تاريخ النشر2022 15 January ساعة 18:00
رقم : 534046
قصيدة البردة حققت شهرة بلغت الآفاق في العالمين العربي والإسلامي

رحلة «البردة الشريفة» من مصر إلى الصين

تنا
خاض الحاج الصيني "مادا شين"قبل 180 عاما، البحر والسهل والوعر من أقصى الشرق إلى الأراضي الحجازية؛ من أجل أداء فريضة الحج، ورغم طول المسافة حرص على تدوين يوميات رحلته لتكون الأولى من نوعها، قبل أن يقوم الدكتور حمدي عبد العزيز أستاذ البحوث والدراسات الصينية بترجمتها إلى العربية.
قصيدة البردة للإمام البوصيري على إحدى المخطوطات
قصيدة البردة للإمام البوصيري على إحدى المخطوطات
ورغم أن الصينيين توافدوا على الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج قبل عهد«مادا شين»، إلا أن أحدًا لم يوثق رحلة الصينيين إلى الأراضي المقدسة، أو يذكر وجودهم بالأراضي الحجازية لأداء فريضة الحج على مدار 12 قرنًا من الزمان.

 لم يكن مادا شين مواطن صيني عادي اعتنق ديانة الإسلام وحسب.. لكنه كان أيضًا مناضل يدافع عن بلاده ضد قوات التحالف الغربي الثماني بقيادة بريطانيا العظمى الذي شن ضدها حرب الأفيون الأولى (1840 - 1842 م)، ورجل تحدى الصعاب وخرج من موطنه في مقاطعة يوننان جنوبي الصين رغم وطأة الحرب، لكي يؤدي مناسك الحج في الأراضي الحجازية ويوثق أول رحلة من الصين إلى مكلة المكرمة في كتاب بعنوان «مذكرات رحلة إلى مكة المكرمة».

وبعد انقضاء رحلته الحجازية، عرج «مادا شين» على  أرض المحروسة (مصر)؛ ليقوم بزيارة عددا من أضرحة أولياء الله الصالحين في مصر، وبين رحاب السيد البدوي بطنطا إلى ساحة البوصيرى أمام المداحين، كانت رحلة الحاج الصيني «مادا شين».

انطلق «مادا شين» في رحلته متوغلاً في قلب الدلتا قاصدا الإسكندرية «عاصمة الثغر»، قائلا:"من دمياط استأنفت الرحلة، وأبحرت في النيل لمدة ثلاثة أيام حتى وصلت قرية سمنود، وهي رابط مهم بين مديرية الغربية والدقهلية"، وهنا أسهب في وصف موقعها الجغرافي المميز على النيل".

أكمل الحاج الصيني تفاصيل الرحلة بقوله:"ثم ركبت الحمار حتى وصلت إلى طنطا، حيث يوجد ضريح السيد البدوي بعد أسابيع من موعد مولده، الذي كان في منتصف أكتوبر وقتها، ثم غادرت طنطا ووصلت مدينة رشيد، ثم أبحرت من هناك في نهر النيل، وبسبب العزل الصحي شحنت حقائب السفر إلى الإسكندرية، ويوجد بداخلها حاجياتي ولوازم الحياة والكتب الدينية".

وحين وصل مشارف الإسكندرية، أدهشته عروس البحر المتوسط، فكتب قائلًا تحت وقع جمالها الآسر: "الإسكندرية مدينة جميلة وخلابة، وفيها يلتقي نهر النيل بالبحر الأبيض المتوسط، وبينهما أرطال من التجار وتجارتهم الرائعة ويتحدثون باللغتين العربية والتركية، ويوجد ضريح النبي دانيال، بالإضافة إلى أضرحة أهل البيت، وضريح العالم الجليل محمد البوصيري مؤلف قصيدة (البردة)، وتشتهر الإسكندرية بالمعالم الأثرية القديمة وبانيها المصمم الروماني دينوقراطيس المستشار الفني عند الإسكندر الأكبر".

وفي المنطقة المُسماة عند أهل التصوف بـ"بقيع الإسكندرية"، وقف «مادا شين» ينظر بإجلال واحترام إلى قبر الإمام البوصيري صاحب قصيدة "البردة" أشهر ما ذُكر في مدح الرسول الأكرم محمد - صلى الله عليه وسلم ـ .

وقف العالم «مادا شين» أمام قبر الإمام البوصيري بالمسجد الذي يحمل اسمه، وقال إن الجدران الأربعة للرُدهة الرئيسية بالمسجد، تزدان بصور مكتوبة بحروف بارزة غاية في الروعة، وهي مقتطفات من رباعيات الإمام ـ رضي الله عنه ـ التي مدح بها النبي، وتتردد على كل لسان من وقتها حتى قيام الساعة.

وأضاف أن قصيدة البردة حققت شهرة بلغت الآفاق في العالمين العربي والإسلامي، وأن الناس في مصر كانوا يطلقون على قصيدة "البردة" وقت زيارته مصر، لقب "تميمة"، حيث كانوا يتبركون بها في الاستشفاء من الأمراض ومنع الحرائق والكوارث ودرء الشرور وجلب السعادة.
وأكد أن تلك القصيدة بها قوة كامنة غريبة منحتها القوة للاستمرار طوال تلك السنين وعدم الاندثار مثل غيرها من قصائد في مدح الرسول.

وعندما عاد «مادا شين» إلى وطنه عام 1848م، حمل معه نسخة من "البردة" التي استحوذت على إعجابه، فضلا عن الكتب التي تناولتها بالشرح.

وبعد أن استقر به المقام في بلدته، تعاون مع تلميذه النجيب "ماكاي كه" في ترجمتها بعنوان "الشعر الكلاسيكي لبيت الله الحرام"، حيث اضطلع الأستاذ بترجمتها شفهيًا، وسجلها التلميذ ونقحها لكي تخرج في أبدع صورة ويتم طباعة نسخ عديدة منها ووزعت في البداية بمدينته كونمينغ عاصمة مقاطعة يوننان، ثم مدينة تشينغدو عاصمة مقاطعة سيتشوان جنوب غربي الصين، والتي كانت عاصمة مملكة شو.

 وبهذه الترجمة أصبحت «البردة» باكورة الأعمال الأدبية الأجنبية المترجمة إلى اللغة الصينية في العصر الحديث؛ مما يدل على أن البوصيري وقصيدته قد دخلا الصين قبل قرن ونصف من الزمان.


/110
http://www.taghribnews.com/vdcbaabs0rhbfgp.kuur.html
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني