موسم الهجرة إلى الصحراء

تنا-بيروت
حين تخلع نعليك وتدخل إلى حرم مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، ومهما تسلحت بالقوة، فإنك لا تلبث أن تسقط أسيرًا لصاحب المشهد الأشهر والأهم بالقاهرة، فور ولوج غرفة الضريح، وما تحيط بها من هالات الرضا النوراني.
تاریخ النشر : الخميس ۴ يناير ۲۰۱۸ الساعة ۱۳:۰۱
كود الموضوع: 303375
 
بين أرواح تهفو إلى وصال مع السماء، تتبرك بصاحب المقام، وتطلب منه المدد، وعيون مشدوهة، ونظرات حنينية باكية، تسترجع قصة انتصار وعبور -ولو عبر الموت، وعشرات من المصريين يدخلون في صلاة روحانية، ركعًا سجدًا تحت قبة خضراء تزينت باسم الإمام الثائر.

ولمسجد الحسين في مصر قصص كثيرة، منها ما يجزم بوجود الرأس الشريف للإمام –ع- في مشهده بالقاهرة، ومنها من يُنكر ذلك، ما سبق لا يهم المصري العادي، الذي يعتبر المسجد، الذي يحوي ضمن مقتنياته بعض الآثار النبوية الشريفة، ومصحفًا منسوبًا للخليفة الراشد الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قِبلة لهم في المناسبات الدينية، وخاصة مع اقتراب إحياء مولده.

المسجد والمقام ملتقى أفئدة أهل مصر، منذ إنشائه على يد الخليفة الفاطمي، الفائز بنصر الله سنة 1154م، ليدفن فيه رأس الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، بعد نقله من عسقلان بفلسطين إلى القاهرة، خوفًا عليها من الحملات الصليبية، كما يروي المقريزي.

ويؤكد المؤرخ الدكتور أيمن فؤاد سيد، أستاذ الدراسات الفاطمية في جامعة القاهرة، في كتابه "الدولة الفاطمية في مصر"، وجود الرأس الشريف في المسجد بالقاهرة، قائلًا: "إنه استنادًا إلى منهج البحث العلمي فأهم مشهد أضافه الفاطميون إلى الطبوغرافية الدينية للقاهرة هو المشهد الحسيني، حيث نقل الفاطميون في سنة 548 -ه- رأس الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي كان مدفونًا في عسقلان خوفا عليه من الإفرنج".

ومنذ ذلك التاريخ، الذي يقترب من 1000 عام، نادرًا ما مر حاكم بمصر دون أن يترك أثرا على المسجد، الذي يعد أهم مساجد مصر قاطبة، ويتفوق على الجامع الأزهر، كون المسجد غير مرتبط بأدوار أخرى قد يتفق معها البعض أو يختلف.
وفي المسجد منبر ضخم من الخشب، قام عبدالسلام عارف، الرئيس العراقي الأسبق، في إحدى زياراته لمصر عام 1964 بالتبرع، بعد استئذان الرئيس جمال عبدالناصر، ببنائه للمسجد، ليليق بصاحب المقام، ولا تزال اللوحة التي تحمل اسم الرئيس العراقي قائمة، يراها كل داخل إلى الضريح الشريف.

ويروي المنبر قصة دور مصري مركزي، تمكن من حشد قوى العرب، ومنها الدينية، لصالح وحدة تتجاوز السياسة، وتقويها، وتستعين بطبيعة الشعب المصري، الذي عبر بصوفيته الخلاف الإسلامي التقليدي بين السنة والشيعة، متسلحًا في ذلك كله بحب صاف لآل البيت.

وكما للمسجد وصاحبه الإمام من أنوار تشمل أهل مصر، تحفظهم وتصلهم بالسماء، وهو جلّ ما يبحث عنه زوار المقام، الذين يستصرخون الإمام بالمدد، ويطلبون العون، إلا أن حشرات التاريخ، من أحفاد يزيد لا يفوتون فرصة إلا وعبروا عن كراهيتهم لآل البيت، وللإمام الثائر على وجه الخصوص.

مسجد الإمام الحسين يتفرد بدور شعبي في الحياة المصرية المعاصرة، ويسمو بارتباط الناس، كعبة تتحلق حولها قلوب المكروبين، كما مسجد السيدة زينب بقلب القاهرة، -السيدة زينب بنت علي- التي يسميها الناس "أم العواجز"، ويلقون على أعتابها الشريفة بهمومهم، سعيًا للخلاص في الحضرة النبوية.

الوهابيون في مصر يودون لو هدموا مسجد "الحسين"، ليست مبالغة، لكنها ما تخفيه أفئدتهم، وما خرج على لسان أحد أقطاب الدعوة السلفية في مصر، منذ أشهر قليلة، في ذكرى عاشوراء الماضية، سامح عبد الحميد حمودة، القيادي السابق بحزب النور السلفي، الذي دعا لهدم المسجد، تجنبًا لـ"تشيع المصريين".

الدولة من جانبها لا تألو جهدًا في استرضاء السلفيين، بغلق المسجد بين الحين والآخر، خصوصًا في المناسبات الدينية، ومنذ انقلاب السادات المأسوي على مصر ذاتها، ضمن طريق طويل قطعه في استنزاف مصر داخليًا، وضمان تبعيتها للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، سمح بنشر الوهابية في مصر تحت لافتة جديدة "السلفية"، إذ كان الأزهر قد قطع شوطًا هائلًا في حربه على الوهابية بمصر سابقًا.

الجديد في دور الدولة المصرية الآن، هو نزوع إلى الهرب من القاهرة، التي تتجاوز دور العاصمة التقليدية، إلى كونها "مخزن الوعي والثقافة" للمصريين، لصالح مساحة صحراوية، فقيرة من حيث ارتباطها الوجداني بالناس، حتى أن الشركة القائمة عليها –شركة العاصمة الإدارية الجديدة- لم تعثر للمدينة على اسم حتى اللحظة.

الهروب يشمل بناء مسجد ضخم، يراد له أن يكون الأكبر في العالم الإسلامي بعد الحرمين الشريفين، وبقبة هي الأكبر على الإطلاق، ويبتعد عن الأسماء البشرية، كما تفضلها العقيدة الوهابية، ليحمل لافتة "الفتاح العليم"، مرتبطًا بالمنشئ في الوقت ذاته.

فلسفة بناء المساجد الضخمة، التي تؤدي دورًا منافسًا لدور الأفراح ليست جديدة على الذهنية المصرية الحاكمة.

فهناك في الصحراء، بالقرب من منطقة التجمع الخامس، يقبع معزولًا مسجد المشير، الذي بدأ مسجًدا، وتحول مع المساحة الشاسعة، وبفعل ابتعاده عن ما يفترض به دورًا للمسجد إلى قاعات لـ"عقد القران"، ومصلى على جثث الشهداء، أو مكان خاص بالتصوير الرئاسي خلال المناسبات.

 وكما في مسير مصر –النظام- وراء مملكة آل سعود إقليميًا، تمضي الدولة وراء تيه في صحراء، محرومة من هويتها، ومخاصمة لناسها، باحثة عن دور سرابي، لا تسنده حقائق على الأرض أو في السماء.

المنطق يقول إن دولة ما لن تحقق خطوة واحدة في الاتجاه السليم من خلال سحقها لإيمان شعبها وفطرتهم، أو من خلال طمس تاريخ، أو توديع أماني أهلها.
Share/Save/Bookmark