أسس التطرف الديني في الأديان الإبراهيمية

تنا-بيروت
عرض كتاب "الأسس الدينية للأصولية في الأديان الإبراهيمية"، للأستاذَين د. فكري جواد عبد وعبد الأمير كاظم زاهد؛ مروحةً من صنوف الاتّجاهات "الأصولية" (بمعناها العُـنفيّ الإلغائيّ) للحركات الآيديولوجية المعطوفة عـلى "الديانات الإبراهيمية" (اليهودية المسيحية والإسلام)، وحيثيّاتِ تبلورِها ومسار فكرها ونشاطها العَمَلِيّ. ويشدّد مؤلِّفا الكتاب على أنّ "الأصوليّة" المتعصّبة، بوصفها آيديولوجيا فاعـلة، اتَّخذت، طوالَ التاريخ، ما تفْهمه من النصّ الديني، المبرِّرَ لها في تمكين برنامجِها لإحلال "الخلاص" الذي تـنشده للبشرية... أو للبيئة التي تنتمي هي إليها.
تاریخ النشر : الاثنين ۲۵ ديسمبر ۲۰۱۷ الساعة ۱۵:۴۳
كود الموضوع: 301454
 
يمثّل الأورثوذكس، أو "الحريديون"، الأصوليّةَ اليهودية. وجاءت تسميتهم من مفردة باللغة العِبرية تعني التقوى وخشية الرب. هم يعتنقون فلسفة دينية تقوم على فكرة انتظار المسيح الذي سيقيم مملكتهم من جديد. ويتّصفون غالبًا بالتعالي على غيرهم، حتى من اليهود. وكذلك يزدرُون معتـنقي الديانات الأخرى، فهم في نظر الحريديين، من الأنجاس المحظورة مخالطتهم.

تشكل هذه الحركة امتدادًا للحركات المتشددة التي ظهرت أثناء حكم المكابيّين في فلسطين؛ وتعتنق المعتقـدات اللاهوتية التوراتية نفسَها. إن الحريديّين يعدّون أنفسهم حفظة شرائع التوراة والتلمود وحرّاسها، من تأثيرات الأغيار، ويميل أتباع هذه الطائفة إلى العنف والعدوانية في ممارساتهم السياسية والدينية، لا سـيّما أنّهم أصحاب ثقل سياسي وديني.

ويعزو بعض المفكّرين ميلَ هذه الجماعة إلى السلوك المتطرّف، إلى كونها قد نشأت في دول الشتات، في أوروبا الشرقية، في ظروف قاسية انعكست سلبًا على المجتمعات اليهودية فيها. ورغم تمتّع هذه الجماعة بمكانة طيّبة داخل المجتمع اليهودي، فإنها كانت محلَّ رفض مِن قِبل بعض التيارات اليهودية التي تنادي بالإصلاح؛ ودارت بين الطرفَين مجابهات عنيفة، بفعل التناقض الفكريّ بين الطرفَين، ولاعتقاد الحريديّين بأن التيارات الإصلاحية سوف تؤدي إلى انهيار اليهودية واضمحلالها. بينما يعتقد الطرف الآخر بأن هذه الجماعة الأصولية هي بمثابة "دخيل" على المجتمع اليهودي، وفكرة نامية للانقسام، ستؤدي إلى تفكّك ذلك المجتمع في وقت قريب، أو لانزوائه في ظلمات بعيدًا عن التطور والتقدّم.
يسعى الحريديّون إلى إجراء تحليل لاهوتيّ لنصوص التوراة، وتفسيراتِ التلمود في ممارستهم لفلسفتهم السياسية؛ ويؤمنون بأن التمتّع بالحقوق المدنية هو كفرٌ وخروج عن الشريعة التي حدّدت حقوق والتزامات اليهودي.

وقد تفرّع عن هذه الطائفة الأصولية المتطرّفة، طائفة أخرى، هي الأصولية المعاصرة. والأصولية المعاصرة لا تختلف عن الأصولية الأورثوذكسية في جوهر الديانة وطريقة الحياة والالتزام بقواعـد الطهارة والشرائع الدينية؛ إلّا أنّ ما يميّز أتباع الأصولية اليهودية المعاصرة أنهم يختطّون لأنفسهم طريقًا وسطًا في التعامل مع الممارسات الدينية والمعاملات اليومية، ويسعون لعدم التوسّع في مزج المعتـقدات الدينية بالنصوص والشخصيات المقدّسة.

أما الاختلاف الجوهريّ، بين الأصل والفرع، في الأصولية اليهودية؛ فيكمن في أن الأصوليّين الأورثوذكس يعتبرون الحاخام لا رجلَ دين فحسب، بل هو حاكم شرعي كذلك، لهذا يجب أن تكون له محكمة وله سلطة الحُكم في الأمور الدينية والدنيوية، انطلاقًا من المبدأ الأصولي القائل بأن الزعامة الحقيقية هي دينية تسعى لتنفيذ مشيئة الرّبّ.

وقد اختلف الأصوليون المحدِثون عن الأورثوذكس، في رفض المحدِثين الاعترافَ بأن التوراة متمثّـلة بأسفار موسى الخمسة (التكوين، والخروج، واللاويين، والعدد، والتثـنية)، التي تُعتـبَر كلمةَ الربّ من دون وسيط. بل هم يؤمنون بأن التوراة هي تعاليم وقوانين وشرائعُ وضعها الحاخامات اليهود، وأنّ التوراة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالشريعة الشفويّة (أي التلمود)، فهي إبداع إنساني، لا نتاجٌ إلهيٌّ صَرْفٌ؛ الأمر الذي يرفضه بشدة أتباع الأصولية الأورثوذكسية.

اليهودية الأصوليّة و"مخاطر" العلمانيّة والحاخامات الإصلاحيين
تأسّس الحزب الديني القوميّ في العام 1956 على يد زعيمه موشيه شابيرا الذي يعترف بالحركة الصهيونية بوصفها قائدًا للفكر السياسيّ لليهود، ويؤمن إيمانًا مطلقًا بالحق التاريخي لليهود في أرض فلسطين، بناء على وعـد إلهي ذُكِر غيرَ مرة في التوراة، وأن استيطان هذه الأرض يجب أن يكون محصورًا باليهود فحسب دون غيرهم؛ لأنها أرض مقدَّسة لشعب مقدَّس... وأن هذه الأرض يجب أن تخلو ممن هو غير يهودي. لذلك فهو يدعو إلى ترحيل "عَـرَب 1948" منها، ويرى أنّ بناء الدولة يجب أن يستند إلى ركائز دينية، من خلال تبنّي مبادئ الشريعة اليهودية بكل مصادرها، وأن يُعَادَ النظرُ في المنظومة التشريعية في إسرائيل، التي يجب أن تستـند إلى الشريعة الدينية دون غيرها.

وقد نشأ هذا الحزب الأصوليّ المتطرّف وترعـرع في أحضان الحركة الصهيونية "العلمانية". إن التربية اليهودية، بحسْب توجّه الحركة الصهيونية، يجب أن ترتكز على تعزيز الروح القومية لليهود، دون الخوض في المبادئ الدينية التي تغـذّي الشؤون الروحية. وقد أدرك اليهود المتـديّنون أنّ الحركة الصهيونية من الممكن أن تهمّش دورَهم وتُعلي من شأن منافسيهم من العلمانيين واليساريين داخلَها؛ لذا كان من أولويّاتهم إنشاءُ أحزاب دينيّة متشدّدة، تتخذ من التراث الكتابيّ لليهود (متمثّلًا بالعهد القديم والتلمود) أساسًا لمنهجها، وأن تستوعب أكبر عدد من الجمهور، حتى تعيدَ التوازن داخل الحركة الصهوينية، أو ترجّح كفّة الأحزاب والتيارات الدينية فيها. فنرى أنّ "حركة الشرقيّ" قد أعلنت في مؤتمرها التأسيسي، في عام 1902، في لتوانيا أنه: "لا يمكن لتوراة إسرائيل – وهي ’روح الأمة‘ – أن تسيطر في بلدان المهجر، ولا يمكن فيها أداءُ كل فرائض التوراة الطاهرة... لذا ينبغي توجيهُ قلوب اليهود إلى ’صهيون‘ والقدس... إنّ صهيون والتوراة شـيئان مقدَّسان يكمّل كل منها الآخر".
وكانت هذه الحركة السياسية الدينية، وغيرها من الحركات الأصولية، ترى أنّ وجود الشعب اليهودي يعتمد على محافظته على التوراة، والممارسات والشعائر الدينية، والعودة إلى أرض الآباء. كان الاتجاه الأصولي المتـشدّد داخل المنظومة الفكرية والسياسية عند اليهود، قبل إعلان قيام الدولة (في عام 1948) يتطلّع إلى الولوج في العقل اليهودي، واستخدام القضية الدينية من أجل تكوين أغلبية متـديّنة، تمهيدًا لقيام دولة دينية في فلسطين، يكون الحُكم فيها مبنيًّا على مبادئ التوراة.

وقد كان هذا الأمر يهدد الهيكل العلمانيّ للحركة الصهيونية، ولكننا نرى أنّ قادة المنظمة الصهيونيّة قد سمحوا لهذه التيارات بالدخول إلى المنظمة الصهيونية والنمو فيها. وكان هذا بهدف جذب اليهود من ذوي الميول الدينية للدخول في ميدان السياسة، لاستغلالهم في قضايا التـشبّث بمواقف متشدّدة حيال التوسّع والاستيطان، والحـدّ من مخاطر الحاخامات الإصلاحيين من اليهود، الذين دعوا إلى الاندماج داخل المجتمعات التي يعيشون فيها، في أوروبا وأميركا، وإنكارهم لفكرة أرض الميعاد الممنوحة من الله لليهود ووجوب العودة إليها.

وقد نشأ العديدُ من التوجّهات اليهودية المتشدّدة، من حركات وأحزاب مثل "العامل الشرقيّ"، و"الفتى الشرقيّ"، و"الشاب العامل الدينيّ"... كانت في مجملها تـتبنّى فكرةَ الحق التاريخي لليهود في فلسطين، ومفهومَ "أرض إسرائيل الكاملة" التي تتعزّز بالاستيطان الكامل فيها، وضرورةَ بناء الدولة والمجتمع بحسْب تعاليم الشريعة اليهودية، والحفاظَ على وحدة الشعب اليهودي وخصوصيتِه، وعـدمَ إعطاء أي فرصة للابتعاد عن التقاليد اليهودية أو الاندماج في المحيط الذي يعيشون فيه (إذا كان هذا المحيط غير يهودي).

وبحسْب هذه الحركات، فإنّ قيام دولة يهودية ممكن جدًّا، في ما لو اعتُرِف بأن التوراة هي دستور الدولة، وأن لها سيادة فوق إرادة الحكومة. وإذا ما لم تقم الدولة على أساس التوراة، فإنها تمثّـل إنكارًا للتـاريخ وإنكارًا لكفاح الشعب اليهودي الذي استمرّ مئات السنين.
أصولية "شـاس".. وتغـريد "حرّاس المدينة" خارج السرب
 
الحاخام عوفاديا يوسف
من أشـدّ التيارات والأحزاب الدينية والأصولية في إسرائيل، اليوم، هو "حزب الاتحاد الشرقي العالَميّ لحرّاس التوراة" (شاس)، بزعامته الروحية المتمثـلة بالحاخام "عوفـديا يوسف" – الحاخام الأكبر لليهود الشرقيّين. ويجد حزب "شاس" قاعـدة مؤيّديه في أوساط المتـديّنين الحريديّين عمومًا، والشرقيين منهم خصوصًا. يجذب هذا الحزبُ جماهيرَه باعتماده خطابَين؛ الأول دينيّ حريديّ، والآخر طائفيّ صرْف، ويركّز على اليهود الشرقيّين الآتين من دول العالم الإسلاميّ وأفريقيا.

ويحـرّم هذا الحزب على أعضائه مخالطةَ "الأغيار" ومحادثـتَهم، بل حتى يمنعهم من مخالطة اليهود العلمانيّين أو مصافحتَهم. ويؤكّد الحزبُ على استحداث رقابة دينية متشدّدة حتى على الطعام اليهوديّ (الذي ينبغي أن يكون كوشير أي "حلال")، والقضاءِ على مظاهر الانحلال في المجتمع (ومنها تجنيد الفتيات في الجيش)، وتحويلِ التعليم في إسرائيل إلى تعليم دينيّ يتلاءَم مع النظرة الأصولية الأورثوذكسية.
لكنّ بعضًا من الجماعات اليهودية المتدينة، لا تعتـرف بإسرائيل دولةً لليهود. فبحسْب الحزب الأصولي "حرّاس المدينة" (ناطوري كارتيا)، مثلًا، فإنّ كيان دولة "إسرائيل"، هو ثمرة فئة باغية -- "الصهيونية" -- لم تنتظر ظهورَ المسيح ليُعلن قيامَ الدولة ويُعلِيَ شأنَ اليهود في العالم؛ بل إنها (الصهيونية) سـرقت دورَه وادّعت بأنها هي المسيح المخلّص لليهود من القهر والظّلم والاضطهاد.

ودار جدل واسع بين تيارات دينية أصولية أخرى، في إسرائيل، عن ماهيّة الدولة اليهودية، وما هي حدودها الدينية والتاريخية، وهويّةِ الشعب المسموح له بالعيش في الأرض المقدّسة.

وتشير الدلائل إلى أن التيار الأصولي، حاملَ راية اليهودية الأورثوذكسية، يمرّ بفترة ازدهار ونموّ؛ يقابله ضعفٌ وانقسامات داخل حركات "الاعتـدال"، ما قد يمهّـد لسيادة الهوية اليهودية المتشدّدة في إسرائيل قريبًا. فمع كون اليهود المتـديّنين لا يشكلون أكثر من 30% من المجتمع الإسرائيلي؛ فإنّ المتطرّفين (الأصوليّين) منهم هم الأعلى صوتًا، وإن هذه النسبة هي الأكثر تأثيرًا داخلَ المجتمع الإسرائيلي الذي يتّسم كثيرًا بالـ"تـديّن". لهذا سيطر اليهود الأورثوذكس على قضايا الأحوال الشخصية، مثل الزواج والطلاق والحلال والحرام والدفن وغيرها... وهي أمور تهمّ اليهود كثيرًا في إسرائيل.

الأصولية اليهودية تُسيِّر السياساتِ العالمية
 أفرز الفكر الأصولي اليهوديّ مجموعة من الوصايا السياسية الدينية ذات الأثر المهمّ على السياسات العالمية. وأبرز تلك الوصايا؛ أولًا، "وجوب تحقيق مصلحة إسرائيل، بوصفه واجبًا دينيًّا، واعتبارُ سكّان فلسطين العَرَبَ كفّارًا يتسحقون القتـلَ والإبادة".

ثانيًا، "اعتبار الاعتقادِ بظهور المسيح المنتظَر (في القدس)، الأرضيّةَ للاستعداد لظهوره، ببناء الهيكل وتمكين الدولة اليهودية بامتلاك الأسلحة المدمّرة، وإبادة الآخرين بوصفها شرطًا لمجيء المسيح".

ثالثًا، "نشوء دولة ’إسرائيل‘ بأمر إلهي وبإرادة ربّانية، وكونُها دولة يهود العالم أجمع، ووجوب دعمها وحمايتها".

رابعًا، "الاعتقاد بأن اليهود هم شعبُ الله المختار، وبالتالي تبريرُ تنصّلِهم من الالتزام بما تقـرّره الهيئات الدولية، لأنها "قرارات بشرية". (وبهذا يُفهَم عدمُ قبول ’إسرائيل‘ بالانضمام إلى المعاهدات الدولية، كمعاهدة ’حظر الأسلحة النووية‘ وغيرها، وعـدمُ التـزام الكيان الإسرائيلي بعشرات القرارات الدولية، سواء صدرت من مجلس الأمن أو من الجمعية العامة للأمم المتحدة".

خامسًا، "وجوبُ – دينيًّا – إضعافُ الشعوب الأخرى، والحؤولُ دون امتلاكها عناصرَ القوة (كما في مواقف إسرائيل من المفاعل النووي العراقي والإيراني، والقدرةِ العسكرية المصرية والسورية)... تمهيدًا، أصوليًّا يهوديًّا، لإزالة وجود الآخرين واستئصالِهم. لذلك نشهد إصرارَ ’التوراتيّين‘، داخلَ إسرائيل وخارجَها، على حرمان دول العالم الإسلامي من تملّـك التكنولوجيا المتطوِّرة؛ والتضامنَ مع إسرائيل عندما دَمّرت المفاعلات النووية في البلدان العربية والإسلامية (كما في تـدميرها المفاعلَ النوويّ العراقي ومؤسساتِ الدفاع السورية).

تاريخ الأصولية يفضح "وسامة" المسيحية!
 يقول الكاتبان إن المتتبّع للقضية الأصولية في الديانة المسيحية، يواجه صعوبة في تتبّع الأسس الدينية (من منظومة شرائع وقوانين) لهذه الظاهرة، على النقيض من الديانة اليهودية التي تظهر الملامح العامّة للفكرة الأصولية، فيها، جلية في نصوصها الدينية. فإنّ المسيحية، مع كون تعاليمها لا توحي بانتهاجها نهجًا أصوليًّا (بالمعنى التعصّبيّ الإلغائيّ)، فإنّ الواقع يُبدي صورةً مختلفة عن هذا.

ويرى المؤلفان أنه برغم ترويج المتـديّنين المسيحيّين لكونِ الديانة المسيحية قد شـذّبت ملامحَ القسوة والانحراف التي طرأت على الديانة اليهودية؛ فلا يمكن أن نصل إلى فهم دقيق للديانة المسيحية بمعزل عن الديانة اليهودية. والمتأمل في العهد الجديد (الإنجيل) لن يصل إلى عمق معاني النص من دون الرجوع إلى المقـدّمات التي يمنحها العهد القديم (التوراة) الذي منه استُمِدّت الأصولية اليهودية سالفًا. فالتواصل والاستمرار حاضر بين الديانتَين.

ومع كون الديانة المسيحية موسومة بالدعوة إلى السلام والمحبّة، واعتزال التباغض والأذيّة؛ فإنه توجد بعض الإشارات النادرة، فيها، إلى استعمال القوة في مواضعَ معينة؛ حيث وردت دعوة للسيد المسيح: "لا تظنّوا أنّي جئت لأحمل السلام إلى العالم... ما جئت لأحمل سلامًا بل سيفًا"(!)... كذلك؛ قولُ المسيح: "لكن الآن، من له كيس فليأخذه ومزوّد كذلك، ومن ليس له فليَـبِع ثوبَه ويشتـري سيفًا".

فاستخدام القوة والعنف كان له ما يبرّره تاريخياً في الديانة المسيحية أحياناً، برغم أن المسيحية تصور كديانة سلام، لكن الممارسات التي انتهجتها بعضُ الفِرق المسيحية، خلال التاريخ المسيحي الذي شهد انقسامًا للمجتمع المسيحي إلى ثلاثة أقسام. الأول؛ ما حصل من انشقاق في الدولة المسيحية، في الشرق، وفي مستهلّ القرن الخامس الميلادي. والثاني، الانشقاق الثاني الذي حدث بعد ستة قرون من الانشقاق الأول؛ وهو الذي أحدث شرخًا كبيرًا في العلاقة بين المسيحيّين. أما الانشقاق الثالث، والأخير، فهو الذي أدّى إلى ظهور وتنامي حركة "البروتستانت"، ونشوء خصومتهم مع الكنيسة في روما، في القرن السادس عشر الميلادي... ما أدّى إلى نشوء أمتـين مسيحيتين؛ هما "أمة للبيزنطينيين" و"أمة للّاتين". وبدأت صراعات عنيفة بين الطرفَين، أدّت إلى سقوط الدولة الرومانية الشرقية، ونتيجة لذلك نشب صراعٌ مع الإسلام، وقامت الحروب الصليبية التي كانت مرآة تعكس مدى التطرّف المسيحي حينـئذ.

إن الانشقاقات داخل المجتمع المسيحي، والصراعات بين المسيحية الشرقية والغربية، أنتجتا نظرة كلّ طرَف إلى الآخر على أنه ليس شريكًا بالعهد الإلهيّ. وصار كل من الطرفين ضحية لصراع طويل. واختلف الباحثون في مناشئ أسباب الانشقاق بين روما والقسطنطينية؛ فهناك من ذهب إلى أنها خلافات ذات طبيعة عقيدية، بينما يرى الآخرون أنه صراع سياسيّ صرْف، لكنّه استتر بعباءة الدّين، فنتج عنه أن كفّر كل طرَف الآخر ونعته بالهرطقة... ما أدّى، في القرن الخامس، إلى طرد الكنائس الناطقة باليونانية كلَّ المسيحيين الشرقيين، لأن "أقباط مصر والسريان قد حرّفوا العقيدة الأورثوذكسية"، كما ادّعَـت هذه الكنائس.

صراع القسطنطينية وروما.. نزاع المُـلك باسم المسيحية
 لقد اكتوت المسيحية نفسُها بنيران أصوليتها التي قامت على خلافات عقيدية وتصارع سياسي ذي صبغة دينية؛ مستندة إلى التنافس بين ملوك وأباطرة ورجال الدين المسيحيين في الشرق والغرب. فبدأت صراعات عنيفة معلَنة بين عاصمة الغرب المسيحي، روما، وعاصمة الشرق المسيحي، القسطنطينية (التي اتخذ منها الإمبراطور قسطنطين عاصمة للدولة البيزنطية ومَقَـرًّا للبطريركية الكنسيّة الشرقية الأورثوذكسية-- كنيسة آيا صوفيا في العام 335 م.)، وقد بدأت القسطنينية تخطّ لنفسها طريقًا مختلفًا عن الطريق الذي تسير عليه روما؛ ما ولّد صراعات طويلة أدّت إلى أن تقود روما عـدة حملات عسكرية عليها لتعيدها إلى النهج الذي اختارته هي للمسيحية.

لم يؤدِّ الانشقاق بين الكنيستين في العام 1054 م. إلى خلق الفجوة الهائلة بين قطبَي المسيحية يومئذاك، مثلما أدت استباحة مدينة القسطنطينية على يد "إخوان العقيدة والدِّين"، في يوم الجمعة الحزينة عام 1204 م.، وما تبعه من عمليات قتل للأبرياء وحرق المدينة بكلّ قـدسيتها، حتى كنائسها وأديِرَتها، ما نمّى روح التباغض والحقد نحو روما ومسيحيّتها؛ لولا أن تولي مجمع ليون في العام 1274 م. ومجمع فلورنسا في العام 1439 م. مهمة التخفيف من حدة هـذه المشاعـر التي كانت تهدّد كيان المسيحية.

شكلت هذه الأحداث مدخلًا مهمًّا لبناء فكريّ يدعو إلى محاربة المختلِف، حتى لو كان أخًا شقيقًا، حربًا لا بد من أن تكون "مقدَّسة" حتى تستطيعَ أن تجنِّد الأتباع الذي يظنون أنهم يحاربون من أجل نُصرة الدين، بينما هم، في حقيقة الأمر، يحاربون بُغية توسّع إمبراطورياتٍ على حساب أخرى، أو حروب من أجل إرضاء نزاعات الغرور والكبرياء عند الملوك والأباطرة والباباوات. هذا نزاع المُلك وليس نزاعَ الدين.

محاكم التفتيش.. عار الأصولية المسيحية
لم يقف العنف الأصولي في المسيحية على أتباعها، بل امتـد، كذلك، إلى أتباع الديانات الأخرى. فتَحْتَ ادّعاءات وبواعث دينية، أسِّسَت في القرن الثالث عشر محاكمُ التفتيش المسيحية (عنوانها: "التحقق من بدعة الهرطقة")؛ وهي عبارة عن سلطة قضائية كَنَسِيّة استثنائية، شبيهة إلى حد كبير بالمحاكم الخاصة في عصرنا الراهن التي تمنح صلاحيات واسعة في اتخاذ أقسى العقوبات. ولأحكامها قوة الإلزام والقطعية، فلا يحق الطعنُ فيها عند جهة أخرى أو محكمة أعلى.

مرّت هذه المحاكم التي تولّت النظر في دعاوى الكفر والهرطقة والاختلاف بالرأي عن توجهات الكنيسة، بعدّة مراحل، وأهمها؛ أولًا، محاكمُ التفتيش المؤسَّسة من قِبل البابا "إينوزون الثالث"، التي أنشِئت العام 1199 م. ثانيًا، محاكم التفتيش الإسبانية التي تأسَّست العام 1478 م. وكانت ترتبط مباشرة بالملك الإسباني. ثالثًا، محاكم التفتيش الرومانية التي تأسست في العام 1542 م. والتي اتخذت مسمًّى جديدًا، العام 1609 م.، بـ"المجمّع المقـدّس للمكتب المقـدّس" (وقد ألغِيت في القرن التاسع عشر)، وتولّى عملية إتمام عملها المجمّع المقدّس لشؤون العقيدة والإيمان في الفاتيكان.

لقد مثّـلت محاكم التفتيش مرحلة مهمة من مراحل التبنّي الرسمي للفكر الأصوليّ الرسمي. فالهدف من تأسيس هذه المحاكم كان "محاربة الهرطقة". والمقصود بالهرطقة، وفق وجهة نظر الكنيسة، هو الاختلاف معها في التفسير المحدّد للنص الإنجيلي المقدّس، أو أي انحراف آخر -- حتى وإن كان بسيطًا -- عن العقائد المسيحية الرسمية.

لقد تولّى رجال الدين مسؤولية الإخبار عن أي مشتبَه فيه، كلٌّ في أبراشيّته. فسيق الناس إليها، وتعرّضوا للاستجواب تحت التعذيب... إلى أن يحصل الاعتراف بالذنب فتُـقبل التوبة؛ وإذا حصل الشك في صدق توبته يصار إلى إعدامه. لقد تولى القسّ الكاثوليكي "ثوماس توكامادا" هذه المهمّة بالإضافة إلى كشف من انجذب إلى البروتستانتية، فكان يُلزم نفسَه بإعـدامٍ واحدٍ، على الأقل، من كل عشرة أشخاص يحقّق معهم. لقد ذهب ضحية محاكم التفتيش الكثيرُ من الأبرياء. ثم تحوّلت هذه المحاكم إلى وسيلة لقمع الفكر المتنوّر، وتصفية أصحاب الأفكار الرائدة من أمثال المفكّرين: المصلِح "جان هوس"، والفيلسوف الإيطالي "غويردانو برونو"، والمفكّر الإسباني "ميخائيل سيرفيتوس"، والعالِم الفيزيائي "غاليليو غاليلي"... وغيرُهم كثير ممن أحرِق بدعوى الهرطقة، أو حاد عن أفكاره واعتذر عنها، كي ينجوَ بحياته.

وكان هذا يُعبّر، بشكل واضح، عن ضيق صدر الكنيسة في استيعاب الرأي الآخر، واتّـباعها لمنهج التزمّت الديني (وهو شكل "الأصولية") الذي يصل إلى درجة الطغيان، ومحاولتها تصفية الفكر البشريّ والقضاء على نوازع الإبداع وإرهاصاته.

أما الوجه الأبشع لمحاكم التفتيش فيتمثّـل في محاكم التفتيش الإسبانية التي نشطت بعد انهيار الدولة الإسلامية في الأندلس. فقد أصبحت إسبانيا دولة كاثوليكية سلطوية راحت تتولى تعيين الأمراء والحكّام الذين يزعمون أنهم يحكمون باسم الله وفق فكرة الحق الإلهيّ، فهم يعتبرون أنهم من الله يستمدّون الحقّ في إدارة ممالك الأرض، ويترفّعون عن أن يُحاسَبوا، لأنهم يمثّـلون الإرادة الإلهية في السلطة. لقد تولّت هذه المحاكم ملاحقة المسلمين واليهود الذين انقسموا إلى فئتين؛ في الأولى لم يغيّروا دينهم إلى المسيحية، فنُـفيوا إلى خارج البلاد، وفئة أخرى غيّروا دينَهم واعتنقوا الديانة المسيحية، فقامت المحاكم بالتحقق من صحة انتمائهم الدينيّ الجديد بالتعذيب والتنكيل. وقد ترسّخ الأمر ذاته من حيث العداء الدينيّ للإسلام، غيرُ المبرَّر، في سلسلة حملات الحروب الصليبية، وما رافقها من أحداث تـنمّ عن هذا الكره الشديد للإسلام والمسلمين.

ابتداء الأصولية الإسلامية مع أحمد ابن حنبل
 ثمّة الكثير من آراء أحمد ابن حنبل (إمام المذهب الحنبليّ في الإسلام) العقيدية والفقهية، لا سيّما في ما يتعلّق بالجَـذر الفكريّ والتاريخي للأصوليات المعاصرة. ففي فقه السلطة، يعتقد أحمد أن الخلافة محصورة في قيبلة "قُـرَيش" (التي ينتمي إليها النبي محمد "ص")؛ حتى إذا كان القُـرَشي ظالمًا وجائرًا. فإن صار أحدٌ منهم للناس إمامًا، فتجب طاعته، ويحرَّم الخروج عليه، وتجوز الصلاة خلفه برًّا كان أو فاجرًا. بينما تحوّلت الطاعة، في تيار الحنابلة (أتباع أحمد)، للمتولّي الشأن العام، إلى جواز تكفيره إذا خالف السنّة، وجواز الخروج عليه عند المتأخرين من الأصوليين.

وفي شأن الإيمان، ثمة فَرقٌ بين أحمد ابن حنبل وبين أتباعه؛ إذ  يرى هو أن مرتكب الكبيرة يخرج – لحظة ارتكابه الذنب – من الإيمان، حتّى إذا تاب عاد؛ فيما يرى أتباعُه أنّ تارك الصلاة، والمُخالف لهم في الطقوس، هو كافر ينبغي قتاله.

كذلك؛ ظهر عند أحمد ابن حنبل أنّ مفهوم البدعة كل ما أُحدِث في الدِّين مما ليس منه، في الاعتقادات والأقوال والأعمال، وما خالف السُّـنَّة في الأفكار والآراء والمفاهيم، وما لم تؤيّده تصرفات وسلوك صحابةِ النبي محمد (ص)، والتابعين وأتباعِهم. ويرى أنّ البدعة أخطر من الكفر؛ إذ لا يرى توبة لمن دعا إلى بدعة، بينما يرى للكافر توبة، ويعتقد بأن الردّ على أهل البدع أعظم من الجهاد ضدّ الكفّار. وقد طوّر تيّار الحنابلة هذه الأفكار، فصاغوا نظرية للتكفير.

ويدعم ابن حنبل مفهومَ "الفرقة الناجية" (الذي يُقال إنه ورد في حديث للنبي محمد حول مَن يدخل الجنّة من أمّته)؛ فيَعتقـد أنّ الفرقة الناجية هم "أهل الحديث"، ويعتقـد، تاليًا، أنّ بقية الفِرَقِ في النار. كما قال أحمد ابن حنبل: "إن عـدل الله لا يُدرَك بالعقول"، وكان هذا أساسًا لنظرية معرفية تتبنّاها الجماعات الأصولية في ما بعد.

هكذا؛ وضع أحمد ابن حنبل الأساسَ النظريّ للفكر الأصولي (الإسلاميّ)، ووضع المعيار لفهم الصحابة، واعتمَد قراءة السلف للنصوص الدينية (الذي عبّر عنه، في ما بعد، بـ"الإجماع"). وأهم ما يمكن انتـزاعه من مبادئ منهجية ظلت مؤشرًا مهمًّا في الفكر الأصولي:

أولًا؛ اعتماد المنهج النصوصيّ والقراءة الحرفية منهجًا معرفيًّا سيصبح مسلكًا في فهم النصوص عند الأصوليين.

ثانيًا؛ التـشدد ضد المنهج الاجتهادي العقلي، الذي سيقطع الطريق أمام نقد الفكر الدينيّ.

ثالثًا؛ الالتزام بمرحلة تاريخية دينية بوصفها منهجيًّا الأنموذج المعياريّ للأزمنة اللاحقة، وبذلك يفرض معيارًا ماضويًّا للحاضر.

رابعًا؛ برّر الاتجاه الحنبلي المعاركَ والنزاعات الدموية بين معتـنقي الفكر الحنبلي، من جهة، وباقي الفِـرَقِ الإسلامية، من جهة أخرى، في فترات تاريخية متعاقبة، لا سيما في القرن الخامس الهجريّ، وما بعدَه، بادّعاء "مكافحة البدَع"؛ ما أدّى إلى ظهور فقه خاصّ هو "فقه البدَع والتفسيق والتكفير"، وتحوّلِه إلى سلوكيات تقييمية للناس.

خامسًا؛ انتشار فكرة الفرقة الناجية، وما تسبّبه هذه الفكرة من احتكار مزعوم للحقيقة الدينية.

إنّ هذه المبادئ المنهجية والمعرفية تشكل عناصر أساسية للفكر المتشدّد الذي ظهر، في ما بعدَ عصرِ أحمد بن حنبل، في ما يطلَق عليه "تيار الحنابلة"، والذي تنامى عند أجيالهم المتعاقبة حتى الجماعات المعاصرة.
 
"أصولية" ابن تيمية وصروفُ التكفير
برز ابن تيمية، خطيبًا وواعظًا، بعد موت أبيه. وبرز راويًا للحديث عارفًا بعِلَـلِه، ثـمّ بدأ يهاجم مخالفيه. فهاجم الأشاعرة والمعتزلة، والصوفية، والشيعة؛ وتبنّى عقائد الحنابلة، وطرح مفاهيم جديدة، ودخل في نزاعات عديدة، حتّى مات في عام 728 هـ. (1328 م.)، ودفِن في مدافن الصوفية.

لقد أظهر ابن تيمية اهتمامًا خاصًّا بدراسة الحديث (المرويّ عن النبي محمد "ص")، واتّجه إلى تفسير القرآن، فاعتبر تفسيرَ "الطبَـري" من أحسن التفاسير، معلّلاً ذلك بأنه ينقل آراء السلف بأسانيدها، وأنه من التفاسير التي ليس فيها من "البِدَعِ". ورأى ابن تيمية ضرورة إقامة الدولة الدينية، كما رأى ضرورة أن يتولّى أهلُ الدين إدارة الدولة؛ وأنّ عليهم الإمساك بزمام السلطة، على غرار أنموذج "السلف الصالح" (صحابة النبي محمد "ص" والتابعين له في العصور الأولى للإسلام). وقـرّر ضرورة إقامة الدولة الدينية ذات الأنموذج التاريخي؛ فقال: "إنما الصراط المستقيم هي سبيل نبيّنا، وخلفائِه، وأصحابِه ومَن سلَـك سبيلَهم".

لقد وضع ابن تيمية لمن يتّخذ آراءَه منهجًا له، هذا الهدفَ الأساسَ، بوصفه هدفًا دينيًّا. لكنّه لم يأمر بالخروج على السلطة القائمة؛ لأنه يرى أن عقيدة السلف لا تبيح الخروجَ على السلطان، حتى لو كان الحاكم جائـرًا.

لكن ابن تيمية ظهر ظهور المتـشدّد في ما يراه، من أفكار ومعتـقدات، وعرِف بالشدة مع مَن يخالفه الرأي في فتوى، أو عقيدة، فردًا كان أو مذهبًا. وقد أفتى بكفر فرقة "الأشاعـرة" من أهل السنّة (في كتابه "درء تعارض العقل والنقل"). وكذلك أفتى بانحراف المفكّر والأصوليّ، والفقيه الحنفيّ، أبي منصور الماتريدي. وكان كثير الحطّ على الرازي صاحب "التفسير الكبير". كذلك؛ أفتى ابن تيمية بكفر العلويين ووجوبِ قتـلِهم، بل أسهَم عَمَلِيًّا بمقاتـلتهم، وقد صحب أحدَ أمراء الجيوش لمحاربتِهم. وكان ابن تيمية قد قال فيهم: "إنهم أكفر من اليهود والنصارى، وأكفر من كثير من المشكرين"، وقد غـزا العلويين في جبل كسروان، وكاتبَ السلطان بقتل شيوخهم.

وكتب ابن تيمية في كفر الجهمية القائلين بفكرة "الجَبْرِ" (أي أن الله "يَجبُر" عبادَه على فعل ما يفعلون)، وكفّر المعتـزِلة، وشـنّع على ما سمّاه "ضلالتهم وبدعهم". كما صنّف كتابًا في جواز قتال الشيعة... وخاصم الصوفية، ورماهم بالدعة، وكفّـر العالِمَ "السَّهْـرَوَرْدي"، وابنَ عربيّ، وسبّ الغـزالي.

وكتب ابن تيمية، في الرد على النصارى، كتابًا أسماه "الجواب الصحيح لمن بدّل دينَ المسيح"، ومن الغريب أن هذا الكتاب قد وُصِف بأنه "أهـدأ ما كتبه ابنُ تيمية من كتب شنّع فيها على فِـرَق المسلمين". ويؤكّد ابن تيمية أن "الفرقة الناجية" هم أهل الحديث والسنة، وهم أتباع سبيل السابقين من المهاجرين والأنصار.

يظهر أن ابن تيمية أسس لنظرية عقيدية واحدة اعتبرها هي الصحيحة؛ متّهمًا كل الاتجاهات عداه بالبطلان. وبهذا، حوّل ابن تيمية كل الأفكار التي قبَله إلى كتلة مذهبية واحدة يرميها جميعًا بالبطلان.
 
"الوهّابيّة السعودية" امتدادًا لفكرة "الفرقة الناجية"
بسبب عدم تقـبّل أغلب الناس لآرائه، انتقل محمد بن عبد الوهاب إلى مدينة "الدرعية"، وهناك تحالف مع أميرِها محمد بن سعود، واتفـقا على أن يدعمَه باستعمال سلطانه وقوّته، على أنّ له الإمارةَ على المناطق التي سيضمّها، وأن يتكفّل بن عبد الوهّاب بالفكر والفتوى والإرشاد الديني. وكان لهذا الاتفاق أثـرَه في وضع الأسس الأولى لقيام "الدولة السعودية" في ما بعد. وخاضا حروبًا دينية مع مَن لم يتحالف معهما، منذ العام 1158 هـ. امتـدت لسنين. وفي سنة 1187 هـ. تمت السيطرة على مدينة الرياض، وكان ذلك إنجازًا مهمًّا لتوسّع النفوذ الوهابي السعوديّ.

وفي العام 1206 هـ. مات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فخلَفه أولادُه وأحفادُه على الوظائف الدينية في الكيان السعودي الممتـد في أغلب أصقاع الجزيرة. واستمر أبناؤه وأحفاده في مواصلة الغزو، بقيادة ابنه عبد الله ابن الشيخ، وساروا على النهج عينه في هدم القبور والمساجد التي بُنيَت على القبور، وهدم القباب. ودعَـوا إلى تحكيم الشريعة، وإقامة الحدود ومكافحة البدع. ثم اتجهوا إلى السيطرة على مكّة المكرّمة في العام 1218 هـ.، وهدموا فيها القباب والآثار. وبعد سـنتَـين، استولوا على المدينة المنورة، وفعلوا بها كما فعلوا بمكة.

أرسلت الأستانة والقاهرة جيوشًا لقتالهم لمدة سبع سنوات (1226 -1233 هـ.) وانتهت هذه الحروب بسيطرة آل سعود على عموم شبه الجزيرة. وهكذا اكتملت التجربة الوهابية فكرًا وسياسة، وأقيمت دولة تسمّى "المملكة العربية السعودية" (التي بدت آثارُ تبنّيها للأصولية الوهّابية، في ما استفحلَ بعدَها من التكفير والظُلمِ الذي رعـته هذه الدولة، باسم الإسلام).

إن السمة المشتَـركة بين الوهابية ومجمَل التراث الفكري للأصولية التاريخية، هي اعتمادُها الأنموذج العقيديّ "للسلف الصالح" أنموذجًا معياريًّا – كما هو حال من تَـقـدّمها من التجارب السلفية؛ واعتبارُ رؤيتها هي الحقيقة الربانية المطْلَـقة الصحةِ. وذلك هو امتـدادٌ لمفهوم "الفرقة الناجية"، وأنّ مَن يخالفها ضالّ وكافر، ويستحقّ إهدارَ دمه وماله. ورأت الوهابية أنّ ديار المسلمين الذين شابت تـديّـنَهم البدعُ، أصبحت ديارَ كُفر يجوز غزوُها وإجبارُها على اعتناق عقيدة نقيّة (كما يراها محمد بن عبد الوهاب).

ثورة "أصوليةِ" سيّد قطب على السلفية التقليدية
لقد اطّلع سيد قطب على كُتب "أبو الأعلى المودودي"، لا سيّما كتابُه "نظرية الإسلام السياسية"؛ وتمثّــلَ فكرتَه في تحوّل مفهوم "الجاهلية" من كونها مرحلة زمنية إلى وضع اجتماعيّ سياسيّ عـقيديّ. فانطلق قطب من هذه الفكرة، للحُكم بأنّ كل ما عـدا اعتبارَ الأحكام الإسلامية، عقيدة وتشريعًا، فهو جاهلية جديدة. فاعتبر، تاليًا، أنّ العالَم، في زمنه، يغرق في جاهلية جديدة. وقد كتب أخوه محمد قطب، كتابًا أسماه "جاهلية القرن العشرين". وعندهما أن الجاهلية ممتـدّة ومتجدّدة لأربعة عشر قرنًا، فلم يستـثـنِ منها إلّا زمن "الخلفاء الراشدين"، تماشيًا مع النموذج الأنقى فكريًّا وعقيديًّا في مقولة "السلف".

واعتبَر سيد قطب أنّ إعلان "الربوبية" (حُكم دين الله على الأرض) لا يكون إلا بإعلان الثورة الشاملة على هذه الجاهلية، وعلى "حاكمية" البشر. ولكي تبدأ عملية البعث الإسلاميّ، يلزم التعاملُ مع بلدان العالم أجمع على أنها دار كفر وحَرب؛ فالبلدان لا تُعتبر إسلامية بوجود المسلمين فيها، بل تُعامَل بوصفها "دارَ إسلام" بتطبيقها أحكامَ الإسلام. حتى إذا كان مجتمع الدولة الإسلامية هو مجتمع ذات أغلبية غير إسلامية ولكن تطبَّق فيه أحكام الإسلام، فهو من "ديار الإسلام". وبهذا تتّضح فلسفة "الغَلَبة"، وتطبيقُ الشرع دون اختيار من الناس.

وبهذا التحوّل؛ يتصدّع، لدى سيد قطب، مبدأٌ هو مِن أهمّ المبادئ السلفيّة، وهو مفهوم القرون الثلاثة الفضلى، الممتـدّة حتى القرن الثالث الهجريّ (قرن الصحابة، وقرن التابعين وقرن أتباع التابعين)، ويتصدّع إجماعُ الفقهاء على أنّ البلد الذي يكثـر فيه المسلمون ويمارسون عاداتهم بأمان هم من ديار الإسلام.

وينفتح، مع سيد قطب، البابُ أمامَ حركة تغييرية شمولية تسعى لتحطيم كل ما أسماه "مملكة البشر"، لتقام مملكة الله بالخروج على الحكّام، بعد أن كان الفِكر السلفي يحافِظ على تحصين وليّ الأمر من خطر التمرّد والخروج عليه. واستمرّ سيد قطب في خطّته، فرأى ضرورة إلغاء كل القوانين التي شرّعها البشَر، لأنهم اغتصبوا حقًّا حصريًّا لله، وهو التشريع، وأقاموا "حاكمية الطواغيت"، فجعل التمرّد على الأنظمة الاجتماعية واجبًا دينيًّا بعد أن كان محظورًا دينيًّا.

"السلفية الجهادية".. تطويع التقاليد لخدمة مستلزَمات الواقع
نمِن السلفيات التي تبنّت نزعة أصولية عنيفة، هي "السلفية الجهادية" التي أعلنت أنّ "الجهاد" (الحرابة) هو السبيل الأوحد للتغيير الأشمل في العالم الإسلامي الذي يغرق في "الجاهلية الجديدة" (التي تشرّبت الفكرَ الغربيّ) التي حوّلت مجتمعاتِ العالم الإسلاميّ إلى مجتمعات كافرة. فرأتِ "السلفية الجهادية" (السلفيةُ المعاصرة) بالتالي، أنّ البلدانَ الإسلامية كلَّها دارٌ للحرب. واعتبرت ذلك حُكمًا شرعيًّا ثـبُت بالنصّ والإجماع. ومن أبرز منظّري الحركات الجهادية المتشدِّدة؛ أبو محمد المقدسيّ وأيمن الظواهريّ، وأسامة بن لادن.

ويلاحظ أن كلّ موجة من موجات السلفية المتعدّدة النماذج والأزمان والآيديولوجيا، تقدِّم زيادةً على مضمون الأطروحة التاريخية للسلفية التي تسبِقُها. وقد قـدّمت "السلفية الجهادية"، بعد عـدّة مراجعات، مشروعَ "فقه الواقع"، أو "فقه الضرورة"، لتبرير الخروج على متبنَّيات "السلف". ومثال ذلك نقلُ نطاق الجهاد من قتال الكفّار المعاندين الذين يشكّلون خطرًا على المسلمين، إلى قتال بين المسلمين أنفسِهم (بسبب اختلاف الاجتهادات في ما بينهم). كذلك، نظرًا إلى التعارض بين النصوص السلفية التقليدية وبين مقتضيات الواقع الراهن لدى الأصوليّين المعاصرين (لا سيّما في ما يخصّ الاضطرار إلى العمليات الانتحارية ضدّ الكفّار)، فقد تمّت تعديلات على بعض عناصر الرؤية السلفية التقليدية.

إنّ لـ"السلفية الجهادية" مجموعة مرتكزات فكريّة، منها أنها حلقة متأخِّرة في سلسلة المسار الديني المتـشدّد، وأنها دمجت مفاهيمَ العقيدة السلفية المؤسِّسة، من آراء أحمد بن حنبل مرورًا بابن تيمية وابن عبد الوهاب، وحاكمية المودودي ومعالِم سيد قطب، بعضَها بالبعض الآخر.
تلك الأفكار تستفيد من النص من دون الرجوع إلى تفسيراته المعهودة والتاريخية في أمهات المصادر، بل تلوي عُـنُقَه لتبرير مخالفتِها برؤية جديدة. كذلك، هي نجحت في الدمج بين تجربة جهاد المحتلّين لأفغانستان والجهاد الإخوانيّ في مصر وسوريا، واستفادت من تجارب جهادية ميدانية أخرى، واستفادت من خبرات التراكم العَمَلِيِّ، وأدخلت تحوّلات مهمة مثـل التنازل عن جهاد "العدوّ الأبعد" (غير المسلمين)، وتبنّي جهاد "العدو الأقرب" (المسلمين الذين ساروا بعكس توجّهات "السلفية الجهادية" فكرًا وسلوكًا).
 
Share/Save/Bookmark