تاريخ النشر۷ شباط ۲۰۱۹ ساعة ۱۲:۲۲
رقم : 401164

عبرة من إسلام السياسي الهولندي كلافيرين

نسمع بين الحين والآخر عن إسلام شخص ما هنا وآخر هناك، وهذا يثير لدى المسلمين شعورا بالاعتزاز والاكتفاء ورد الاعتبار، ويمنحهم ثقة بأنفسهم ودينهم ودين آبائهم وأجدادهم، وذلك بسبب ما يتعرض له الإسلام والمسلمون في العقدين الأخيرين من هجوم وتشويه.
النائب الهولندي السابق يورام فان كلافيرين ، الذي اعتنق الاسلام
النائب الهولندي السابق يورام فان كلافيرين ، الذي اعتنق الاسلام
سهيل كيوان 
كان آخر مُشهري إسلامهم من الشخصيات المعروفة، هو النائب الهولندي السابق يورام فان كلافيرين، وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي الخبر، والطريق الذي أوصله إلى قناعته الجديدة، ويأخذ الخبر أهميته وإثارته عند التأكيد على أن المذكور كان معاديا شرسا للمسلمين، وكان في صدد إعداد كتاب يهاجمهم هم ودينهم فيه، ولكنه خلال بحثه، اكتشف بأن القيم التي قرأها قريبة من فكره.

ما يجب أن يلفت نظر المسلمين، ليس إسلام هذا الرجل فقط، بل الردود الشعبية والرسمية على إسلام هذا أو ذاك، سرعان ما نسمع أبناء شعبه ووطنه يعلنون بأن هذا حقه، وأن حق العبادة مكفول للجميع، وأن هذا الأمر خيار شخصي ليس من حق أحد أن يتدخل فيه، وهذا يعني أنه لن يعاقب على خياره هذا، وليس متوقعا أن تعلن أحزاب المعارضة ولا أحزاب السلطة عن تسيير مظاهرات صاخبة بعد أو قبل صلاة الأحد، يُقتل فيها عدد من الأشخاص وتحرق بعض المتاجر والسيارات في أمستردام، ولن يحرقَ متظاهرون غاضبون صوره في الميادين، ولن يطالب أحد بإعدامه، ولن يصفه أحد بالمرتد يورام فان كلافيرين، وبالتالي لن يضطر إلى الهجرة من وطنه هولندا إلى بلد أجنبي ليحمي نفسه وأسرته من الموت، ولن يضطر للتخفي بشعر مستعار أو إلى تغيير ملامح وجهه لحماية نفسه في الشارع من قذف الناس وتشهيرهم به، ولن يصفه أحد بالمرتد والملحد والكافر الذي يجب أن يقتل.

في الواقع لولا أن فان كلافيرين نائب سابق معروف بمهاجمة المسلمين والتحريض عليهم، لما انتبه أو اهتم لإسلامه أحد من الهولنديين، فهناك كثيرون وكثيرات من الهولنديين والهولنديات وغيرهم من الأوروبيين والأمريكيين الذين ينضمون إلى الدين الإسلامي، قد يكون هذا بعد زواج من مسلم، أو نتيجة لصداقة ما وتعرف على مسلم طيّب خلالها، أو جراء بحث عن معنى فلسفي يسُد الخواء والتصحر الرّوحي الذي وصل إليه كثيرون في المدن المتقدمة، وربما بسبب لقاء صدفة مع مسلمين أعجبه نمط حياتهم، وهؤلاء لا يدري أحد عن إسلامهم سوى حلقة ضيقة ممن حولهم، فالشعوب التي تعيش في ظلال أنظمة ديمقراطية حقيقية، تضمن حرية المعتقد والعبادة والفرد والاختلاف في دساتيرها، ترى في معتقد الإنسان شأنا شخصيا، ويرى معظمهم في هذا التحول تجربة روحية قد يستمر بها المذكور حتى النهاية، أو أنه قد يتراجع عنها
في مرحلة لاحقة، وقد ينتقل منها إلى عقيدة أخرى، وقد يبقى هكذا ويحسن إسلامه، وقد يرى البعض فيه رجلا عاشقا للشهرة فوجد ضالته في خطوة كهذه. علينا أن نلتفت إلى تقبّل حرّية المعتقد، وإلى ثقافة عدم الإساءة لمن يختلف ويقرر تغيير قناعات واستبدال عقيدة روحانية بأخرى، بدون تهديده بالقتل أو تكفيره. حرية المعتقد يكفلها الدين الإسلامي، فهو صريح في هذا، ويمنح الحرية للناس باختيار الإسلام كعقيدة أو لا، «لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغِيّ» «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إنا أعتدنا للظالمين نارا». هذا يعني أن حساب العبد على رب العباد وليس على البشر، هذه آيات صريحة وواضحة، تحث على النظر إلى قضية الإيمان كأمر شخصي لا حق للآخرين التدخل فيه، طالما أن هذا الإنسان لا يسعى لإيذاء الآخرين.

إحدى مشاكل مجتمعاتنا العربية والإسلامية هي التدخل في شأن الآخر، ليس فقط في قضية إيمانه، بل وفي طقوس تطبيق وممارسة هذا الإيمان وطرق التعبير عنه، وهذا أمر مؤسف، ويضع حواجز بين الناس، وفي حالات كثيرة يزرع الضغائن والمشاحنات، حتى الوصول إلى العنف، خصوصا عندما يتمسك طرف ما بالشكليات، ويعتبرها مضمونا لا تنازل عنه. قبل أحداث سبتمبر/أيلول 2001 شهدت أمريكا حركة واسعة من الانضمام إلى الإسلام بهدوء وبلا ضجيج، كانت الرحمة ومساعدة الضعفاء، ورفض التمييز العنصري والحث على تحرير العبيد، والقيم الأخلاقية الكبيرة، هي الصورة المنتشرة عن الإسلام، وكان الرياضي الأسطوري محمد علي كلاي، أحد الرموز العظيمة التي مثلت الإسلام المعتدل بأفضل صورة ممكن أن تكون، فشكل عامل جذب كبيرا، خصوصا لذوي البشرة السمراء من الأمريكيين. إلا أن للإسلام المعتدل أعداءً كثيرين، ومنهم عرب ومسلمون وقادة غربيون وصهاينة، وذلك أن هؤلاء يستفيدون من الإسلام المتطرف، فهو مطية للتشبث بالسلطة أو للوصول إليها، ومطية لنهب خيرات المنطقة، ومطية لاستمرار الاحتلال بدون رادع.

قبل أيام اجتمع بابا الفاتيكان مع مفتي مصر ومع بابا الأقباط ومع الرئيس السيسي خلال جولة في المنطقة، وصدرت عن الجميع بيانات ضد استخدام الدين لمآرب سياسية، وأعربت كل الأطراف المسؤولة في مصر عن ضرورة الابتعاد عن التطرف، وحثّت على التعايش السلمي، وتقريب القلوب بين أبناء البشر، إلا أن ما لم تتطرق إليه هذه الأطراف والبيانات، هو أن الحديث عن الحرية والسلام لا ينسجم مع سجن عشرات الآلاف من المصريين المعارضين، والحرية لا تعني تغيير الدستور لأجل التشبث بالسلطة وتمديد البقاء فيها، رغم أنف الشعب، فأحد أهم منابع الإرهاب في المنطقة العربية هو غياب الديمقراطية وحرية التعبير والقدرة على تغيير الأنظمة بصورة سلمية كما هو الحال في هولندا مثلا، الأمر الذي يبعث روح اليأس في الناس، وهذا بدوره يؤدي إلى نشوء تربة خصبة للحركات المتطرفة التي أضعفت النموذج المعتدل الجذّاب من الإسلام والمسلمين.
كاتب فلسطيني

يجدر بنا ان نذكّر القراء الكرام ان هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي وكالة التقريب 
مصدر : القدس العربي
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني