ولادة عيسى بن مريم(ع).. ولادة النور والطهارة

تنا
بمناسبة ولادة السيد المسيح(ع)، نستحضر هذه الشخصية النبوية الربانية التي عاشت لله في كلّ مواقع العبودية والإخلاص، وجاهدت وضحّت وصبرت وساحت في الأرض مبلّغة تعاليم ربّ العالمين بكلّ ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، متحدّية كلّ أشكال المعوّقات التي حاول اليهود والوثنيّون زرعها في وجه الرّسالة المباركة التي جاء بها المسيح(ع)، فقد خافوا على مشاريعهم وطموحاتهم ومصالحهم وسيطرتهم ونفوذهم.
تاریخ النشر : الاثنين ۲۵ ديسمبر ۲۰۱۷ الساعة ۱۲:۰۷
كود الموضوع: 301382
 
ولادة عيسى بن مريم(ع).. ولادة النور والطهارة
محمد عبدالله فضل الله
فعلاً، لقد كان المسيح(ع) الكلمة التي أحيت قلوب الناس وقلب كلّ عاقل منفتح على الحقّ وعلى الله تعالى، هذه الكلمة التي حملت كلّ قيمة استمرت وامتدت رغم الزمن، واستطاعت أن تستقر في المشاعر والعقول، فاتحة لكلّ روح أفق رحباً في السير إلى الله تعالى والتعبّد المخلص له.

وإذا ما أتينا إلى وصايا السيد المسيح(ع)، نجد تلك النفحات المباركة والإلهيّة العظيمة التي تعكس عظمة هذه الرّسالة التي من أجلها جاء المسيح(ع)، معلناً فتحاً جديداً للعقول والقلوب التي حالت الدّنيا بينها وبين رؤية الحقّ والانتصار له ولأهله:

"... بحقّ أقول لكم: إنّ الحريق ليقع في البيت الواحد، فلايزال ينتقل من بيت إلى بيت حتى تحترق بيوتٌ كثيرةٌ، إلا أن يُستدرك البيت الأوّل، فيهدم من قواعده، فلا تجد فيه النار محلّاً، وكذلك الظالم الأوّل، لو أُخذ على يديه، لم يوجد من بعده إمامٌ ظالمٌ فيأتمّون به، كما لو لم تجد النار في البيت الأوّل خشباً وألواحاً، لم تحرق شيئاً..

ويلكم يا عبيد السّوء! كيف ترجون أن يؤمنكم الله من فزع يوم القيامة، وأنتم تخافون الناس في طاعة الله، وتطيعونهم في معصيته، وتفون لهم بالعهود النّاقضة لعهده؟ بحقّ أقول لكم: لا يؤمن الله من فزع ذلك اليوم مَن اتخذ العباد أرباباً من دونه..

ويلكم يا عبيد الدّنيا!... تحملون السّراج في ضوء الشّمس وضؤوها كان يكفيكم، وتدعون أن تستضيئوا بها في الظلم ومن أجل ذلك سُخّرت لكم!.. كذلك استضأتم بنور العلم لأمر الدنيا وقد كفيتموه، وتركتم أن تستضيئوا به لأمر الآخرة ومن أجل ذلك أُعطيتموه، تقولون: إنّ الآخرة حقّ وأنتم تمهّدون الدنيا، وتقولون: إنّ الموت حقّ وأنتم تفرّون منه، وتقولون: إنّ الله يسمع ويرى، ولا تخافون إحصاءه عليكم، فكيف يصدّقكم مَن سمعكم، فإنّ مَن كَذَب من غير علمٍ، أعذرُ ممن كذب على علم، وإن كان لا عذر في شيء من الكذب..

بحقّ أقول لكم: إنه كما لا ينقص البحر أن تغرق فيه السفينة، ولا يضرّه ذلك شيئاً، كذلك لا تنقصون الله بمعاصيكم شيئاً، ولا تضرّونه، بل أنفسكم تضرّون، وإيّاها تنقصون، وكما لا ينقص نور الشّمس كثرة من يتقلّب فيها، بل به يعيش ويحيا، كذلك لا ينقص الله كثرة ما يعطيكم ويرزقكم، بل برزقه تعيشون وبه تحيون، يزيد من شَكَره أنّه شاكر عليم..

بحقّ أقول لكم: إنّه كما ينظر المريض إلى طيب الطعام فلا يلتذّه مع ما يجده من شدة الوجع،كذلك صاحب الدنيا لا يلتذّ بالعبادة، ولا يجد حلاوتها مع ما يجد من حبّ المال، وكما يلتذّ المريض نعت الطبيب العالم بما يرجو فيه من الشفاء، فإذا ذكر مرارة الدواء وطعمه، كدّر عليه الشفاء، كذلك أهل الدنيا، يلتذّون ببهجتها وأنواع ما فيها، فإذا ذكروا فجأة الموت، كدّرها عليهم وأفسدها..

بحقّ أقول لكم: لا تدركون شرف الآخرة إلا بترك ما تحبون، فلا تنتظروا بالتوبة غداً، فإنّ دون غد يوماً وليلةً، قضاء الله فيهما يغدو ويروح..

بحقّ أقول لكم: إنّ صغار الخطايا ومحقّراتها لمن مكائد إبليس، يحقّرها لكم ويصغّرها في أعينكم، وتجتمع فتكثر وتحيط بكم..

بحقّ أقول لكم: ليس شيءٌ أبلغ في شرف الآخرة وأعون على حوادث الدنيا من الصلاة الدائمة، وليس شيءٌ أقرب إلى الرّحمن منها، فدوموا عليها، واستكثروا منها، وكلّ عمل صالح يقرّب إلى الله، فالصّلاة أقرب إليه وآثر عنده..

ويلكم يا علماء السّوء!.. إنكم لتعملون عمل الملحدين، وتأملون أمل الوارثين، وتطمئنون بطمأنينة الآمنين، وليس أمر الله على ما تتمنون وتتخيرون، بل للموت تتوالدون، وللخراب تبنون وتعمرون، وللوارثين تمهّدون..

بحقّ أقول لكم: إنّ الذي يخوض النّهر لا بدّ من أن يصيب ثوبه الماء، وإن جهد أن لا يصيبه، كذلك مَن يحبّ الدّنيا، لا ينجو من الخطايا .

بحقّ أقول لكم: طوبى للذين يتهجّدون من الليل، أولئك الذين يرثون النّور الدّائم من أجل أنّهم قاموا في ظلمة الليل على أرجلهم في مساجدهم، يتضرّعون إلى ربهم رجاء أن ينجيهم في الشدّة غداً..

بحقّ أقول لكم: يا عبيد الدنيا ! كيف يدرك الآخرة من لا تنقص شهوته من الدنيا ولا تنقطع منها رغبته؟
بحقّ أقول لكم: يا عبيد الدنيا! إن أحدكم يبغض صاحبه على الظن، ولا يبغض نفسه على اليقين، وأقول لكم: إنّ أحدكم ليغضب إذا ذُكر له بعض عيوبه وهي حقٌّ، ويفرح إذا مُدح بما ليس فيه..

بحقّ أقول لكم: إنّ أرواح الشياطين ما عمرت في شيء ما عمّرت في قلوبكم، وإنما أعطاكم الله الدنيا لتعملوا فيها للآخرة، ولم يعطكموها لتشغلكم عن الآخرة"..

عندما نقف أمام ذكرى ميلاد السيّد المسيح(ع)، فإننا نستذكر الكلمة الطيبة النافعة التي أحيت النفوس العطشى والولهى للحقّ وللحقيقة، ولكلّ ما يشفي الإنسان ويفتح مشاعره على الخير، ويهذّب روحه ويزكّيها بكلّ برّ. لقد كان المسيح عيسى بن مريم(ع)، ولايزال، في كلماته وفي معاجزه وسيرته وطهارته ومواقفه، مدرسةً وقدوةً للأنام على مرّ الزمن، خلّده الله تعالى في الدّنيا، بأن جعله مكرّماً وعزيزاً، وفي الآخرة في المقام المحمود، يقول تعالى في كتابه العزيز: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}.

كلّ الخير والبركة واليمن بمناسبة ولادة نبيّ الله عيسى المسيح(ع)، ويبقى ونحن في هذه الظروف العصيبة، أن نحسن تمثّل سيرة أنبيائنا ورسلنا، فهم العلامة المضيئة في ظلمات أيّامنا.

فسلام عليه يوم ولد، ويوم رفع إلى الملكوت الأعلى عند ربّه راضياً مرضيّاً.
Share/Save/Bookmark
کلمات رئيسية: عيسى , ولادة , النور , الطهارة