تاريخ النشر2011 27 October ساعة 17:08
رقم : 68783
حوار مع سماحة العلامة السيد علي فضل الله بمناسبة موسم الحج:

من أهمّ الأبعاد المعنويَّة الّتي نجنيها بعد أداء فريضة الحجّ، هو العودة إلى الحياة العاديّة، وقد تطهّر الحاج من كلّ رجس

خاص تنا ـ بيروت
وعن هدايا الحجاج: وإلا نكون قد افتعلنا طقوساً طبقيّةً في عبادة يفترض أن إحدى أهمّ غاياتها إزالة الفوارق بين المسلمين، وخصوصاً الطبقيّة منها...
من أهمّ الأبعاد المعنويَّة الّتي نجنيها بعد أداء فريضة الحجّ، هو العودة إلى الحياة العاديّة، وقد تطهّر الحاج من كلّ رجس
ضمن سلسلة الحوارت التي أجرتها وكالة أنباء التقریب "تنا" مكتب بيروت ، مع عدد من العلماء الأفاضل كان لنا حوار خاص مع سماحة العلامة السيد علي فضل الله أكد فيه على ضرورة 
الإبتعاد عن افتعال طقوس طبقيّة في عبادة يفترض أن إحدى أهمّ غاياتها إزالة الفوارق بين المسلمين، وخصوصاً الطبقيّة منها لافتاً إلى أن التّواصل الذي تؤمّنه هذه الفريضة، هو ما يحتاج إليه المسلمون في واقعهم دائماً، لتعزيز عناصر قوّتهم، وإزالة كلّ الحساسيات والتوترات التي قد تحصل نتيجة تباعدهم، وما يعوقهم عن القيام بمسؤولياتهم تجاه بعضهم البعض و هذا نص المقابلة :

س ١: اذاب الدين الاسلامي الفوارق الوطنية والقومية بين شعوب الارض ليقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم انما المؤمنون اخوة، و موسم الحج هو الزمان الوحيد الذي يجتمع فيه المسلمون بمختلف جنسياتهم و أعمارهم و طبقاتهم الإجتماعية في مكان واحد من العالم " مكة المكرمة" لإقامة شعائر الله ، هل ممكن أن نتكلم في هذه المناسبة عن عولمة للإسلام لتتعارف القوميات والمذاهب على بعضهم وتتدارس همومها ومشاكلها ؟


ج ١: إنّ من المنافع الأساسيّة للحجّ، تسهيله التواصل بين المسلمين، وإزالة الحواجز التي تعيق هذا التواصل، سواء كانت الحواجز حواجز المكان أو الحواجز النفسيّة التي قد تنشأ عن الاختلاف في الموقع الاجتماعي أو السياسي، أو الاختلاف المذهبي، أو تنوع البلدان والألوان والجنسيات. فالله سبحانه لم يشأ لهذه العبادة أن تكون كبقية العبادات، كلٌّ يؤدّيها بمفرده، بل أراد للمسلمين أن يؤدّوها سويّاً في مكان واحد، يلبسون ثياباً واحدة، يلبّون معاً، ويطوفون معاً، ويسعون معاً، ويقفون في عرفات والمزدلفة، ويبيتون في مِنى معاً.. ويضحّون ويرجمون الشياطين معاً، لا يفرّق بينهم تنوّع اللّغات والألوان والبلدان أو غير ذلك... 

فقد أراد الله لهم من خلال هذه الفريضة أن يؤكدوا على هويتهم الإسلامية الجامعة، وعلى أهدافهم الواحدة ومصيرهم الواحد..
فالإنسان هو ابن وطن، هو ابن عائلة، ولكنّه في الوقت نفسه هو ابن الإسلام، هو جزء من الواقع الإسلامي، يهمّه ما يهمّ المسلمين، ويفرحه ما يفرحهم، ويحزنه ما يحزنهم.. 

وهذا التّواصل الذي تؤمّنه هذه الفريضة، هو ما يحتاج إليه المسلمون في واقعهم دائماً، لتعزيز عناصر قوّتهم، وإزالة كلّ الحساسيات والتوترات التي قد تحصل نتيجة تباعدهم، وما يعوقهم عن القيام بمسؤولياتهم تجاه بعضهم البعض.. 

فـ"المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً"، "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى والسَّهر".. "من لم يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم"، وهذا الأمر هو الّذي أشار إليه الإمام الصَّادق(ع) عندما سأله أحد أصحابه هشام بن الحكم، قال له: ما العلّة الّتي من أجلها كلَّف الله العباد بالحجّ والطّواف بالبيت؟ قال(ع): "إنَّ الله خلق الخلق وأمرهم بما يكون من أمر الطَّاعة في الدّين، ومصلحتهم في أمر دنياهم، فجعل الاجتماع فيه من الشّرق والغرب ليتعارفوا، وتُعرف آثار رسول الله وتُعرف أخباره، ويذكر ولا يُنسى، ولو كان كل قوم إنما يتكلون على بلادهم وما فيها هلكوا"... 

وهنا لا بدَّ من أن نبدي خشيتنا من أن تبقى هذه العبادة في معناها الفرديّ حتَّى لو تمت بشكل جماعيّ، بحيث تفقد معناها الاجتماعيّ الّذي يساهم في تعميق شعور الإنسان بمسؤوليّته في أن يتواصل مع المسلمين الآخرين، أن يعيش همومهم، ويقدّم لهم تجاربه ويأخذ تجاربهم، ليكون الحجّ بهذا المعنى فرصةً للتّحاور في مواقع الاختلاف الفقهيّ أو العقيديّ، أو في الرّأي الفكريّ أو السياسيّ، أو في أسلوب العمل... 

إنّنا ندعو الّذين يذهبون إلى الحجّ أن يفكّروا في الأخذ بالأبعاد الروحية والإيمانية والتاريخية، ولكن عليهم أيضاً أن يفكِّروا في البعد التواصلي الّذي يؤمّنه لهم، والّذي قد لا يستطيعون تحقيقه في أماكن ومواقع أخرى... 

إنّنا نعتقد بضرورة أن يعود الإنسان من الحجّ بزاد وفير من العلاقات التي بناها، بحيث يعيش بالممارسة الشّعور بأنّ إسلامه إسلام عالميّ، وبأنّ علاقاته لا تقف عند حدود قريته أو مدينته أو وطنه، بل تتعدّاها إلى حدود العالم كلّه... لذلك علينا أن نعمل على تحويل الحجّ إلى مؤتمر شعبي كبير، نؤكّد فيه تواصل الشعوب بكلّ تنوّعاتها الثقافيّة والفكريّة والسياسيّة والمذهبيّة، ليساهم الحجّ في تعزيز واقعنا في كلّ المجالات التي تقي هذا الواقع من كلّ الّذين يكيدون له ويريدون به شراً... 

ففي الحجّ، يفترض أن يتمّ كلّ ذلك على أفضل وجه، وأن يعود الحجّاج إلى أوطانهم وقد غسلوا ذنوبهم من جهة، واستزادوا مما يغني حياتهم الاجتماعيّة والإنسانيّة، وما يصحّح مواقفهم ويعزّزها حيال القضايا الكبرى الّتي تعني الأمّة جمعاء من جهة أخرى... 

س2 : برأيكم هل استطاعت الملتقيات والندوات التي تقام في هذا الموسم باسم الحج وحوار الاديان ان تزيل الرواسب والاحقاد بين المذاهب الاسلامية وخاصة ندوة الحج التي ستعقد هذا العام تحت رعاية المجمع العالمي للتقريب ؟

ج ٢: إنّ اللّقاءات والنّدوات لها دور أساس وفعّال في إزالة الحساسيات، التي تنتج في كثير من الأحيان من سوء الفهم والتباعد والهواجس الّتي يشعر بها كلّ مذهب أو فريق أو بلد إسلاميّ تجاه الآخر.. وبهذا المعنى، يمكن القول إنَّ المنتديات واللّقاءات الّتي تسعى إلى إزالة الرَّواسب والأخطاء بين المسلمين، قد استطاعت أن تؤدِّي دوراً كبيراً في هذا المجال، وخفَّفت الكثير من الاحتقانات.. ونحن ندعو إلى مزيدٍ من هذه اللِّقاءات في كلّ بلد إسلاميّ، بحيث تنمو من خلال ذلك ثقافة التَّقريب، وتصبح أساساً في الذّهنيّة الإسلاميّة.. 

إنَّنا إذ نقدِّر دور مجمع التَّقريب لإقامته مؤتمره في الحجّ، مستفيداً من هذا اللِّقاء السّنويّ لتأكيد وحدة المسلمين وقوَّتهم، ندعو في هذا المجال إلى أن تعالج في هذه المؤتمرات كلّ الإثارات الّتي تطرح في الواقع الإسلامي، سواء بين المذاهب أو الدّول الإسلاميَّة، وكذلك التحدّيات الّتي تواجه العالم الإسلاميّ، ولا سيَّما في هذه المرحلة، حيث يسعى الاستكبار إلى توجيه حركة الشّعوب في غير اتّجاهها الصّحيح.. وكذلك الأخطار الّتي تحدق بالواقع الإسلامي، حتّى يعي المسلمون واقعهم، وينبذوا كلّ عناوين الفتنة، ويتوجّهوا نحو أعدائهم بكلّ عزيمة وقوّة وإرادة صلبة... 

س3 : هنالك ثقافة للأسف أصبحت مصاحبة للحج و هي ظاهرة "البذخ و الإنفاق في الهدايا" فصحيح أن الرسول الأكرم (ص) يقول " تهادوا تحابوا " إلا أن المغالاة في الإنفاق يجعلنا نتساءل هل بات الحج حج للناس بدل أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى ، ما رأيكم في هذه الظاهرة و ما السبيل إلى علاجها؟

ج ٣: إنّنا ندعو الحجّاج إلى اعتبار الحجّ فرصةً ثمينة قد لا تتوفَّر لهم مرّة أخرى، وعليهم أن يستفيدوا منها الفائدة القصوى، وأن يبلغوا من خلالها أعلى المواقع عند الله، وأن يساهم الحجّ في تغيير واقعهم نحو الأفضل... لذلك، فإنّنا نرى أنّه في الوقت الّذي ينبغي للحاجّ أن يهتمّ بإدخال الفرح على الّذين ينتظرونه، وأن يحضر لهم الهدايا، نشير إلى أنّه لا بدَّ له من أن لا يشغله ذلك عن الدّور الّذي يؤدّيه من خلال هذه الفريضة، بحيث يأخذ الكثير من الوقت الّذي تحتاجه هذه الفريضة الهامّة. 

وقد يؤدّي الاهتمام الزائد بالبذل المادّيّ إلى أن يقع الحاج في محذور كبير وهو الإسراف، وأخذ أشياء قد لا تكون فيها الكثير من الفائدة... 

ومن هنا، فإنّنا نؤكّد على الحجّاج أن يدرسوا جيّداً ما يأخذون، والمال الذي يدفعون، وأن لا يبالغوا في الشّراء حبّاً بالشّراء فقط، وغيرة من الآخرين... 

ففي الأصل، لا ينبغي للحاج أن ينشغل بغير أداء المناسك والاهتمام بالقضايا الّتي تهمّ المسلمين وقضاياهم، ولذلك فإنّ الانشغال عن الأمور الأساسيّة في الحجّ، تفقد الحاجّ الكثير من المعاني الّتي يمكن أن يكسبها وهو يؤدّي هذه الفريضة.. ومن هنا، فإننا عندما نتحدّث عن التوازن في مسألة الاهتمام بالبذل في سبيل الحجّ، نقصد أن لا يسرف الحجّاج في الاهتمام بالأمور الشّكليّة على حساب الأمور الجوهريّة.. 

لذلك، يفترض أن نقدّم للحجّاج المزيد من التوجيهات والإرشادات لكي يكونوا على بيّنة من واجباتهم، وأن نبيِّن أهميَّة هذه العبادة والانتظام في برنامجها العباديّ، وإكمال كلّ ما يجب القيام به على أحسن ما يمكن، وبعد ذلك، نتحوَّل إلى القضايا المستحبَّة اجتماعيّاً، ومنها مسألة التهادي والإنفاق الّذي لا يجب أن يخرج بالمحصّلة عن المعاني الكليّة للحجّ، بل أن يبقى في دائرة التوازن الّتي لا تعطي انطباعات غير مستحبّة عن أدائنا لهذه العبادة ذات الأبعاد الاجتماعيَّة المهمة.. 

ولعلَّ من أهمّ هذه الأبعاد، عدم إشعار الحجَّاج الفقراء أو غير الميسورين منهم بأنَّهم أقلّ شأناً من الحجّاج الآخرين، وإلا نكون قد افتعلنا طقوساً طبقيّةً في عبادة يفترض أن إحدى أهمّ غاياتها إزالة الفوارق بين المسلمين، وخصوصاً الطبقيّة منها... 

س4 : ما هي فلسفة التضحية في الحج ؟
ج ٤: إنَّ من أهمّ المعاني الفلسفيّة للتَّضحية في الحجّ، هو ما ننتزعه من قصَّة إبراهيم(ع) مع ولده إسماعيل، وأوّل هذه المعاني، هو التَّسليم الكامل لربّ البيت الحرام، والطّاعة المطلقة له مهما كان الثّمن الّذي يمكن أن نقدّمه في سبيل رضا الله عزّ وجلّ.. وكما أنّ إبراهيم(ع) كان على استعداد لأن يضحّي بولده مرضاةً لله عزّ وجلّ، كذلك نحن لا بدّ من أن نتذكّر هذا الموقف المميّز للنبيّ إبراهيم، واستعداده للتضحية بأغلى ما عنده، وكذلك استذكار موقف إسماعيل(ع) الّذي لم يبخل بنفسه فداءً لله، وقال لأبيه حين أراد تنفيذ أمر الله بذبحه، {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}[الصافات: ١٠٢].. 

إذاً نحن نتعلّم الإيثار والتضحية والصّبر على البلاء، حتى ننقّي أنفسنا من كل ما يشدّنا إلى الدنيا ويدفعنا إلى التمسك بها، بعيداً عن أمر الله، ورغبةً في إرضاء أنفسنا أو أحد من عباده.. وهذا ما يريدنا الله أن نستذكره بعد عودتنا من الحجّ، وأن نحوّل هذه المعاني إلى خصائص ومواصفات لشخصيّاتنا الإسلاميّة الرساليّة المستعدّة لبذل الغالي والنّفيس في سبيل مرضاة الله عزّ وجلّ... 

س5 : ما هي الأبعاد المعنوية التي نجنيها بعد أدائنا لفريضة الحج ؟
ج ٥: عن الإمام الباقر(ع): "ما يعبأ بمن يؤمّ هذا البيت إذا لم يكن فيه خصال ثلاث؛ ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه، وحسن النصيحة لمن نصحه"..
لقد أشار اله. سبحانه وتعالى إلى الصّورة التي ينبغي أن نحملها معاً بعد أداء هذه الفريضة: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}[البقرة: ٢٠٠] {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى}[الحجّ: ٣٧]... 

إنَّ من أهمّ الأبعاد المعنويَّة الّتي نجنيها بعد أداء فريضة الحجّ، هو العودة إلى الحياة العاديّة، وقد تطهّر الحاج من كلّ رجس أو ذنب لم يكن فيه حقّ للنّاس عليه، ويعود إلى الحياة ليبادر إلى بداية جديدة متسلِّحاً بما وهبه إيَّاه الله من نعمة ومغفرة، ومتجرِّداً من كلِّ ذنب يمكن أن يشكِّل له عائقاً أمام صفاء النَّفس والذّات، ومتحصِّناً من كلِّ إغراءات الشَّيطان الّتي تدعوه إلى الدّخول في مداخل السّوء الأخلاقيّ والاجتماعيّ. ومن المعاني أيضاً، أن يعود الحاج قويّ الإرادة بعد أن كان ضعيفاً، وشديد العزيمة بعد أن كان متردّداً، وذا قدرة على الصّبر عظيمة بعد أن كان لا يقوى على مواجهة الصّعاب، وأهمّ من كلّ ذلك، أن يمتلك طهارة النَّفس والإيثار والاستعداد للتَّضحية في سبيل الله، والاندفاع إلى فعل الخير ونصرة قضايا الحقّ المتعلِّقة بقضايا الأمَّة وقضايا المستضعفين في العالم...
حوار  : بتول زين الدين - مكتب بيروت
https://taghribnews.com/vdcds509.yt0jj6242y.html
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني
أدخل الرمز