هناك الكثير من المعطيات حولهم، والتي لا يمكن إهمالها.

في دراسة الحالات الثلاث سنرى أن سعيد يعتمد المنهج التاريخي في الدراسة. وذلك من خلال تعدد المصادر حول الشخصيات، والثاني من خلال المنهج الذي يعتمد على النقد والقياس التاريخي، أي أن الأدب التاريخي، برغم وظائفه الأصلية، احتفظ ببعض الأخبار التي تحال على حوادث تاريخية. لذا يزيل الكاتب الطبيعة الخرافية للرواية ويركز على الجوهر من أجل دراستها، في كل شخصية من الشخصيات. ومن ثم بعد كل الفصول التي تتناول كلٍ من الشخصيات الثلاث يرفق ملحقاً بالكتب التاريخية القديمة التي تأتي على ذكر كل منها.

خالد بن سنان العبسي
الشخصية الأولى هي خالد بن سنان العبسي، وهو من قبيلة عبس ومن بني مخزوم. وتتقاطع أخباره مع السيرة المحمدية. يتمحور الإخبار عن خالد بن سنان حول معطى مركزي يتمثل بأنه من أنبياء الفترة ما بين رسالة محمد(ص) ونبوة عيسى(ع). يعود نسبه الى النبي إسماعيل(ع)، وهو النبي الوحيد من نسل إسماعيل الذي سبق الرسول محمد(ص).

ويحدث المسعودي فيقول: "جماعة من أهل التوحيد وممن يقر بالبعث، وقد اختلف الناس فيهم. فمن الناس من رأى أنهم من الأنبياء ومنهم من رأى غير ذلك." ويقال إن خالداً هو آخر هؤلاء الأنبياء ما قبل الإسلام. ولذا فإنه من الطبيعي أن تنسب إليه بعض المعجزات ومنها إطفاء "نار الحدثان" أو كما ذكرت بـ"نار حرتان".

يحقق الكاتب في هاتين التسميتين ومصدرهما ليصل الى نتيجة مفادها بأن خالد بن سنان قد أطفأ النار فعلاً، كما تنسب إليه معجزات أخرى. كما أن لخالداً ابنة اسمها "المحياة" وقد التقت بالرسول محمد(ص)، وقال لها: "مرحباً ببنت أخي، أبوك نبي ضيعه قومه".

وأما خلاصة الكاتب حول خالد بن سنان هنا، فهي أن الشهرة التي اكتسبها في دائرة الأدب التاريخي بمختلف اتجاهاته كانت بتأثير كلام النبي عنه بأنه "نبي ضيعه أهله" أمام جماعة من القيسيين جاؤوا ليبايعوه في المدينة.

أما في مستوى الحقيقة التاريخية، فيبدو أن خالداً بن سنان كان قديساً عربياً تقليدياً، معترفاً له في محيطه القريب ببعض البركات. ومع هذا لا يبدو أن خالداً مجرد زاهد تقليدي، بل كان مجدداً وذلك من خلال مزجه ما بين رمزية العلم القديم وبين أشكال التوحيد التي كانت رائجة في زمانه. لم يرتبط لا بالمسيحية ولا باليهودية. وما يعكسه الكلام عنه أنه كان هناك اعتقاد ضبابي بين الأوساط العربية يقول بوجود إله واحد قادر. ورغم محدودية وزن خالد بن سنان الفردي ومحدودية أثره يبقى عمله معبّراً عن روحية المرحلة، والتي تجلّت بمقاومة المعتقدات الدخيلة على الوسط العربي مثل المجوسية. ويبدو أنه بعد أن تفككت عبس بسبب مقتل أشرافها، حاول خالد خلق زعامة لا تستمد شرعيتها من الحرب والغارة بقدر ما تستمدها من المعتقد والسياسة.

قس بن ساعدة الأيادي
الشخصية الثانية التي يتحدث عنها سعيد هي قس بن ساعدة الأيادي، والذي يينتمي الى قبيلة أياد. القرن الثالث الميلادي هو أقدم تاريخ تعود إليه أياد. يتحدث الكاتب عن صورة قس بن ساعدة المشرقة في التراث العربي ويعتبره رمزاً ودليلاً على بلاغة العرب القدامى. ويعرف الرسول محمد(ص) قساً، وقد سمعه وهو يخطب في سوق عكاظ. وقد ضرب كبار الشعراء المثل به. وبحسب سعيد، لا يمكن أن ينظر إلى شخص كهذا في حدود الخطاب، ويتجاوز حدود العمل لديه على الظاهر والمباشر، أي العمل العسكري أو السياسي، بل يتجاوز ذلك ليشمل الحراك الفكري والفني والثقافي عامة، وهذا مؤشر على الحراك الذهني وعلى تحولات في المجتمع.

المبرر الثاني لتناول قس بن ساعدة هو أنه لم يكن فيلسوفاً هامشياً، أو شاعراً عديم الإكتراث بمحيطه. بل على العكس، الرجل بل يبدو أنه ملتزم ويحمل الكثير من الهم الإجتماعي. أخذ نشاط قس شكل الدعوة والتبليغ الصريح لمجتمعه بوجوب الوعي والتغيير. ولذا فقد كان في مواسم التجارة يمتطي راحلته ويخطب بالناس. ويجد سعيد أن انحسار صورة قس إلى حدود البلاغة والبيان يعود إلى تقليل النصوص العربية الإسلامية شأن كل منحى سياسي أو معتقدي في مرحلة ما قبل الإسلام. ولهذا معطيات ونتائج أثرت في تقدير مستوى الوعي العربي ما قبل الإسلام.

أما المبرر الثالث، يتعلق باعتناق قس الدين المسيحي وبعلاقته بالقيصر، إذ كان تاجراً وشخصيته تشبه شخصية هاشم بن عبد مناف. كان يلقب بقس نجران، حيث بنى قبراً يشبه الكعبة لولديه في نجران، اللذين قُتلا صغاراً، الأمر الذي جعله متعبداً متأملاً في قضايا الموت والحياة.

رئاب بن براء الشني
الشخصية الثالثة التي اختارها الكاتب، هي رئاب بن براء الشني. وهي شخصية لم تتقاطع ما بين التاريخ الإسلامي والتاريخ الجاهلي. وتجمع المصادر على أنه من أنبياء تلك الفترة. يقول عنه ابن الكلبي:" رئاب بن زيد.. تزعم عبد القيس بأنه كان نبياً، وكان يقول الحمد لله الذي رفع السماء بغير منار، وشق الأرض بغير محفار". كما يرد في بعض المصادر المتقدم منها والمتأخر، والتي لا تتناقض في مضامينها حول أن رئاب كان نبياً موحداً قبل الإسلام.

والأمر الثاني الذي تثبته المصادر هو شرف رئاب وقبيلته عبد القيس واعترافها له بالنبوة. وهذا ما يؤكد عليه ابن الكلبي. ومواطن عبد القيس تقع في شرقي الجزيرة العربية والتي تمددت باتجاه عُمان والبحرين.

وقد جاء وفد من البحرين ليبايع الرسول محمد(ص) في المدينة وفيه حضور كبير لبني شن الذين ينتمي إليهم رئاب. نبوءة رئاب عُرفت وسط قبيلة مراد، وهي قبيلة يمنية عريقة. والمعروف أن القبائل اليمنية كانت الأسبق في التلازم ما بين القيادة الروحية والقيادة السياسية مقارنة بقبائل الجزيرة العربية الوسطى والشمالية.

نبوءة رئاب تبلورت من خلال تجربة تاريخية تمثلت بمحاولة قبيلة مراد، التي ينتمي إليها رئاب، تنمية تجارتها مع الفرس وشق طريقها إلى التجارة الدولية. أي أن رئاب ينتمي إلى قبيلة لها طموح في قيادة مراد الى الإقتصاد التجاري ولعب دور الوسيط ما بين التجارة اليمنية والتجارة الفارسية عبر الخليج خارج نطاق الإقتصاد المعاشي والإغارة.

ليس هناك أي تقاطع ما بين السيرة النبوية وما بين رئاب بن البراء الشني، وذلك لأن قبيلة مراد كانت بعيدة عن يثرب وكانت منشغلة بأسباب بقائها في اليمن، في حين تقاطعت الشخصيتان الأخرييان مع السيرة النبوية، لكن ذلك لا ينفي وجود الثالثة، بل وجودها مؤكد، ونبوة رئاب تؤكدها المصادر التاريخية، بحسب الكاتب.

بناء عليه، يقدم الكتاب الأسلوب العلمي الذي يجب اتباعه في نقد ودراسة التاريخ العربي ما قبل الإسلام، والذي يثبت أن شعباً وصل إلى مرحلة من الثقافة والإنسانية كي ينظم محفلاً أدبياً وشعرياً مثل سوق عكاظ، وأن يبلغ غاية من الرقي بحيث يكرس أربعة أشهر من السنة يمنع فيها الصيد كي تتكاثر الحيوانات فيها في البادية، ويمنع فيها الحرب والغزو، لا بد أن يكون شعباً قد قطع مراحل في الثقافة والعقيدة والسياسة. وحتى أن إيلاف قريش، الذي قاده هاشم بن عبد مناف القريشي، لهو دليل على تنامي العلاقات التجارية والثقافية في منطقة الجزيرة العربية بأكملها.
Share/Save/Bookmark